بينما كان الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة يعالج في المستشفى السويسري بعد إصابته بوعكة صحية؛ تحت إشراف الدكتور المختص في أمراض القلب الفرنسي جاك مونسيغو، كانت الأستاذة الجامعية عائشة عويسات تلفظ أنفاسها الأخيرة بالمستشفى الجامعي بورقلة جنوبي الجزائر، إثر ما قالت عائلتها إنّه إهمال طبيّ بعد إصابتها بلسعة عقرب.

عاد بوتفليقة من سويسرا بعد أيّام من قضائه رحلةً علاجية؛ ليعود الجدل حول واقع الصحة في الجزائر، خصوصًا بعد عجز وزارة الصحة الجزائرية على مواجهة تفشي مرض الكوليرا، وظهور إحصائيات جديدة تشير إلى هجرة أكثر من 10 آلاف طبيبٍ مختص إلى فرنسا للعمل بمستشفياتها. أمام هذا الواقع نستقصي – رفقة الخبراء- أسباب تدنّي مستوى المنظومة الصحية بالجزائر، والأسباب التي تدفع الأطباء الجزائريين إلى الهجرة.

الصحة في الجزائر تعاني المرض

يعدّ قطاع الصحة في الجزائر من بين أهمّ القطاعات الحساسة في البلاد، إذ تلتهم ميزانية الصحة ما نسبته 3.3 مليار دولار، وعلى الرغم من ذلك، ما زالت الإحصائيات الدولية تضع الصحة بالجزائر في دائرة حمراء، إذ تشير البيانات التي نشرتها صحيفة «ذا لانسيت» وهي مجلة طبية بريطانية عامة أسبوعية، بناءً على تقديرات الأمم المتحدة إلى احتلال الجزائر المركز 101 عالميًّا سنة 2016 من بين الدول الأكثر صحة، واستخدمت الدراسة تحليل عدة عوامل مثل الإصابات، وعوامل المخاطرة بين عامي 1990 و2015 لترتيب تلك الدوّل، بينما احتلت المرتبة 81 عالميًّا في مؤشر الكفاءة العامة الصادر عن منظمة الصحة العالمية؛ بعد أن تحصلت على معدل 0.701%.

وبالغوص في تفاصيل الأرقام الجديدة التي كشفت عنها منظمة الصحة العالمية؛ تتعرض كل 148 أمًّا جزائرية للوفاة عند الولادة من بين كلّ 100 ألف امرأة، بينما تبلغ نسبة الولادات التي تُجرى داخل المستشفيات وبحضور أطباء وقابلات 97%، وتوفيّ في الجزائر حسب – تقرير منظمة الصحة العالمية- ما نسبته 25.5 طفل من كل ألف طفل غالبيتهم تحت سنّ الخامسة، وقدّرت المنظمة نسبة الإصابات بفيروس نقص المناعة «الإيدز» في الجزائر بمعدل 0.02%، أمّا مرض السل فبمعدل 76 شخص بين كلّ 100 ألف آخرين، في وقتٍ سجلت فيه المنظمة معدل إصابة بفيروس الالتهاب الكبدي قدّر بـ 0.22%.

وارتفعت حالات الوفيات نتيجة أمراض القلب والأوعية الدموية، والسرطان، والسكري، وأمراض الجهاز التنفسي المزمنة لتصل إلى مستوى 14.2%، كما ارتفعت الوفيات نتيجة حوادث المرور بالجزائر لتصل معدل 23.8 بين كلّ 100 ألف، وتسجلّ الجزائر سنويًّا مقتل حوالي 4 آلاف ضحية نتيجة هذه الحوادث، وسجلت الجزائر أيضًا ارتفاعًا في نسبة الوفيات الراجعة لأسباب مرتبطة بتلوث المحيط إلى نسبة 49 جزائريًّا من 100 ألف، في وقتٍ سجلت فيه نسبة الإصابات بالأمراض المعدية المتنقلة عبر المياه ارتفاعًا، كان آخرها عودة وباء الكوليرا الذي تفشى في خمس محافظات جزائرية محصيًا عشرات الإصابات.

أمّا بالنسبة لتغطية الخدمات الصحية الأساسية، والتي تشمل رعاية صحة الأطفال حديثي الولادة والأطفال، والأمراض المعدية، والأمراض غير السارية، وقدرات الخدمة الصحية والوصول إليها، بين عامة السكان، والطبقات المحرومة في المجتمع، فقد سجلت الجزائر ما نسبته 76% من التغطية الكلية للخدمات الصحية، حسب منظمة الصحة العالمية التي سجلت أيضًا نسبة 99% من الجزائريين تلقوا لقاحات المدرجة ضمن البرنامج الوطني للتلقيح.

مستشفى جزائري- مصدر الصورة: الأوقات

وصنفت المنظمة الجزائر في المرتبة الأخيرة أفريقيًّا من ناحية ميزانية البحوث الخاصة بالصحة، بمعدل قارب 0.02% من الميزانية الموجهة لقطاع الصحة، أمّا نسبة الإنفاق الحكومي على قطاع الصحة فقد سجلت منظمة الصحة العالمية ما نسبته 10% من الميزانية العامة، ووجهت الحكومة حوالي 3.3 مليار دولار من ميزانية قانون المالية لسنة 2018، لفائدة قطاع الصحة، كما سجلت المنظمة ما نسبته 75 % من التزام الجزائر بلوائح الصحة العالمية والتأهب لحالات الطوارئ الصحية.

لكن خبراء في الميدان يرون أن هذه الأرقام لا تعكس واقع المنظومة الصحيّة في الجزائر، ففي حوار لـ«ساسة بوست» مع رئيس الكتلة النيابية لحركة مجتمع السلم المعارضة، أبرز أحمد صادوق أنّ قطاع الصحة في الجزائر مريضٌ وبحاجة إلى علاج جذري، ولطالما تغنت الحكومة الجزائرية بالإصلاحات، لكن لا أثر لتلك الإصلاحات التي باتت شكلية فقط، وأضاف صادوق: «الآن وفي 2018 في الجزائر ما زال المواطن يموت بدءًا بالكوليرا ولسعة العقرب، ولسعة النحل، وغيرها من الأسباب التي لم تعد موجودة حتى في الدول الأفريقية».

من جهته عد الدكتور المختص في الإنعاش الطبي لهلالي موفق، في حديثه مع «ساسة بوست» الوضعية المزرية التي يعيشها قطاع الصحة في الجزائر، والتي لا تخفى على أحد – بحسبه- «وإن حاول المسؤولون في وزارة الصحة التعتيم على ذلك ببعض الإنجازات الهيكلية الفارغة». مضيفًا أنّ «حالة التصحر الطبي قد أصابت معظم مناطق الوطن وغياب التجهيزات والإمكانات الضرورية هو الأصل في المشكلة التي تزداد تعقيدًا بهجرة الأطباء».

أمّا الناشط السياسي سمير بلعربي، فيرى في حديثه مع «ساسة بوست» أنّ «تدهور المنظومة الصحية معضلة كبيرة، تعود إلى سوء التسيير، وعدم اعتماد الدراسات الواقعية والاستشرافية، ناهيك عن الظواهر التي تنتشر في كل الإدارات والمؤسسات الجزائرية كالفساد والمحسوبية وغيرها».

مرض الكوليرا يعود للظهور في الجزائر– مصدر الصورة: النهار الجزائرية

وشهدت الجزائر الشهر الماضي عودة ظهور مرض الكوليرا بعد أكثر من 22 سنة على القضاء عليه، إذ أعلنت السلطات الجزائرية وفاة شخصين و147 حالة مشتبه بها بإصابتها بمرض الكوليرا، واستنكر رئيس الكتلة النيابية لحركة مجتمع السلم الجزائرية التعامل الحكومي مع الوباء، بوصفه يهدد قطاعات مهمة في الدولة.

وأضاف صادوق أن «من أسباب انتشار الكوليرا هو التأخر عن الإعلان عن المرض، وخاصة أنه يندرج ضمن الأمراض الواجب التصريح بها، رغم بداية ظهور حالات متفرقة، وعدم التمكن من تحديد مصدره، فقد صرّح عدد من المختصين أن الفترة بين ظهور المرض والتصريح به فاقت 15 يومًا، مما أدى إلى انتشاره في هدوء، فالحكومة لم تعلن عن الوباء إلا بعد أسبوعين من ظهوره في البلاد، والتي لم تسجل أي حالة كوليرا منذ 1996».

وأدان رئيس الكتلة النيابية لـ«حمس» تعامل وزارة الصحة مع انتشار مرض الكوليرا بالقول: «ندين تعامل وزارة الصحة وتعاطيها السيئ مع الوباء، وقد وجهنا استجوابًا على مستوى المجلس الشعبي الوطني للوزير الأول بخصوص ذلك حول التضارب في التصريحات، وحالة الذعر والارتباك التي تسببوا فيها للمواطنين وكذا عن الأسباب الحقيقية لظهور الوباء، وأخيرًا عن ماهية الإجراءات التي اتخذت لتفادي تكرار ظهور الوباء مجددًا».

قانون جديد للصحة.. وإضرابٌ مفتوحٌ للأطباء المقيمين

في 30 أبريل (نيسان) الماضي، صدق البرلمان الجزائري على قانونٍ جديدٍ للصحّة، والذي لقي معارضة شرسة من شرائح عريضة من المعارضة وعمّال قطاع وزارة الصحة، وتضمّن القانون الجديد تسعة أبواب وأكثر من 450 مادة، جاء الباب الأول فيه ليؤكد استمرار الحكومة في مجانية العلاج وحماية الفئات الهشة، كما نصّ القانون على العمل بالملف الإلكتروني للمريض وإعادة الاعتبار للطبيب المرجعي إلى جانب تقنين نشاطات القطاع الخاص.

كما احتوى القانون على عدة إجراءات ردعية، خاصة ما تعلق بالتدخين في الأماكن العمومية والأخطاء الطبية، ونصّ مشروع قانون الصحة الجديد على الإبقاء على إجبارية الخدمة المدنية بالنسبة للأطباء المقيمين وفتح المجال أمام الاستثمار في الصناعة الصيدلانية.

وتلقى القانون الجديد للصحّة معارضةً كبيرة، من أحزاب المعارضة داخل البرلمان؛ كان في مقدمتها حركة مجتمع السلم، والاتحاد من أجل النهضة والعدالة والبناء، وحزب العمال، وحزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية.

وفي الوقت الذي كان يثار فيه الجدل عن مشروع قانون الصحة الجديد، كان إضراب الأطباء المقيمين يدخل شهره السابع،
إذ شرع الأطباء المقيمون في إضراب مفتوحٍ عن العمل بدايةً من شهر ديسمبر (كانون الأوّل) الماضي، مطالبين بإلغاء الخدمة المدنية بعد نهاية سنوات التخصص، وحقّ الإعفاء من الخدمة العسكرية، ومساواة الطبيبة بباقي العاملات في الدولة في الحصول على إجازة الأمومة، إضافةً إلى حق التجميع العائلي للأسرة المكوّنة من زوجين أطباء. وقد قابلت السلطات إضراب الأطبّاء بالرّفض التام، ووصل إلى الأمر إلى حدّ استخدام العنف ضد الأطبّاء من أجل إنهاء اعتصاماتهم.

تصويت البرلمان الجزائري على قانون الصحة– مصدر الصورة: مواقع التواصل

وعن تعامل وزارة الصحّة الجزائرية مع إضراب الأطباء المقيمين، أكدّ الدكتور لهلالي موفق أنّ «السلطات التي لم تكن صادقة مع الأطباء المقيمين، حيث خرج الوزير يؤكد عبر التلفزيون الرسمي أن وقف الإضراب سيعقبه حلول موجودة لمشاكل الأطباء والقطاع، وبعد تعليقهم للإضراب لم يحرك ساكنًا، بل زادت المعاناة ولاقى الأطباء شتى أنواع الإجراءات الانتقامية والتخويف والإذلال».

جديرٌ بالذكر أنّ الأطباء المقيمين قرروا تعليق إضرابهم واستئناف العمل داخل المؤسسات الاستشفائية، نزولًا عند طلب وزارة الصحة استئناف الحوار معهم شريطة العودة إلى العمل.

10 آلاف طبيب جزائري متخصّص في مستشفيات فرنسا

مع مطلع هذه السنة، أصدر المجلس الوطني لعمادة الأطباء الجزائريين تعليمات تمنع جميع المؤسسات الاستشفائية من إصدار شهادة العمل وشهادة حسن السيرة، وهما الشهادتان اللّتان تدخلان في ملف العمل خارج الجزائر، يأتي هذا القرار المفاجئ بعد إعلان فرنسا عن تسهيلات للأطباء الجزائريين ومعادلة شهاداتهم للعمل في الخارج، التي تأتي أيضًا بالتزامن مع إضراب الأطباء المقيمين.

إضراب الأطباء المقيمين– مصدر الصورة: الرائد

وتشير الأرقام التي كشف عنها رئيس الاتحاد العام للمهاجرين الجزائريين سعيد بن رقية، عن وجود أكثر من 10 آلاف طبيب جزائري مختص يعملون في المستشفيات والعيادات الفرنسية، من أصل 40 ألف طبيب مختص في فرنسا، وكانت صحيفة الشروق الجزائرية قد كشفت عن وجود 15 ألف طبيب جزائري في فرنسا، وهو ما نسبته 25% من الكوادر الطبية ذات الكفاءة الموجودة في فرنسا.

وتعمد فرنسا إلى استقطاب الأطباء الجزائريين من خلال إعلانها امتيازات خاصة لهذه الفئة، وكشف البروفيسور مصطفى خياطي رئيس الهيئة الوطنية لترقية الصحة وتطوير البحث بوزارة الصحة الجزائرية، عن مخطط فرنسي «لـخطف» 5 آلاف طبيب جزائري، والاستعانة بهم لسدّ العجز في الكوادر الطبية بالمستشفيات الفرنسية.

لماذا يهاجر الأطباء الجزائريون؟

في ظلّ تضارب الأرقام عن العدد الفعلي للأطباء الجزائريين الموجودين في الخارج، وافتقار المستشفيات الجزائرية لهم، ما سبب جدلاً كبيرًا، خصوصًا بعد وفاة سيدة بلدغة عقرب في المستشفى الجامعي بمدينة ورقلة؛ بسبب غياب طبيبٍ مختصٍ حسب بعض المصادر، يبقى الاتفاق على تعرض قطاع الصحة بالجزائر إلى نزيف ضخمٍ في كوادره نتيجة الهجرة الواسعة لعدد كبيرٍ من الأطباء، بحثًا عن ظروف اجتماعية ومهنية أفضل.

وفي حديثه مع «ساسة بوست»، يرى الطبيب لهلالي أنّ زملاءه الأطباء الذين اختاروا الهجرة «قد أبانوا عن قدرات وكفاءة منقطعة النظير في بيئةٍ وفرت لهم الظروف الملائمة، وهذا دليل آخر يضاف إلى أنّ أصل المشكل الصحي في الجزائر هو مشكل سياسي إداري، وليس في كفاءة الطبيب الجزائري، أمّا هجرتهم فليست كما يروج له حول وطنيتهم التي لا يزايد عليهم فيها أحد، بل لأن صبرهم قد نفذ، وفي هذا الصدد فإن الدولة صارت توفر لغيرها كفاءات قلّ نظيرها بسبب سياسة رعناء لم تعرف كيف تستثمر في الكادر البشري؛ بل شجعتهم بأساليب مختلفة على الهروب، إذ صارت الهجرة حلم كل طبيب جزائري للأسف الشديد».

وأضاف الطبيب الجزائري عن حلم الأطباء المقيمين في الهجرة بالقول: «الهجرة صارت أمل الجميع بعد غلق كل الأبواب لإيجاد حلول جذرية، ولا تكاد تجد طبيبًا مقيمًا إلا وهو يحاول إيجاد وجهة ما لإثبات ذاته ورفع الغبن عن أهله، خصوصًا مع نجاح أغلب الأطباء الجزائريين المهاجرين في حياتهم العملية، وهذا خسارة كبيرة لدولة تصرّ على إغماض العيون عن مآسي القطاع وأهله».

إضراب الأطباء في الجزائر– مصدر الصورة: جريدة الشروق

وبدوره يرى بلعربي أنّ «القطاع الصحي شأنه شأن باقي القطاعات، يُهجر كوادره تحت وطأة المشاكل المهنية التي تعترض الأطباء وغيرهم في السلك الصحي، وكأنّ الأمر مقصود من أجل تدعيم مستشفيات فرنسا العجوز بشريًّا، فلا غريب أن يترك الإطار بلاده طالما أنها لا تريد بشكل أو بآخر الاستفادة منه بالرغم من الملايين التي صرفت على تعليمه وتكوينه».

أمّا أحمد صادوق، رئيس الكتلة البرلمانية لـ«حمس» فيرى أنّ الظروف المادية والاجتماعية هي السبب الأبرز لهذه الظاهرة، ويضيف: «أُجرة الطبيب الجزائري أقل بكثير مقارنة بدول الجوار مثل المغرب وتونس، ولا تقارن مع ما يتقاضاه الطبيب في أوروبا، فأجرة الطبيب العام في القطاع الحكومي لا تتجاوز مع بداية مساره المهني 400 دولار، وإلى جانب الظروف المادية فإن الإطار الأكاديمي والعلمي الذي يتدرج فيه الطبيب الجزائري خلال مساره المهني سبب آخر للهجرة، كون هذا المسار غير واضح وتنعدم فيه الآفاق بالنسبة لبعض التخصصات، وهو ما يدفع بالبعض للهجرة من أجل تحسين مستواهم العلمي والأكاديمي».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!