أصبحت الإمارات في السنوات الأخيرة إحدى القوى الصاعدة في عالم السياسة والمال؛ بعدما باتت أسماء حُكامها حاضرة في الجلسات السرية بهدف تصعيد حاكم دولة ما، أو دعم جهات بعينها قوةَ ضغط تعمل لحسابها في دولة أخرى، أو أن يصل بها الأمر للتجسس على حلفائها العرب وحُكامهم، وسيلةً تستخدمها في سبيل مزيد من النفوذ السياسي.

غير أن مُضي الإمارات نحو هذه السياسة التوسعية في كُل اتجاهاتها على الخريطة، قوبل بصمت رسمي أمريكي؛ وهي الدولة الكبري، ذات النفوذ الطاغي في الخليج، قبل أن يُزيد هذا الصمت غموضًا؛ تجاهلها كافة عمليات التجسس التي تنفذها أبوظبي عبر ضباط أمريكيين سابقين على حكام عرب، وشخصيات عامة، ومواطنيها.

امتد الغموض على استقامته، مع انكشاف معلومة تفيد باستثناء واشنطن الإمارات من قائمة الدول التي تتجسس عليها، بخلاف ما تفعله مع الدول العربية كافة.

«الحيطان لها آذان».. إمبراطورية ابن زايد الاستخباراتية برعاية «سي آي إيه»

أمريكا تتجسس على الحلفاء العرب.. السعودية وباكستان نموذجًا

كعادة الدول الكبرى كافة، تضطلع أجهزتها الاستخباراتية بمهام جمع معلومات في الدول الحلفاء قبل الخصوم، بطرق خفية، عبر الدفع بأشخاص تابعين لها تبعية غير مُعلنة، يعملون على جمع المعلومات، فيما يعرفون بـ«ضباط الخدمة السرية».

هذه المهام غير المُعلنة يكون مسؤولًا عنها عاملون موجودون بصفات غير حقيقية، كعاملين في هيئات وجهات تتبع الدولة التي يعملون فيها؛ للتظاهر بمهام أخرى غير أعمالهم التجسسية الحقيقية، والتي يعملون عليها بعيدًا عن مقار السفارات المُمثلة لبلدانهم وموظفيها.

على رأس هذه الدول؛ أمريكا، التي يوجد بها أقوى جهاز استخبارات في العالم، وكالة «الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)»، التي يتوزع آلاف من عملائها على دول العالم، وبالأخص الدول العربية، على الرغم من التحالف القائم بين واشنطن والعواصم العربية كافة .

كانت أبرز وقائع التجسس لدول حلفاء لأمريكا، هو تأسيس شبكة كاملة تابعة لـ«سي آي إيه» تعمل داخل باكستان دون علم السلطات الباكستانية، على الرغم من اتفاقيات التدريب والتعاون بين أجهزة البلدين، حتى إن أبرز الاكتشافات لمهام «سي آي إيه» هو تمكن القوات الأمريكية من تنفيذ عملية عسكرية بحق أسامة بن لادن، زعيم «تنظيم القاعدة» داخل الأراضي الباكستانية، دون علم الأجهزة الأمنية، إلا بعد حدوثها.

السعودية كذلك من بين الدول التي كانت وما تزال تمارس أمريكا مهام التجسس عليها بوسائل مختلفة؛ على الرغم من صلات البلدين الوثيقة، واعتماد الرياض الكامل على تدريب كوادرها الأمنية في أمريكا، وتصدرها قائمة الدول التي تشتري السلاح الأمريكي، فضلًا عن التواصل المستمر بين أجهزة البلدين في مجال مكافحة الإرهاب والمهام الاستخباراتية.

وبحسب مسؤولين سابقين بوكالة الاستخبارات المركزية، وضابط مخابرات سابق في دولة خليجية، فالسعودية هي أبرز الدول التي تستهدفها «سي آي إيه» عبر زرع مئات العملاء على أراضيها، ساعية بوسائل مختلفة لتجنيد مسؤولين سعوديين مخبرين لهم، متحدثين عن أن عملاء المخابرات السعودية ضبطوا العديد من عملاء المخابرات المركزية الأمريكية خلال مهام تجسس داخل الرياض.

ويقول مسؤول الاستخبارات السابق في إحدى دول الخليج، إن وكالات الاستخبارات السعودية لا تشكو علنًا من محاولات التجسس التي تجريها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، ولكنها تلتقي بشكل خاص مع رئيس محطة الوكالة في الرياض للمطالبة بطرد ضباط الـ«سي آي إيه»، الضالعين في مهام تجسسية، بهدوء من البلاد.

الاستثناء الوحيد من بين هذه الدول هي الإمارات، التي لا يوجد على أراضيها عملاء بشريون لجهاز الاستخبارات الأمريكية؛ حتى إن مسؤولًا رابعًا كان يعمل سابقًا في وكالة المخابرات المركزية، قال إن إخفاق الوكالة في التكيف مع الطموحات العسكرية والسياسية المتنامية لدولة الإمارات، يرقى إلى مستوى «التفريط في الواجب».

وأكد ثلاثة مسؤولين سابقين بالوكالة لـ«رويترز»، أن وكالة المخابرات المركزية لا تجمع معلومات باستخدام العنصر البشري من مخبرين في الإمارات عن حكومتها الاستبدادية – بحسب تعبيره- وأن هذا النوع من الاستخبارات هو الأكثر قيمة والأصعب في جمع المعلومات.

الإمارات تتجسس على الحلفاء العرب.. وأبناء شعبها

خلافًا للصورة الظاهرة التي تحاول الإمارات رسمها عن نفسها، كدولة ساعية نحو الاستقرار في العالم العربي؛ فقد برزت وقائع على مدار السنوات الأخيرة للإمارات في اكتشاف خلايا تجسس لها بدول عربية حليفة، فضلًا عن تطوير كوادر أمنية بملايين الدولارات وتأهيلها من أجل هذه المهام، إلى جانب التوسع في هذه المهام بين جموع شعبها.

على رأس هذه الدول التي وقعت تحت سطوة خلايا التجسس الإماراتية، هي السعودية، وبالأخص في الملف اليمني، إذ تشير شهادات موثقة ومُسجلة لعاملين في قنوات إخبارية سعودية، تضمنت مهامهم تغطية الحرب في اليمن، عن تعرضهم لضعغوط كبيرة، انتهت بتقديم اعترافات ومعلومات عن تفاصيل عمل القوات السعودية في اليمن.

واحد من هؤلاء هو عبد الله صلاح، الذي عمل مصورًا سابقًا لقناتي «العربية» و«الحدث»، والذي كشف عن أنّ القوات الإماراتية استخدمت بعض أعضاء فريق العمل الخاص بالقناة السعودية، في الحصول على معلومات استخباراتية عن القوات السعودية في اليمن، إذ كانوا يقدمون تقارير يومية بهذا الشأن.

وأشار كذلك إلى تورط الإمارات أيضًا في إسقاط مروحية سعودية حربية على الأراضي اليمنية خلال 2017، مؤكدًا أن الإماراتيين لا الحوثيين، هم من قصفوا مسجد كوفل في منطقة صرواح بمحافظة مأرب، فقتل العشرات من قوات الشرعية.
واقعة أخرى للإمارات تورطت فيها في التجسس على الحلفاء العرب؛ لكن الضحية هذه المرة كانت سلطنة عُمان، فقد تأكد بدء محاكمة خلية التجسس الإماراتية المكونة من خمسة أشخاص، والتي قبض عليها في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي.

وتضم أهداف قائمة التجسس السابقة كذلك كُلًا من أمير قطر، ومسؤول تركي رفيع المستوى. وتم التجسس عليهما عن طريق أداة تجسس متطورة تسمى «كارما»، صممها فريق من ضباط المخابرات الأمريكية السابقين، الذين يعملون لحساب الإمارات العربية المتحدة.

وقد طالت برامج التجسس الإماراتية كذلك عددًا من الشخصيات العربية، إذ أطلقت أبوظبي عمليات اختراق هواتف آيفون خاصة بما لا يقل عن 10 صحفيين ومسؤولين تنفيذيين بوسائل إعلام، كانوا يعتقدون أن لهم صلات بحكومة قطر أو جماعة الإخوان المسلمين، والذي كان أبرزهم الإعلامية جيزيل خوري، وعزمي بشارة، وعبد الله العذبة، وذلك وفق ما أظهرته وثائق للبرنامج اطلعت عليها «رويترز».

وامتدت سطوة برامج التجسس الإماراتية للداخل عبر استقطاب عشرات الخبراء الأجانب برواتب مجزية، للعمل في شركات مهامها الظاهرية هي حماية أكثر المؤسسات تعقيدًا، من الحكومة إلى القطاع الخاص، من خلال منع الهجمات الإلكترونية الضارة ومكافحتها، وتوفير وسائل آمنة للاتصالات.

غير أن شهادات لهؤلاء العاملين، كان من بينهم الباحثة الإيطالية في مجال الأمن الإلكتروني سيمون مارجريتيلي، كشفت عن المهام الخفية لهذه الشركات، ورفضها لعرض العمل الحقيقي، الذي زارت دبي خمسة أيام للتعرف إليه؛ لتفاجأ بمهامها الحقيقية في التجسس على الشعب الإماراتي.

شملت مهام ماجريتيلي كذلك، تتبع كافة أجهزة الكمبيوتر عبر تقنيات أمنية هجومية، تسمح بالتنصت، أو أحيانًا تغيير الاتصالات الخاصة بين الأفراد، فضلًا عن متابعة الثغرات التي لم يسبق لها مثيل في البرامج، وبناء عمليات زرع البرمجيات الخبيثة لتتبع مكان وتحديده، واختراق أي شخص في أي وقت، في دولة الإمارات العربية المتحدة.

عقب عودتها من دبي، ورفضها عرض العمل، كتبت مارجريتلي مقالًا على مدونة خاصة لها بعنوان: «كيف حاولت المخابرات الإماراتية أن توظفني للتجسس على شعبها؟».

واحد من أحدث البرامج التي طورها عاملون مختصون في مجالة الأمن الرقمي، من كافة دول العالم، بما فيهم أمريكا، هو برنامج «كارما»، الذي عممت استخدامه وحدة العمليات الهجومية الإلكترونية في أبوظبي، والتي تتألف من مسؤولين أمنيين إماراتيين، وعناصر تابعة للمخابرات الأمريكية السابقة، يعملون متعاقدين مع أجهزة المخابرات في الإمارات العربية المتحدة.

ويساعد هذا البرنامج على الوصول عن بعد إلى جهاز آيفون ببساطة، عن طريق تحميل أرقام الهواتف، أو حسابات البريد الإلكتروني في نظام استهداف تلقائي، فضلًا عن أنها: «لا تعمل على هواتف محمولة تعمل بنظام الأندرويد، ولا تعترض المكالمات الهاتفية. لكنها كانت قوية بشكل غير معتاد»، حسب عاملين سابقين.

كيف نجحت الإمارات في أن تستثنيها أمريكا من التجسس عليها؟

استثناء الإمارات من قائمة الدول التي تخضع لعملية تجسس الاستخبارات المركزية الأمريكية وتصنتها عليها، يثير شكوكًا واسعة، ويفتح بابًا للإجابات المُحتملة عن هذا الأمر، الذي يبدو أمرًا غير اعتيادي، في تقدير ضباط سابقين لجهاز الاستخبارات الأمريكي.

على رأس هذه الاحتمالات لهذا الاستثناء هو تحول الإمارات لذراع استخباراتية في منطقة الشرق الأوسط لصالح وكالة «سي آي إيه»، ويُعزز هذا الاحتمال أكثر من عامل؛ أبرزهم سماح واشنطن لضباط استخبارات سابقين بالعمل في أبوظبي، وهم فريق العمل الرئيسي في كُل عمليات التجسس التي نفذتها الدولة الخليجية، فضلًا عن تلقي واشنطن إفادات من هؤلاء الضباط بانتظام عن أنظمة التجسس.

عامل آخر يدفع نحو صحة هذا الاحتمال، هو وجود قانون يتطلب من الضباط السابقين، أو الشركات الأمريكية حال تقديم معلومات حساسة عن تكنولوجيا أو خدمات الدفاع لحكومة أجنبية، الحصول على تراخيص خاصة من وزارتي الخارجية والتجارة الأمريكيتين.

وفي هذا الصدد، عزز رأي خبراء في الأمن القومي الأمريكي لوكالة «رويترز» للأنباء حول وجود توافق كاف بين مصالح الولايات المتحدة، ومصالح الإمارات، بما يفسر الغياب المستمر لنشاط التجسس، الاحتمال السابق.

عامل آخر يقف وراء هذا الاستثناء مرتبط بوصول العلاقات بين البلدين إلى مرحلة من الثقة الكاملة، مرتبطة بشكل أخص بالمقاربة التي تعول أبوظبي عليها تجاه كافة فصائل الإسلام السياسي، خلافًا لكافة دول الخليج. فقد تحالفت العائلتان الحاكمتان السنيتان في البحرين والكويت مع إسلاميين سنّة؛ لخلق توازن مع القوى المحلية الأخرى (ويبدو ذلك أكثر وضوحًا في البحرين، فيما يتعلق بالأغلبية الشيعية في تلك الإمارة). فضلًا عن ذلك، تقربت قطر من إسلاميين سنّة بهدف تعزيز نفوذها وسلطتها في المنطقة، والمحافظة عليهما في الداخل، وذلك حسب تقرير لـ«معهد واشنطن للأبحاث».

ويُضيف التقرير كذلك «أنه في المملكة العربية السعودية، تعزز العلاقة بين القادة السياسيين في العائلة المالكة والمؤسسة الدينية السنية الوهابية».

والعامل الأخير يتعلق بالنجاح الإماراتي في صناعة شبكة نفوذ داخل دوائر الحُكم في واشنطن، للدرجة التي جعلتها مستثناة من المُراقبة والتجسس على حُكامها، وهو ما جعل ضابط المخابرات المركزية السابق روبرت باير، يصف غياب العنصر البشري في جمع الاستخبارات عن الإمارات بأنه «فشل».

وهو ما يراه مسؤول سابق بإدارة الرئيس دونالد ترامب، أن غياب جمع المعلومات في الإمارات أمر مزعج؛ لأن تلك الإمارة تعمل الآن كـ«دولة مارقة» في دول استراتيجية مثل ليبيا، وقطر، بل أبعد من ذلك في القارة الأفريقية.

كفٌّ وقُبلة.. كيف تتلاعب أمريكا بجميع الخصوم في الخليج؟

المصادر

تحميل المزيد