في وسط يوم دراسي صاخب مليء بصيحات المعلمين، ومزاح الطلبة وأجراس الفصول؛ أو حتى أثناء الاستمتاع بأجواء احتفالية موسيقية، يعلو دوي مخيف لعدة أعيرة نارية عشوائية تحصد الأرواح، وسرعان ما ينقلب الوضع المرعب إلى كارثة مؤسفة ذات خسائر بشرية كبيرة، هذا حادث يتكرر خلال العقدين الماضيين في أمريكا، وبخاصة في المدارس العليا والمتوسطة وعلى يد مواطنين أمريكيين عادة ما يتم وصفهم بالمختلين عقليًا أو من يعانون اضطرابات نفسية.

في عام 2018 وحده، شهدت الولايات المتحدة ما يقرب من 17 حادث إطلاق نار داخل المدارس طبقًا لما ذكرته جريدة «تايم» الأمريكية، آخرها ما وقع منذ أيام في مدرسة متوسطة بمقاطعة باركلاند بولاية فلوريدا وراح ضحيته 17 شخصًا، بخلاف الحوادث الأخرى التي تم إطلاق النار فيها دون سقوط ضحايا، وربما تساءلت مثلما تساءل الكثيرون لماذا يحدث هذا في أمريكا تحديدًا دون غيرها من الدول؟

ربما لن تتلخص الإجابة عن هذا التساؤل في جملة أقل من 140 حرفًا مثلما فعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عندما قال مغردًا على تويتر تعقيبًا على حادث إطلاق النار الأخير في فلوريدا بأن «المرض العقلي» هو سبب إطلاق مراهق للنار في المدرسة، مثلما فعل من قبل تعقيبًا على حادث أكثر مأساوية العام الماضي في لاس فيجاس.

الأسلحة في أمريكا حق دستوري

إحدى أهم القضايا البارزة في الحياة السياسية الأمريكية هي قضية حيازة الأسلحة وحملها، والتي وردت في وثيقة الدستور الأمريكي التي كُتبت عام 1787 والذي نَص ثاني بنوده مباشرة على أن: «المليشيا جيدة التنظيم أمر هام للحفاظ على دولة حرة، حق الشعب في حيازة الأسلحة وحملها لن يتم المساس به».

هكذا صار حقًا دستوريًا لكل مواطن أمريكي أن يقتني أو يحمل مسدسًا أو بندقية، ثم اتفقت القوانين المدنية بعدها لترك أمور تنظيم هذا الحق الدستوري لكل ولاية على حدة، ومن ثم فإن حمل السلاح حق قانوني ودستوري لكل مواطن طالما يتبع عملية شراء السلاح وتسجيله بشكل قانوني وبحسب قانون الولاية.

Embed from Getty Images

علاقة الأمريكيين بالأسلحة تعود لبدايات نشأتها – أسلحة مستخدمة في حرب الاستقلال الأمريكية.

ثم بعد ذلك، وعلى مدار 200 عام أو أكثر تم تعديل القوانين الفيدرالية الخاصة بحمل الأسلحة فيما بعد بمنع بعض أنواع الأسلحة مثل بنادق الخرطوش قصيرة الماسورة، وتم منع حمل المسدسات المخفية في الثياب إلا بإذن مسبق، وتم منع بضع فئات من شراء الأسلحة مثل القُصر أقل من 18 عامًا، والذين تمت إدانتهم  بجرائم مسبقة والعسكريين الذين تم تسريحهم بتهم مخلة بالشرف.

السلاح في بؤرة الصراعات الانتخابية

تلك القضية كانت أحد أعمدة الصراع بين الديمقراطيين والجمهوريين أكبر حزبين سياسيين متنافسين داخل الولايات المتحدة منذ الستينيات وحتى اليوم، فبينما يصارع الديمقراطيون للحد من حمل الأسلحة وامتلاكها؛ يُصر الجمهوريون على التمسك بالتسلُح الشخصي كجزء من ثاني حق دستوري للمواطن الأمريكي، وبينما يحاول الحزب الديمقراطي بكل ما أوتي من قوة أن يربط معدل الجرائم والحوادث العنيفة بقوانين حمل الأسلحة ما زال أحد أكبر وأقدم اللوبيات المؤيدة لحق تملك الأسلحة وحيازتها «الاتحاد الوطني للبنادق» NRA ما زال يعمل وبقوة ضد أي تعديلات دستورية للحد من امتلاك الأسلحة.

البندقية AR-15 نصف الآلية المنتشرة في أمريكا – النسخة المدنية من البندقية M-16.

يصر الجمهوريون على أن ربط الجريمة العنيفة بقوانين الأسلحة مجرد «طرح نظري»، ولا تزال أنواع خطيرة من الأسلحة تباع بشكل رسمي في المتاجر الأمريكية مثل بندقية AR-15 نصف الآلية أمريكية الصنع والتي كانت السلاح المستخدم في 13 حادث إطلاق نار عشوائي في الولايات المتحدة.

أرقام وإحصاءات عن «أمة المسدسات»

ظهرت العديد من الإحصائيات الخاصة بحمل الأسلحة النارية وحيازتها في أمريكا في السنوات العشر الأخيرة، دلت أغلبها على أن الولايات المتحدة بها أكبر عدد من حاملي الأسلحة المدنيين في العالم، وآخر تحديث هو ذلك الذي نشرته سي إن إن الأمريكية وظهر فيه الولايات المتحدة على رأس الدول في التسلح المدني بمعدل 48% من مالكي الأسلحة المدنيين في العالم والذي يقدر بحوالي 650 مليون شخص. وأبرزت الإحصائية أنه من بين كل 100 شخص في أمريكا هناك 89 يحملون السلاح، وبذلك تحتل المرتبة الأولى لعدد حاملي الأسلحة تليها اليمن التي أتت في المركز الثاني بمعدل 55 حاملًا للسلاح لكل 100 مواطن.

Embed from Getty Images

متجر سلاح أمريكي.

ومن بين نتائج الإحصائية جاءت الولايات المتحدة في المركز الأول لعدد مطلقي النار بشكل عشوائي بحوالي 90 شخصًا في السنوات ما بين 1966 و2012، تليها الفلبين بـ18 مُطلقًا للنار، وروسيا 15 مُطلقًا للنار، واليمن 11، ثم فرنسا بـ10 أشخاص، كما أوردت الإحصائية أن معدل جرائم القتل المتعلقة بالأسلحة النارية في الولايات المتحدة أكبر من مثيلاتها من الدول مرتفعة الدخل بحوالي 25.2 مرة، نتحدث هنا عن حوالي 66 حالة لكل مليون شخص مقارنة باليابان – على سبيل المثال – التي سجلت صفر حالة وفاة لكل مليون شخص للعام 2010.

نصب تذكاري لضحايا حادث إطلاق النار الجماعي في معهد فيرجينيا عام 2007.

طبقًا لموقع every town research الأمريكي المخصص لإحصائيات حوادث إطلاق النار في المدارس فإن هناك 290 حالة إطلاق نار في المدارس منذ عام 2013 وحتى اليوم، الموقع الذي لم يحصِ حوادث أخرى أكثر مأساوية قبل العام 2013 مثل حادث إطلاق النار في أحد المعاهد التكنولوجية بولاية فيرجينيا والذي فتح فيه أحد الطلاب النار عشوائيًا وقتل 32 من الطلاب وأصاب 17 آخرين، بخلاف حوادث مأساوية أخرى لم تحدث داخل المدارس والتي كان آخرها مقتل 58 شخصًا في حفل ترفيهي في مدينة لاس فيجاس بولاية نيفادا الأمريكية.

ثقافة شعبية.. من حلبات إطلاق النار إلى ألعاب الفيديو

يقدر أحد آخر أبحاث السوق الأمريكية عدد حلبات إطلاق النار – مكان مخصص لإطلاق النار ورماية الأهداف للترفيه – في الولايات المتحدة بحوالي 2523 سلسلة حلبات وحلبة مستقلة، بدخل سنوي يقدّر بمليار دولار، وهو واحد من أكثر الأنشطة التي يقبل عليها الشباب والكبار في الولايات المتحدة في آخر 20 عامًا، بل ووصفها موقع NPR الأمريكي عام 2013 بأنها «البولينج الجديد» نظرًا لتنامي شعبيتها.

Embed from Getty Images

إحدى حلبات إطلاق النار في أمريكا.

بينما يصر بعض أهالي الأطفال القُصر في أمريكا على اصطحاب أولادهم إلى حلبات إطلاق النار في أعمار مبكرة تصل إلى 10 سنوات أحيانًا بحسب تقرير بي بي سي البريطانية؛ أي أن الأطفال في أمريكا يتعرضون لثقافة «السلاح» في أعمار مبكرة، هذا يجعل حصولهم على الأسلحة أسهل بحسب تقرير آخر للجارديان نُشر عام 2013، والذي يصف ثقافة التسلح الشخصي وتعريض القُصر لها في أمريكا بأنه أمر «لا يزال يفاجئ العالم».

Embed from Getty Images

طفل يلهو ببندقية أثناء أحد معارض البحرية الأمريكية.

مُسبب محتمل آخر للعنف المرتبط بالأسلحة النارية هو ممارسة ألعاب الفيديو، وخاصة تلك الألعاب التي سميت بـfirst person shooter أو الشخص الأول مطلق النار، وهي رائجة الشعبية في العالم، والتي تحدث عنها الكثير من علماء النفس منذ ما يزيد على 10 سنوات، وتم ربطها علميًا بزيادة الأنشطة العنيفة لدى الإنسان.

في إحصائية لموقع statista المختص بالإحصائيات العالمية عام 2017، احتلت الولايات المتحدة المركز الثاني عالميًا بعد الصين بأكبر عدد لممارسي ألعاب الفيديو وبأرباح وصلت إلى 32.45 مليار دولار، وإحصائية أخرى أظهرت 150 مليون ممارس لألعاب الفيديو لعام 2016، وحوالي 53.6 مليون جهاز للألعاب متصل بالإنترنت، يتراوح أعمار الثلث منهم ما بين 17 إلى 35 عامًا، ومع احتمال تأثر شريحة من تلك النسب المرتفعة بالعدائية والعنف في بعض أنواع الألعاب؛ وانتشار ثقافة «المسدس» قد تبدو الأمور أوضح قليلًا في مسألة العنف المرتبط بالأسلحة.

اليمين المتطرف واليسار الليبرالي.. ونظرية المؤامرة

بالمتابعة والبحث في تاريخ حوادث العنف الجماعي في الولايات المتحدة نجد أن تغطيتها دائمًا بواسطة وسائل الإعلام الرئيسية الكبرى تتجه إلى الأرقام والتحليل والإحصائيات، وفي الغالب ما تُنسب الأسباب إلى قضية التسلح الشخصي والنداء المتكرر برفع نسب معايير التحكم في اقتناء الأسلحة وحيازتها، ولن يُعثر – إلا نادرًا – على أية تحليلات اجتماعية، أو نفسية، أو ثقافية لقضايا إطلاق النار الجماعي، لذلك دائمًا ما تسارع الأصوات في اليمين الأمريكي باتهام اليسار بتلفيق مثل تلك الحوادث وصناعتها لتبرير «نزع حق الأمريكيين الدستوري» بدلًا من رفع كفاءة معايير الأمن.

Embed from Getty Images

بكاء الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما بعد حادث إطلاق النار في مدرسة «ساندي هوك» 2012.

يبدأ هذا من اتهام اليمين لليسار في حادث ساندي هوك المأساوي عام 2012 عندما فتح طالب مختل النار على زملائه ومُدرسيه وقتل 28 شخصًا، ومن ثَم اتهم الإعلامي المستقل الشهير «أليكس جونز» المحسوب على اليمين الأمريكي الدولة بتدبير الحادث وتلفيقه لتبرير الحد من التسليح الشخصي، كذلك فعل الكثيرون من الباحثين المستقلين في اليمين الأمريكي، مما يتسبب في انتقادات عنيفة لهم من قبل اليسار الليبرالي والغالبية العظمى من وسائل الإعلام الكبرى.

وانتشرت مقاطع كثيرة ووثائقيات شخصية لأفراد يحاولون فيها إثبات ما يعرف في عالم الأجهزة الأمنية بـ«العَلَم الخاطئ» أو False flag والذي تقوم فيه أجهزة الدول بفبركة حادث مأساوي كبير لتبرير حملات عسكرية، أو لسنّ قوانين، أو إحداث تغييرات كبرى في الخريطة السياسية، وهو المبدأ الفكري نفسه الذي استخدمه الكثير من معتنقي نظرية المؤامرة الخاصة بأحداث 11 سبتمبر «أيلول» الشهيرة.

ولم يتوانَ اليمين وأتباعه في آخر حدثين كبيرين – مدرسة فلوريدا وحفل لاس فيجاس- عن اتهام الأجهزة الأمنية بالتآمر لصنع تلك الحوادث أو التقصير الأمني حيالها، وخاصة بعد ظهور العديد من الأخبار التي تفيد بأن الأجهزة الأمنية وتحديدًا المباحث الفيدرالية تجاهلت تهديدًا سابقًا للمتهم في حادث فلوريدا الأخير.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد