مقياس درجات الحرارة المُعتمد في كل دول العالم – تقريبًا- عدا أمريكا هو مقياس سيلزيوس. وذلك لأن المقياس السيليزي بديهي ومنطقي ففيه درجة حرارة التجمد تساوي صفرًا ودرجة حرارة الغليان تساوي 100 درجة، بينما في مقياس فهرنهايت فهذه الدرجات هي 32 و212 لسبب يصعب فهمه.

هذا ليس فقط شيئًا نظاميًّا وجماليًّا، بل إن رفض أمريكا ترك استخدام درجات فهرنهايت، هو جزء من الرفض الأحمق لاستخدام النظام المتري، وهو أمر له تبعات عديدة. فخطأ واحد في تحويل الوحدات بين النظام المتري ومقاييس الولايات المتحدة كلف ناسا 125 مليون دولار، وأدى لتحطم مكوك فضائي مُعد لكوكب المريخ.

فلماذا إذن تستخدم الولايات المتحدة نظام قياسات عتيق مثل هذا؟ يمكنك أن تُلقي باللوم في ذلك على اثنين من أسوأ الأشرار في التاريخ: الاحتلال البريطاني والكونجرس.

قياس درجات الحرارة بالفهرنهايت كان نظامًا عظيمًا منذ حوالي 300 عام

ففي أوائل القرن الثامن عشر كان نظام فهرنهايت مفيدًا للغاية. وقد تم ابتكاره على يد العالم الألماني دانيال جابريل فهرنهايت المولود ببولندا عام 1686.

فمنذ صغره كان فهرنهايت شغوفًا للغاية بالترمومترات. قد يبدو هذا غريبًا الآن، لكن قياس درجة الحرارة في الماضي كان مشكلة كبيرة. فلم يكن أحد قد اخترع نظام قياس دقيق ويُعتمد عليه بعد. “كان عمر فهرنهايت 28 عامًا فقط عندما صنع ترمومترين يعطيان نفس النتيجة عند قياس درجة الحرارة، وقد كان هذا شيئًا غير مسبوق” كما قال جون لينارد من جامعة هيوستن.

وكأحد أوائل مبتكري الترمومترات فقد كان عليه وضع علامات لتحديد درجات الحرارة، وهو ما أصبح يطلق عليه فيما بعد درجات فهرنهايت.

وضع فهرنهايت الصفر عند أقل درجة حرارة استطاع الوصول لها بخليط من الماء والملح. ثم وضع درجة حرارة جسم الإنسان – بقليل من الخطأ- عند درجة 96 كالنقطة الثانية في النظام، مما جعل درجة حرارة غليان الماء تصل لـ 212 درجة، ودرجة بداية التجمد عند 32 درجة.

في عام 1724 تم إدخال فهرنهايت الجمعية الملكية البريطانية، وقد كانت المؤسسة العلمية الأبرز في الغرب في ذلك الوقت، وتم اعتماد نظام فهرنهايت في كامل المستعمرات البريطانية. “وبفضل وجوده كعضو في الجمعية الملكية البريطانية وجد نظام قياسه لدرجات الحرارة والترمومتر الخاص به قبول في إنجلترا”، كما قال أولريتش جريجول رئيس قسم الديناميكا الحرارية بجامعة ميونخ.

وبما أن بريطانيا كانت تحتل بلاد كثيرة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر؛ فقد نشرت نظام القياس بدرجات فهرنهايت مع العديد من المقاييس التجريبية كالقدم والرطل في كل هذه البلاد، فغدت نظامًا عالميًّا.

لماذا ما تزال أمريكا تستخدم هذا النظام؟

بعد تبني أغلب دول العالم في منتصف القرن العشرين لمقياس سيلزيوس – وهو النظام المستخدم لقياس الحرارة في النظام المتري- انتهى الأمر بالدول الناطقة بالإنجليزية بتحولهم ليكونوا نشازًا وسط كل دول العالم. ومقياس سيلزيوس تم اختراعه عام 1742 بواسطة عالم الفلك السويدي أندرس سيلزيوس. “وقد كان سيلزيوس هو أول من قام بإجراء تجارب على أُسس علمية دقيقة عن درجات الحرارة ثم نشر أبحاثه وتعريفه ونتائج أبحاثه”، كما كتب أولف بكمان من جامعة أوبسالا.

وبحلول عام 1790، تم اعتماد مقياس سيلزيوس في النظام المتري في اتجاه من الدولة الفرنسية لتوحيد وحدات القياس على مستوى قومي. وبسبب سهولة ومنطقية الوحدات المترية أدى ذلك لانتشارها، ومن ضمنها وحدة قياس درجات الحرارة سيلزيوس في جميع أنحاء العالم.

وفي نهاية المطاف رضخت الدول الناطقة بالإنجليزية في النصف الثاني من القرن العشرين. حتى إن إنجلترا نفسها بدأت في الاتجاه لاعتماد النظام المتري عام 1965، وحتى الآن لم تنهِ عملية التحول. لكنها الآن تتبع النظام المتري بشكل كبير.

وتقريبًا بدأت كل المستعمرات البريطانية السابقة في التحويل للنظام المتري تباعًا. بل إن بعض هذه الدول اعتمدت النظام المتري قبل إنجلترا كالهند، والبعض الآخر ككندا وأستراليا وجنوب أفريقيا اعتمدته بعدها. كل هذه التغيرات أدت لتهيئة المجال للولايات المتحدة لتتبنى هي الأخرى النظام المتري.

وقد كان من المنطقي التحول للنظام المتري بسببين: السبب الأول هو أن النظام المتري نظام بديهي وطبيعي أكثر، والثاني لأن كل دول العالم قد اعتمدته وسيسهل التعاون العلمي أكثر إذا اعتمدته أمريكا أيضًا. وفي عام 1975، مرر الكونجرس قانونًا لتطبيق النظام المتري، وكان من المفترض تبعًا لهذا أن تبدأ عملية التحول للنظام المتري. وتم إنشاء مجلس للإشراف على عملية التحول.

لكن ما تم هو كسر القانون واعتباره غير موجود في أحوال كثيرة. وذلك لأنه جعل عملية استخدام النظام المتري اختيارية بدلًا من أن تكون إجبارية، وكان رأي الجمهور هو الغالب بخصوص هذا، فالعديد من الناس قد رفضوا القانون لعدم رغبتهم بالتعلم من جديد أنظمة جديدة لقياس درجات الحرارة والأوزان وغيرها.

“فقد رفض سائقو السيارات فكرة استخدام لافتات إظهار المسافات على الطرق السريعة بالكيلومتر، ورفض مراقبو الأرصاد الجوية رصد درجات الحرارة بدرجات سيلزيوس، ورفض الزبائن فكرة شراء الدواجن بالكيلوجرام” كما كتب جاسون زنجرل. كما قاوم العمال هذا النظام مقاومة منظمة لأنهم لم يريدوا العودة لتعلم استخدام أنظمة مقاييس أخرى من جديد.

وعام 1982 حل الرئيس الأمريكي رونالد ريجان المجلس المُعين للإشراف على تطبيق النظام المتري لانعدام جدواه. وأصدر الكونجرس تعديلات جديدة على القانون تؤكد استمرار العمل بمقياس فهرنهايت.

وحاليًا فالولايات المتحدة وحدها في العالم كله من ترفض استخدام النظام المتري، ولا أحد معها سوى بورما وليبريا. (أعلنت بورما بدءها في استخدام النظام المتري عام 2013).

تستمر الولايات المتحدة في إيذاء نفسها بلا داعٍ باستخدامها درجات فهرنهايت

فالنظام الغريب في المقاييس المستخدمة في الولايات المتحدة بما فيها الفهرنهايت سيء لمؤسساتها العلمية ولتلاميذها، بل ولتجارتها.

وقد كتبت سوزان لوك من قبل عن مزايا النظام المتري بشكل مقنع، وهذا ملخص لما قالته: “النظام المتري بسيط ويجعل الحسابات الأساسية أسهل وأقل احتمالًا للخطأ. كما تتحمل الشركات الأمريكية تكلفة زائدة لإنتاج نوعين من المنتجات، نوع للمستهلكين الأمريكيين ونوع آخر لباقي العالم المستخدم للنظام المتري”.

كما أن الآباء الأمريكيين وأولياء الأمور أشد احتمالية للخطأ في التحويلات عند إعطاء جرعات الأدوية لأبنائهم؛ مما يؤدي لاحتمالية إعطائهم جرعات زائدة لأبنائهم. وعلاوة على ذلك فعلى الطلبة الأمريكيين التدرب على نظامين مختلفين للقياسات؛ مما يجعل العلوم الأساسية أكثر صعوبة.

وبذلك ورغم أن دانيال فهرنهايت قدم معروفًا للعالم باختراع نظام قياس دقيق ويُعتمد عليه، فقد عفا الزمن على نظامه. وعلى أمريكا تبني استخدام درجات سيلزيوس وباقي النظام المتري.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد