ماتت المئات من الفيلة خلال الشهرين الماضيين في بوتسوانا بجنوب أفريقيا، لأسباب مجهولة، وما زال الغموض يلف وفاة جماعية طالت 350 فيلًا في هذا البلد. ظاهرة الموت الجماعي للحيوانات بدأت في الزيادة والانتشار خلال العقود الأخيرة، فقد تفاجأ سكان ولاية أركنساس الأمريكية عام 2011 بسقوط جثث الآلاف من الطيور السوداء ذات الأجنحة الحمراء من السماء، وبعدها بيومين وقعت الظاهرة نفسها في لويزيانا، حيث سقطت جثث 500 طائر أسود من السماء.

تضمنت هذه الحوادث الكائنات البحرية، وبعض الحشرات مثل النحل أيضًا. بعض الحوادث ظل غامضًا، وبعضها الآخر استطاع علماء الحيوان بناء بعض النظريات حول أسباب وقوعه، نستعرض في هذا التقرير بعض هذه النظريات، ونطرح السؤال: ما تأثير تلك الحوادث في البيئة والإنسان؟

حالات وفاة جماعية غامضة تهدد بمحو 90% من حيوانات العالم

عندما نقول موتًا مفاجئًا للحيوانات فنحن لا نتحدث عن بضعة أسماء ميتة وملقاة على أحد الشواطئ، بل نتحدث عن حالات وفاة جماعية تهدد بمحو 90% من تعداد الحيوانات في العالم، بما يعادل 700 مليون طن من الحيوانات. ووفقًا لدراسة أُجريت في عام 2015؛ فإن حالات الوفاة الجماعية للحيوانات في تزايد ملحوظ.

استعرض الباحثون القائمون على هذه الدراسة السجلات التاريخية لـ727 حالة وفاة جماعية للحيوانات من عام 1940 وحتى 2012، فوجدوا أنه خلال هذا الوقت أصبحت هذه الأحداث أكثر شيوعًا بين الطيور واللافقاريات البحرية والأسماك، فما الأسباب وراء ذلك؟

طيور أنجليسي

صُنفت واقعة وفاة الطيور السوداء في أركنساس بكونها نتيجة صدمة، على الرغم من عدم التأكد من السبب، فبعد أن استبعد العلماء إصابتهم بالتسمم أو أي مرض، أظهر تشريح بعض الجثث وجود صدمة ونزيف داخلي في أجساد الطيور المتوفاة. ورجحوا أن سبب هذا هو اصطدام عنيف بين الطيور التي يعرف عنها ميلها للطيران في تشكيلات ضيقة للغاية، في الجو. تلك الصدمة قد تصيب الطيور أيضًا نتيجة عاصفة رعدية، ولكن تلك الحالة لا تنطبق على طيور أركنساس التي حيَّرت وفاتها العلماء، وما تزال.

وجد سكان جزيرة أنجليسي، في عام 2019 مئات الطيور النافقة في الطرقات، وكان سبب الوفاة هو الصدمة من الارتطام بالأرض، واستطاع العلماء تحديد سبب الوفاة بأنه السقوط والاصطدام بالأرض. لكنهم لم يتوصلوا إلى سبب سقوط الطيور من الأساس بأعداد كبيرة، وظل الأمر لغزًا، خاصة بعد أن استبعد الأطباء وفاتهم بسبب إنفلونزا الطيور، والتفسير الوحيد الذي استطاع أن يقدمه علماء الحيوان في هذه الحالة، هو إصابة الطيور بتشوهات بصرية أدت إلى هلوسات دفعت إلى اختلال توازنهم والسقوط على الأرض.

التغيُّر المناخي وموت الحيوانات المفاجئ

خلال العقود الخمس الماضية، انخفضت أعداد الطيور البحرية في العالم إلى النصف، والسبب وراء ذلك هو التغير المناخي. ومن أبرز الأمثلة على ذلك، عندما عُثر عام 2016 على ما يقرب من 300 طائر بحري في جزيرة سانت بول، وتؤكد الدراسة التي نشرت تحليلًا لوفاة تلك الطيور، أن 300 طائر ربما لا يعد رقمًا كبيرًا، ولكن ما يدركه العلماء أن معظم الطيور البحرية بعد موتها لا تصل جثتها إلى الشاطئ؛ ولذلك ما وجد من جثث الطيور يعد نقطة في بحر من الأعداد الحقيقية للطيور المتوفاة، وهو ما تؤكده الدراسات التي تجريها مؤسسات علم الحيوان لحصر أعداد الطيور البحرية في العالم، والتي أكدت انخفاض أعدادهم بشكل ملحوظ.

صورة تظهر ابيضاض الشعاب المرجانية مصدر الصورة موقع «نيويورك تايمز»

وفي دراسة حديثة أجريت العام الجاري؛ أكد الباحثون أن التغير المناخي سيؤدي للمزيد من حالات الموت الجماعي المفاجئ للحيوانات أكثر مما سبق بدءًا من العقد المقبل، إذا لم تقل انبعاثات الغازات الناتجة من الاحتباس الحراري. وتنبأت تلك الدراسة بأن مساحات كبيرة من النظم البيئية ستتضرر وستكون حالات الموت المفاجئ «كارثية»، ليس فقط على الحياة البرية، بل على البشر الذين يعتمدون عليها.

وتؤكد الدراسة إذا استمرت الانبعاثات الحرارية على وضعها الحالي، فإن الانهيارات المفاجئة للمحيطات الاستوائية متوقعة الحدوث في العقد المقبل، موضحين أن ظاهرة ابيضاض الشعاب المرجانية في المحيطات خلال السنوات الماضية تشير إلى أن هذه الخسائر قد بدأت بالفعل، أما انهيار الغابات الاستوائية، والتي تعد موطنًا لأكثر نظم البيئة تنوعًا، فتتوقع الدراسة أن يبدأ انهيارها  خلال عام 2040.

في المقابل تؤكد الدراسة أنه إذا قل الاحتباس الحراري بدرجتين مئويتين، فإن عدد الأنواع المعرضة للانقراض بسبب التغير المناخي سينخفض بنسبة 60%، وهذا بدوره سيحد من عدد النظم البيئية المعرضة للانهيار بنسبة 2%.

والتغير المناخي ليس السبب الوحيد المرصود وراء الموت المفاجئ للحيوانات، ففي عام 2016 مات فجأة ما يقرب من 70 طنًّا من الأسماك على شواطئ فيتنام. اشتبهت السلطات آنذاك في أن أحد مصانع الصلب أطلق سيلًا من المواد الكيميائية السامة في البحر، وهذا السبب في الموت الجماعي المفاجئ في الحيوانات منتشر في أنحاء العالم.

وقد أكدت ثلاث مؤسسات أمريكية مختصة في هذا الأمر أن حالات الوفاة الجماعية للحيوانات أصبحت أكثر شيوعًا في السبعين عامًا الأخيرة، ومن أهم الأسباب – خاصة فيما يخص الكائنات البحرية – التسرب الكيميائي من المصانع أو المزارع القريبة من البحار والمحيطات.

وفي عام 2015 تسبب الطقس الحار والرطب في نمو البكتيريا، والتي تسببت في قتل ما يقرب من 200 ألف من حيوان الظباء في كازاخستان في غضون أسابيع قليلة، بينما قتلت صاعقة واحدة 323 من حيوان الرنة في عام 2016، ومات 200 آخرون منهم بسبب الجوع لأن طبقات قوية من الجليد قد غطت أماكن طعامهم ولم يستطيعوا الوصول إليها، وكثير من الأسباب الأخرى الدائمة أو الظرفية، التي تؤدي لوفاة كميات كبيرة من الحيوانات في وقت واحد في جميع أنحاء العالم، ويبقى السؤال المهم: هل الموت المفاجئ للحيوانات سيعيد تشكيل النظم البيئية؟

كيف تؤثر جثث الحيوانات في البيئة؟

طرح عالما الأحياء البرية ماركوس لاشلي، وديفيد ماسون، في جامعة فلوريدا الأمريكية؛ سؤالًا مهمًّا، وهو: كيف يمكن للنظم البيئية أن تتأثر في حالة انتشار أعداد كبيرة جدًّا من جثث الحيوانات المتوفاة في أنحاء العالم؟ وللإجابة عن هذا السؤال كان عليهم خوض تجربة وصفوها بالـ«مهمة القذرة».

الباحثون أثناء إجراء التجربة مصدر الصورة موقع «كونفرزيشن»

في عام 2019 استطاع مجموعة من العلماء بقيادة لاشلي وماسون نشر ما يقرب من 15 طنًّا من جثث الحيوانات في أوكلاهوما، وكان التحدي الأول الذي واجههم هو إيجاد تلك الجثث بشكل أخلاقي وبكميات كبيرة، ولذلك تعاقدوا مع بعض المحترفين الذين من مهامهم إزالة جثث الخنازير الوحشية، وطلبوا منهم الحفاظ على تلك الجثث لاستخدامها في التجربة، واختار العلماء الخنازير الوحشية لسبب؛ وهو أن لدى جثثها القدرة على إلحاق الضرر بالمحاصيل، والتأثير سلبًا فيها أثناء تحللها.

قبل نشر الجثث؛ حدد العلماء قطع الأرض، وأخذوا عينات منها لدارسة طبيعة التربة، والميكروبات، والنباتات، والحشرات، والحياة البرية قبل إلقاء الجثث وتحللها وبعده، وبمجرد أن ألقى العلماء الجثث بدأ الذباب والنسور في التحليق حولها، وراقبوا التحلل خلال الأيام القليلة التي تلت بداية التجربة، عندما بدأت الحيوانات التي تتغذى على الجيف والحشرات والديدان في الظهور.

ويجب مراقبة تلك التربة لسنوات عديدة قادمة للحصول على نتائج نهائية لتلك التجربة، ولكن النتائج الأولية التي وصل إليها القائمون على التجربة هي أن الآثار البيئية السلبية من تراكم جثث الحيوانات وتحللها فادحة؛ وهذا لأن الأرض ستكون أرضًا خصبة للبكتريا والحشرات، وهو أمر «مثير للقلق»، لأنها – الحشرات والبكتريا – قد تكون من مسببات الأمراض للبشر والحياة البرية والماشية، وسيعمل الذباب على نقل تلك الأمراض إلى مسافات بعيدة؛ ما يعني نشر المرض.

وعلى الأمد الطويل سيكون هذا سببًا لظاهرة تسمى «تسمم التربة»، تلك الظاهرة التي لها القدرة على قتل كميات كبيرة من النباتات على مساحات واسعة، بما في ذلك الأشجار.

كوكب بدون حيوانات!

وقُدر عدد الأنواع المعرضة للانقراض، في إطار أزمة التنوع البيولوجي؛ بما يصل إلى مليون نوع من الحيوانات والنباتات، ويأمل الاتحاد الدولي لحفظ البيئة، أن تصل تلك الأعداد إلى 160 ألف نوع خلال هذا العام.

البيئة

منذ 7 شهور
الأرض تلتقط أنفاسها بفضل كورونا.. ما الذي حدث على الكوكب في غياب البشر؟

وعندما نتحدث عن اختفاء الحيوانات والنباتات من على وجه الأرض، فنحن نتحدث عن اختفاء الحياة، فقد يدخل الكوكب في حالة من الفوضى البيئية. فانقراض نوع واحد من الحيوانات قادر على الإخلال بالنظام البيئي، فلك أن تتخيل كوكبًا بدون حيوانات، والذي قد يترتب عليه كوكب بدون نباتات أو أشجار، ومن بعدها تختفي أشكال الحياة الأخرى مثل الفطريات والبكتيريا المجهرية، ولذلك فإن الموت المفاجئ للحيوانات قد يكون الخطوة الأولى تجاه اختفاء التنوع البيولوجي على وجه كوكب الأرض.

وإذا حدث ذلك سيختفي طعام البشر، وستتلوث المياه أيضًا؛ فالتنوع البيولوجي أمر حاسم لبقاء البشر على قيد الحياة وبصحة جيدة أيضًا، ولذلك ما يحذِّر منه علماء الحيوان الآن هو أن حالات الموت المفاجئ للحيوانات أمر خطير في المستقبل القريب على حياة البشر أنفسهم.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد