في حفلة عشاء، تجد نفسك جالسًا بجانب شخص يُدعى سام. وهو معرفة جديدة، ولكن يتضح أن بينكما عدة أصدقاء مُشتركين، ولذا فأنت تحاول أن تعطي انطباعًا جيدًا. والأمور تسير على ما يرام في هذا الصدد. فالكلام يُسرد ورفيقك يعطي كل الإشارات أنه يجدك ظريفًا وجذابًا.

ثم، وإذ فجأة، ينقلب المزاج، وسام ينظر إليك أقل مما سبق. وتصبح المحادثة حرجة. هل السبب هو قصة المقلب الذي قمت به في الجامعة؟ أم هو بسبب رأيك في الانتخابات؟ أنت تنظر باتجاه سام، وهو ينظر إليك نظرة غريبة قليلًا. فما الذي قد فعلته؟ ومستغلًا لحظات من الهدوء وسط هذا الصخب، تبدأ في استرجاع بعضًا من محادثتكما في دماغك.

الأمر غريب، ولكن سلوك سام البارد يسبب لك صدمة. وباختصار، لقد أصبحت قلقًا، لذا فعدة أشياء تحدث في نفس الوقت. فأنت تُفكر بإمعان، وتحاول أن تفهم ما الذي حدث وما يمكن أن تقوله لتستعيد التواصل بينكما. وتجد نفسك تتصرف بأسلوب أكثر حذرًا واحترامًا. وتتردد في الدخول في نقاش آخر مع سام، وعندما تفعل، فأنت تميل إلى الاعتذار عندما تقاطعه بالخطأ. حتى أنك تبدأ في إدخال تعليقات هنا وهناك على أمل توضيح أو تلطيف تعليقاتك السياسية السابقة. وتشعر بأن الأمر يحدث، وأن الجو بدأ أن يسوده التوتر. وتخشى أن النتيجة لن تكون جيدة.

ولكن ما مدى سوء القلق فعلًا؟ هل هو مجرد شعور غير سار تمر به، أم هو شيء أسوأ؟ ووفقًا لتقليد مشهور، يعود إلى الرواقيين وأرسطو وأفلاطون، فهو شيء أسوأ. شيء أسوأ بكثير. فعندما نكون قلقين، فإننا نرتبك ونفكر بطريقة لا تشتتنا فقط، ولكنها تستنزفنا. والأكثر من ذلك، ولأن التوتر يبدو شيئًا كريهًا، فنحن نتصرف بتهور، ونقوم بما نعتقد أنه سيجعل هذا الشعور يختفي. ولهذه الأسباب، فبالإجماع، يجب أن نتجنب هذه المشاعر.

أشار إيمانيول كانط إلى مشكلة أخطر تصاحب التوتر: أنه يتعارض مع الفضيلة. فبالنسبة لكانط، الإنسان الفاضل هو الذي قد وضع قدراته ورغباته تحت سيطرته (العقلانية)، ومن ثم فهو يكتب في كتابه (ميتافيزيقيا الأخلاق -1979): “القوة الحقيقية للفضيلة هي العقل الهادئ”. ولكن عندما نكون قلقين فإن عقلنا يكون أي شيء غير هادئ. ونفتقر إلى التحكم العقلاني الذي يميز الفضيلة: فالعاطفة، وليس المنطق، هو الذي يحدد سلوكنا. وهذا سيء.

وبالطبع، صورة التوتر كشيء ضار ومؤذٍ لها مؤيدين معروفين. ومع أنني أجدها غير صحيحة، وليس طبيعيًّا أن تقول هذا، ولكن التوتر يمكن أن يكون شيئًا جيدًا. وفي الحقيقة، فأنا أتمنى أن أقنعك بأنه شيء أساسي لمقدرتنا على أن نقود بنجاح حياة أخلاقية واجتماعية. لن أذهب بعيدًا وأقول إننا بحاجة إلى المزيد من القلق، ولكننا يجب أن نصقله. فالتوتر أمر مهم، وعلينا فهمه بصورة صحيحة.

ماذا يمكن لقصة حفل العشاء القصيرة أن تخبرنا عن هذا الشعور المُحيّر؟ كبداية، فهي تكشف شيئًا عن ماهيته. فالقلق، كما نختبره عادة، هو استجابة مزعجة إلى حد ما تجاه أخطار أو تهديدات غير مُحتملة. فقلقك في حفلة العشاء، على سبيل المثال، هو رد فعل لشكك في السبب الذي جعل محادثتك مع سام تأخذ منحنى قد يكون محرجًا. فأنت تريد أن تعطي انطباعًا جيدًا ولست متأكدًا ما إذا كنت تنجح بهذا. والنتيجة هي التوتر – وخزة القلق أو الشك- والتي هي القلق.

القصة أيضًا تخبرنا شيئًا عما يفعله القلق. فهو شعور يجعلنا نفعل أشياء تساعدنا على معالجة ورطاتنا بطرق مميزة. ففي العشاء، كمثال، يحثك توترك على أن تحاول فهم ما يمكن أن تكون قد قلته وكان غير لائق، وبالتالي فأنت تسترجع في دماغك أجزاء من الحوار. وهو أيضًا يدفعك أن تحاول تعويض أي إساءة يمكن أن تكون قد سببتها، وبالتالي يتزايد احترامك.

القلق

فكرة التوتر كعاطفة نافعة تتناقض بشدة مع مذهب الشك الذي رأيناه عند كانط وآخرين. ولكنها فكرة يُؤيدها علماء النفس السريري مثل ديفيد بارلو، مؤسس مركز القلق والإضطرابات ذات الصلة، بجامعة بوسطن. وكما يشرح بارلو في كتاب القلق و اضطراباته (2002)، فالتوتر يعمل للتحذير من مواقف خطرة مُحتملة ويتسبب في توظيف الآليات النفسية الداخلية. وهذه الآليات مهمة لأنها تدعنا ننشغل في *مستويات أعلى وأكثر نضجًا في الأداء*. ففي القلق الاجتماعي العادي، مثلًا، يكون لدينا شعور يُتيح لنا أن نفهم وأن نوجه تفاعلاتنا الاجتماعية بشكل أفضل.

ولكن القلق الاجتماعي العادي ليس النوع الوحيد الذي نختبره من القلق. فيمكن أيضًا أن نقلق بشأن ما إن كان هناك إله أو إن كان لا بأس بأن نُخلف وعدًا قطعناه. فماذا يمكن أن نقول عن هذه الأنواع الأخرى من القلق، هل هي أيضًا مشاعر جيدة؟ في كثير من الأحيان، نعم هي كذلك.

“أن تستعمل الملعقة الخطأ هو شيء، ولكن أن تخلف وعدًا مهمًّا قطعته هو شيء آخر تمامًا”.

نوع القلق الاجتماعي الذي نجده في محادثة حفلة العشاء مع سام يهتم بنوع مميز من الشك، وهو، هل تجعل من نفسك أضحوكة؟ وكذلك، يمكن أن تؤدي إلى أشياء مثل الاحترام والحذر: وهي سلوكيات تساعد في التقليل من فرص إعطاء انطباع سيء. ولكن ضع في الاعتبار شكلًا آخر مألوفًا من أشكال القلق، وهو ما قد ندعوه بـ القلق من العقاب: أن تعرف أنك خرقت القواعد، ولكنك لا تدري ما إذا كنت ستُعاقب على هذا. ونظرًا لطبيعته، فهذا النوع من القلق يميل إلى التشجيع على بذل الجهد للتعويض عما فعلته عن طريق، فلنقل، إعطاء اعتذار بشكل مسبق.

ثم هناك القلق الوجودي، وهو يتعلق بالشك في أشياء مثل وجود إله أو مكانك في هذه الدنيا. وليس مدهشًا أنه عندما نشعر بذلك، فنحن نميل إلى أن نفكر في معتقداتنا الدينية ونسأل رجال الدين مساعدتنا في هذا القلق.

إدراك أن القلق يأتي في هذه الأشكال (وأشكال أخرى) أمر مهم. وكبداية، فهو يساعد في رؤية أن أنواع القلق المختلفة – لنقل، القلق الاجتماعي، أو الوجودي أو القلق من العقاب– قد تساعدنا في معالجة أنواع مختلفة من مشاكل الشك. ولكن، والأهم من ذلك، فنحن نجد أن أنواعًا معينة من القلق تكون غالبًا أكثر قيمة من غيرها. أن تستعمل الملعقة الخطأ شيء، وأن تخلف وعدًا مهما قطعته شيء آخر تمامًا. إذن فالقلق الذي يساعدنا على فهم الشيء الصحيح أخلاقيًّا لعمله – فلنُسم هذا بالقلق الأخلاقي– سيكون أكثر قيمة من القلق الاجتماعي الذي يساعدنا على تجنب غضب ملكة جمال الأخلاق Miss Manners.

فلنأخذ مثالًا آخر:

مرض الزهايمر الذي لدى والدتك تزايد بشدة في السنة الأخيرة، وأنت لا تستطيع أن تمدها بالعناية التي تحتاجها أكثر من ذلك. أنت تميل إلى الأخذ باقتراح الطبيب بأن تضعها في دار المسنين. ولكن هذا القرار يجعلك قلقًا، وهكذا فأنت تبدأ في التفكير في تفاصيل هذا الوضع الذي تواجه. والدتك كانت دائمًا قلقة بشأن دور المسنين. وفي الحقيقة، فمنذ سنة فقط، وقبل أن تسوء الأمور، كنت قد وعدتها أنت أنك لن تضعها أبدًا في أحد هذه الأماكن.

إذًا، فلديك الآن مشكلة حقيقية. هل يجب أن تضعها في دار مسنين أم لا؟ وهذا السؤال يبقيك متيقظًا طوال الليل. وتظل تفكر فيه. هذا الشيء الذي تمر به هو بالتأكيد نوع من القلق، ولكن لاحظ كيف يختلف عن الأنواع الأخرى التي ذكرناها. فأنت لست بالضبط خائفًا على نفسك، كما في القلق من العقاب، أو أنك حريص على تجنب الإحراج، كما في القلق الاجتماعي. فما أنت قلِق بشأنه هو فعل الصواب.

القلق الأخلاقي إذًا، هو عاطفة نشعر بها في مواجهة القرارات الأخلاقية الصعبة: فنحن نريد أن نفعل الصواب، ولكننا غير متأكدين من ما هو الصواب. علاوة على ذلك، فالشك الذي نشعر به يحثنا على أداء تحقيقات، ويجعلنا نحاول فهم ما هو الشيء الصواب لنفعله. وقد نبدأ بالتفكير في الخيارات المتاحة أمامنا، وأن نأخذ في الاعتبار الأسباب التي تدعم أو ترفض كل خيار. وقد نبدأ أيضًا بالبحث عن معلومات أكثر عند الأشخاص الذين نثق بهم. لنلخص الأمر إذًا، يمكننا أن نرى أن القلق الأخلاقي يعمل بطريقتين: كإشارة تخبرنا أننا نواجه قرارًا أخلاقيًّا صعبًا وكحافز يحثنا على أشياء كالتفكّر وجمع المعلومات.

ويبدو أنه فعال أيضًا. فالأبحاث الأخيرة التي قام بها العالم السياسي مايكل مككوين وزملاؤه بجامعة نورث كارولينا بتشابل هيل، والتي نشرت في المجلة الأمريكية للعلوم السياسية في 2010، ترجح أن القلق من الأخلاقيات والأمور السياسية يمكن أن يجعلنا نفكر بأسلوب أكثر تفتحًا. رأى مككوين أنه عندما كانت نظرة الناس إلى صحة الأعمال السياسية الإيجابية في موضع تساؤل، كانوا ميالين إما إلى الغضب أو إلى القلق. وهذا ليس مفاجئًا. ولكن هنا الأمر المثير: فهؤلاء الذين أصابهم القلق أظهروا ميلًا أكبر إلى البحث عن معلومات عن السياسات محل السؤال، واهتمامًا أكبر بدراسة كل من وجهي المشكلة، و – ربما الأكثر غرابة- رغبة أكثر في اكتشاف حلول أخرى للمشكلة. الأشخاص الغاضبون، على النقيض، كانوا أقل اهتمامًا بتثقيف أنفسهم، وعندما بحثوا عن معلومات أكثر، كانوا أميل إلى البحث عن الأشياء التي وافقت آراءهم الأولية.

“هذا القلق يعكس شيئًا جيدًا فيك: التأثر بتعقيد الحياة الأخلاقية”.

نحن نبدأ في معرفة لمَ القلق شيء قيم. فهو عاطفة تساعدنا على أن نفهم أفضل وأن نتداول تعقيدات الحياة الأخلاقية. وكذلك، يمكننا أيضًا أن نوضح كيف يفعل ذلك. فهو يعمل كإشارة مزعجة نوعًا: شيء يظهر فجأة ليقطع ما نفعله، ويحثنا أن نعيد تقييم ما سنفعله.

فكر بقصة دار المسنين: أطباء والدتك أخبروك، نظرًا لحالة الزهايمر المتقدمة، أن الوقت قد حان لتضعها في دار عناية. وأنت تميل إلى اتباع تعليماتهم، ولكنك أيضًا قلق. فهذا يزعج ميولك الأساسية بأن تتبع نصيحة الطبيب بصورة عمياء. وفي الحقيقة، فهو يحث سلسلة من الأفكار التي تجعلك تسترجع وعدك وتفكر في قلق وخوف والدتك. إذًا، فلو قررت أنه مسموح لك بأن تخلف وعدك وأن تضع والدتك في دار عناية، فإن القلق قد لعب دورًا مهمًّا. فقد ساعدك في إدراك الأهمية الأخلاقية لقرارك.

بمجرد ملاحظة أن القلق يلعب هذا الدور، يمكننا أن نرى أن قيمته ليست فقط في قدرته على مساعدتنا في أخذ القرارات الصائبة. وفي النهاية، فالقلق الذي تشعر به حيال أن تخلف وعدك لوالدتك أو لا، يعكس شيئًا جيدًا فيك: تأثرًا بتعقيد الحياة الأخلاقية. فأي شخص لم يتجاوب مع الوضع مثلك قد يبدو أخلاقيًّا دون المستوى، كشخص خالٍ من الغضب في أمام جريمة بشعة.

وقد يبدو أن صورة كانط العقلانية جدًا عن الفضيلة تفقد شيئًا مهمًّا، بالتحديد، أن الميل إلى الإحساس بالقلق أخلاقيًّا في مواجهة قرار صعب هو عنصر أساسي في الشخصية الصالحة أخلاقيًّا. فهو يجلب الوعي الأخلاقي والقلق الضروريين للأفكار والأفعال الفاضلة.

لقد سمعنا بالحالة المتعلقة بالقلق الأخلاقي: بالتحديد، أنه شعور يساهم بطرق مميزة ومهمة في قدرتنا على التفكير والعمل أخلاقيًّا. ولكنها حقيقة أيضًا أن القلق – الأخلاقي أو غيره- يمكن أن يُخفق. ويمكننا أن نرى ذلك في التعبيرات السريرية مثل اضطراب القلق الاجتماعي واضطراب ما بعد الصدمة كما في حالات حين يستولي القلق على أشخاص أصحاء في النواحي الأخرى. وهذا قد يثير مخاوف من ما إذا كان القلق الأخلاقي فعلًا شيئًا ذا قيمة كما كنت أصوره.

“القلق الأخلاقي شيء يجب أن نتعلم أن نشعر به في الوقت الصحيح وبالطريقة الصحيحة”.

هناك شيئان مهمان نقولهما في هذا الموضوع. أولًا، أن نعترف – كما يجب أن نفعل– أن القلق الأخلاقي يمكن أحيانًا أن يُسبب مشاكل، لا يُضعف من زعم أنه بشكل عام عاطفة مفيدة. وبهذه الطريقة، حالة القلق الأخلاقي ليست مختلفة عما نجده في الخوف أو الغضب: فهذه العواطف جيدة حتى ولو كانت، أحيانًا، تُعبر عن نفسها بطرق مؤسفة، مثل الفوبيا أو الانفعال. ولكن، ثانيًا، ونظرًا لاحتمال أن القلق الأخلاقي يمكن أن يُخفق، فهو (مثل الغضب أو الخوف) سيكون أكثر قيمة لدرجة أن يكون شيئًا يستحق أن نُصقله.

والآن، مهم جدًا، أن نقول إن القلق الأخلاقي هو عاطفة لنُصقلها ليس اقتراحًا بأننا نريد أن نمر به بشكل أكثر أو أشد قوة. بالأحرى، هو لقول إن القلق الأخلاقي أمر يجب أن نتعلم أن نشعر به في الأوقات الصحيحة بالطرق الصحيحة. فيجب أن نتعلم أن ندرك، على سبيل المثال، متى يكون قلقنا هو نتيجة الشك بشأن الشيء الصحيح أخلاقيًّا الذي يجب فعله (على عكس الشك في، لنقل، ما إذا كنت ستُعاقب أو ستشعر بالإحراج).

تنمية القلق الأخلاقي سيتضمن أيضًا القدرة على إزالة التوتر الذي نختبره بشكل مناسب. وكما رأينا، جزء من قوة القلق تكون في قدرته على دفعنا لنقوم بأشياء تساعد في أن يختفي. ولكن هناك طرق متنوعة لفعل هذا. وفي مواجهة القرارات الصعبة أخلاقيًّا مثل ما تفعله بشأن والدتك، كان بإمكانك أن تتناول بعض حبات الدواء Xanax أو أن ترمي بحمل هذا القرار على أحد أقاربك. ولكنك إذا فعلت هذا فهو يعني فقط أنك تجنبت مصدر القلق. فأن تعالج قلقك الأخلاقي بشكل سليم يتضمن عدة أشياء مثل معالجة الشك الذي لديك حيال الطريقة الأفضل لإرضاء رغبات واحتياجات والدتك، ومقاومة رغبتك في أن تتجنب القرار الذي تواجهه.

من الواضح إذًا، أن صقل القلق الأخلاقي، وتعلم كيف تشعر به في الأوقات الصحيحة وتتجاوب معه بالطرق الصحيحة، سوف يتطلب عملًا جادًا. ولكنك لم تكن تظن أن كونك إنسانًا صالحًا سيكون أمرًا سهلًا، أليس كذلك؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد