بصوتٍ عالٍ ووجه بشوش استقبل الشيخ الستيني رائد صلاح، رئيس «الحركة الإسلامية في القدس» قرار المحكمة الإسرائيلية بسجنه 28 شهرًا في القضية التي عُرفت في الداخل الفلسطيني باسم «ملف الثوابت»، والممتدة منذ عام 2017، حين اعتُقل على خلفية خطبة ألقاها خلال تشييع شبان قتلوا برصاص قوات الاحتلال بعد تنفيذهما عملية أسفرت عن مقتل شرطيين إسرائيليين.

والتهمة التي وجهتها النيابة العامة الإسرائيلية لـ«شيخ الأقصى» كما يُلقبه أنصاره تمثلت في تلاوته آياتٍ قرآنية منها: «وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ»، وهي التي اعتبرتها المحكمة تحريضًا صريحًا على الإرهاب، بحسب لائحة الاتهام، فيما علّق الشيخ بأن «قرار المحكمة كُتب للقاضي وهو مليء بالمغالطات». الحكم على رائد صلاح بسبب آية يفتخ ملف ازدواجية معايير الحُكم في إسرائيل بين الشيوخ والحاخامات. التقرير التالي يرسم لك من الداخل الإسرائيلي قصة الحاخامات الذين يدعون لقتل المسلمين ولا يُمكن للحكومة محاكمتهم.

قانون مُعطّل على أصحابه.. هل تدعو التوراة لقتل العرب؟

بالرغم من أنّ إسرائيل تصف نفسها بأنها حديقة من الديمقراطية مُحاطة بالفوضى في إشارة إلى موقعها الجغرافي من البلدان العربية، إلا أنّ الصورة من الداخل تبدو مختلفة عن ذلك، فالسُلطة الدينية ممثلة في رجال الدين تتمتع بصلاحيات كبيرة؛ إذ يقررون وحدهم من يمكنه الزواج أو الطلاق نهايةً بتدخلهم الكبير في صنع القرار السياسي، وحشد الدولة لاضطهاد الأقلية العربية التي تُمثل نحو ربع السكان عبر فتاوى دموية لا توقع أصحابها تحت المحاكمة.

يشير تقرير موقع «ميدل إيست آي» البريطاني إلى أنّه على الرغم من أن الآباء المؤسسين لإسرائيل علمانيون، فإن الفصل بين الكنيسة والدولة في إسرائيل سُرعان ما انهار بوتيرة متسارعة عبر منح السلطة الحاخامية الأرثوذكسية، التي تمثل التيار الأكثر صرامة والأكثر تقليدية والمحافظة لليهودية، وصولًا لسيطرة اليمين المتطرف على الحُكم لأكثر من 10 سنوات.

وفي عام 2009 نشرت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية الأوسع انتشارًا فتوى دينية بعنوان: «كيفية معاملة اليهود لجيرانهم العرب»، والتي أجاب عليها الحاخام قائلًا: «أنا لا أومن بالأخلاقيات الغربية التي تقول لا تقتلوا المدنيين أو الأطفال، ولا تدمروا الأماكن المقدسة.. الطريقة الوحيدة لخوض حرب أخلاقية هي الطريقة اليهودية: دمروا مقدساتهم، واقتلوا رجالهم ونساءهم وأطفالهم ومواشيهم، فعند تدمير مقدساتهم سوف يتوقفون عن الاعتقاد بأن الرب إلى جانبهم».

وقبل عامين كشفت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الدور الذي يلعبه الحاخامات العسكريون في تحريض الضباط والجنود على استهداف المدنيين العرب، ونقل التقرير شهادات جنودٍ قالوا إن الحاخامات دعوهم إلى قتل أطفال العرب ونسائهم على اعتبار أن التوراة تتيح ذلك. التشجيع الصريح على ممارسة العنف ضد العرب تمثل أيضًا في مطالبة عضو مجلس الحاخامية الكبرى «مئير دروكمان» بمنح «جائزة إسرائيل» إلى تنظيم يهودي مُتهم بشن هجمات ترهيب ضد الفلسطينيين.

وخلال الانتخابات البرلمانية الأخيرة برز التحريض على المسلمين كأحد وسائل الدعاية الانتخابية لجذب أصوات الناخبين، خاصة من قبل أحزاب اليمين، فرئيس هيئة الأركان السابق بيني جانتس نشر على صفحته الرسمية «فيسبوك» أربعة فيديوهات تباهى فيها بقتل 1364 فلسطينيًا خلال حرب غزة عام 2014، بينما بنى الحاخام اليهودي «يهودا غليك» وعضو الكنيست عن حزب «الليكود» حملته الانتخابية على دعوة أنصاره باقتحام المسجد الأقصى.

اللافت أنّه بين عامي 2003 و2017، حاكمت إسرائيل الشيخ رائد صلاح عدة مرات باتهامات مُتعلقة التحريض على العنف والتحريض على الكراهية بعد تصريحاتٍ تمثلت في انتقاد الممارسات الإسرائيلية في القدس عبر خُطبه، في وقتٍ تمتنع فيه إسرائيل عن توجيه اتهامات للحاخامات الذين يدعون علانية لإبادة العرب وهدم المسجد الأقصى.

سياسة

منذ 4 سنوات
حياة «شيخ الأقصى» رائد صلاح مع إسرائيل.. نفي واعتقال ومحاكمة
925
بثينة اشتيوي

الوجه الآخر لإسرائيل.. جنة الحاخامات المتطرفين

بحسب المؤشرات الإسرائيلية، فإنه بحلول عام 2050، فسيكون ثلث سكان إسرائيل على الأقل من «الحريديم»، أكثر الأصول الدينية تعصبًا للديانة اليهودية، والتي توجّه اتهاماتٍ للحكومة الإسرائيلية دون أن يتعرض أصحابها للملاحقة القانونية، وحاليًا ينتمي حوالي ربع اليهود الإسرائيليين إلى المذهب اليهودي الأرثوذكسي، بينما ينتمي واحد من كل سبعة إلى المذهب الأرثوذكسي المتطرف (الحريديم).

وقف اليهود الحريديم في البداية ضد الصهيونية عند تأسيسها، وعارضوها بشدة في مراحلها الأولى باعتبارها حركة علمانية، تهدد الحياة اليهودية التقليدية، بينما اليوم يحظى هؤلاء بحصانة من الحكومات الإسرائيلية المُتعاقبة التي تتجنب الاشتباك معهم أو الحد من صلاحياتهم، كما تتجاوز عن الاعتداءات التي يشنوها على اليهود العلمانيين.

وبخلاف الحريديم، فإسرائيل نفسها صمتت على تصريحات الحاخام الأكبر «يتسحاق يوسف»، حين هاجم المهاجرين اليهود من أصول روسية، ووصفهم بالـ«أغيار» -ليسوا يهودًا – و«الشيوعيين الذين يكرهون الديانة اليهودية»، وهو الاتهام الذي يمثل إهانة علنية لم يُحاكم عليها.

هجوم رجال الدين وصل في بعض الأحيان إلى الدعوة لإسقاط الحكومة الإسرائيلية عبر انتقاد دعم الولايات المتحدة لإسرائيل، واعتبار أنّ التوراة لم تسمح لليهود بإنشاء وطن لهم منذ ألفي عام، وهي الدعوة التي لم تعرض صاحبها للملاحقة القضائية بالرغم من أنها تتشابه مع أهداف المقاومة الفلسطينية التي ترفع شعار تحرير فلسطين.

وتعتمد الحكومة الإسرائيلية إلى تجنب الدخول في صراع مع الطوائف المتطرفة طمعًا في كسب أصواتهم في الانتخابات بما يمثلونه من كتل تصويتية ضخمة مقابل منحهم امتيازات ممثلة في الحفاظ على أسلوب حياتهم وتقاليدهم المحافظة داخل المجتمع الإسرائيلي وعدم فرض الخدمة العسكرية، أو التجنيد الإجباري.

وفي الوقت الذي تصمت فيه الحكومة الإسرائيلية على تصريحات الحاخامات ذوي المناصب الرفيعة، أو التابعين للحريديم، تواجه الحكومة اتهامتٍ بالممارسة العنصرية الرسمية تجاه يهود الفلاشا الإثيوبيين الذين تتعمد المسلطة الرسمية عدم دمجهم في المجتمع، وإهمالهم في مؤسسات الدولة، خصوصًا الجيش ومؤسسات التعليم نظرًا لكونها أفقر طبقات المجتمع الإسرائيلي ودون تمثيل سياسي حقيقي.

وبينما حاكمت إسرائيل الشيخ رائد صلاح لمجرد تلاوته آياتٍ من القرآن، لم تفتح الحكومة الإسرائيلية حتى الآن تحقيقًا رسميًا في الاتهامات التي يواجهها الجيش بالاعتداءات الجنسية التي تصل إلى حد الاغتصاب للنساء والرجال والأطفال الفلسطينيين، كما أنّ كل الحاخامات الذين دخلوا السجن تورطوا في أعمال فساد ورشاوي، بينما لم يواجه أحد منهم تهمًا تتعلق بالتحريض على الإرهاب، أو الدعوة العلنية لإسقاط الحكومة.

مجتمع

منذ 9 شهور
كيف يمكن أن يدمر «المد السلفي» إسرائيل ذاتيًّا؟
1042
فاطمة نادي

المصادر

تحميل المزيد