عندما يتعلق الأمر بالتنمر دائمًا ما ننحاز إلى جانب الضحية، ونناقش الآثار السلبية للتنمر عليه، وهو أمر يبدو منطقيًّا للغاية ومفهومًا. لكن هل سألنا أنفسنا من قبل: ماذا عن الشخص المتنمر نفسه؟ ما الذي يدفعه لهذا السلوك؟ وما طبيعته النفسية التي تجعل منه متنمرًا منذ البداية؟ لا نبرر أفعال المتنمرين بالطبع، لكننا نحاول أن نفهم ما يجعلهم يتحولون إلى متنمرين بالأساس.

من المدرسة إلى أماكن العمل، يوجد التنمر في كل مكان تقريبًا. لا بد أن ترى ذلك الصبي المحاط بمجموعة من الأتباع، والذي يفرض سطوته على كل الطلبة، أو يطلق التعليقات الساخرة، أو تلك الفتاة التي ترى نفسها الأجمل وتنتقد ملابس كل الفتيات الأخريات بعبارات لاذعة. ولكن لماذا ينتشر التنمر على هذا النطاق الواسع؟ ولماذا يصعب معالجتها؟

ما يزال الأكاديميون غير متفقين حول كيفية وضع مفهوم للتنمر وتعريفه. استخدم الباحث الأول الذي تحرى عن التنمر – في النرويج – كلمة «تنمر» بمعنى بلطجة لوصفها عام 1973. وقد استعارت معظم الدول الغربية المصطلح الإنجليزي للتنمر، ولكن هذا ليس هو الحال دائمًا. قد يتخذ التنمر أشكالًا عديدة، من الاعتداء البدني، والإساءة اللفظية، والاستبعاد الاجتماعي، إلى التنمر الإلكتروني. بشكل عام، لكي يعد هذا الفعل تنمرًا، يجب أن ينفذ هذه الممارسة إما فرد وإما مجموعة، مرارًا وتكرارًا وبقصد إلحاق الأذى بشخص معين.

حقيقة عدم وجود تعريف واضح قد تفسر سبب صعوبة تقدير معدل انتشار التنمر في مكان العمل في بعض الأحيان. وقد يجري تشويه الأرقام الحقيقية نظرًا إلى عدم الإبلاغ عن التنمر دائمًا، خوفًا من الانتقام أو ربما لأن الشخص المتضرر قد لا يدرك أنه يتعرض للتنمر.

السبب الظاهري: الشعور بالقوة

في أغلب الأحيان، أولئك الذين يتنمرون على الآخرين يتطلعون إلى اكتساب شعور بالقوة والسيطرة على الناس. أسهل طريقة لفعل ذلك هي التركيز على شيء فريد عنك، عبر خلق حالة جديدة من عدم الأمان لك بقصد إيذائك جسديًّا أو عاطفيًّا. ما يحدث هو أننا، كأشخاص يعانون من التنمر، نبدأ في استيعابها ونصبح ناقدين للذات بخصوصها. نحن نريد أن نفهم الأسباب التي تجعلنا مستهدفين ونبدأ في إلقاء اللوم على أنفسنا.

نتيجة لذلك، نحاول تغيير أو إخفاء هذه الخاصية الفريدة التي نمتلكها لتجنب التنمر. ربما نصبغ شعرنا، أو نبيض بشرتنا، ونغطي أجسامنا فوق العيوب الظاهرة التي تشعرنا بالخجل. لكن الطريقة التي نرى بها التنمر كلها خاطئة. وليس السبب وراء التنمر هو أننا مختلفون إلى حد ما. وأوضحت دراسات أن سبب تعرض الناس للتنمر يتعارض مع الاعتقاد السائد، ولا يرتبط بالخصائص الفريدة للشخص الذي يعاني من البلطجة.

المتنمر.. لا يعرف أنه متنمر!

جزء من المشكلة هو أن هؤلاء المتنمرين أو الفتوات لا يدركون في بعض الأحيان أنهم متنمرون. على سبيل المثال، بعض المديرين المتنمرين قد يبررون إزعاجهم ومضايقة بعض موظفيهم بحجة أنهم بهذه الطريقة يدفعونهم فقط ليكونوا أفضل، ويبذلوا قصارى جهدهم في العمل. بل ربما كان هؤلاء المديرون لا يتذكرون فعليًّا تلك اللحظات القليلة التي تعاملوا فيها مع أولئك الموظفين. ليس هذا فحسب، بل إن بعض الرؤساء في العمل يعتقدون أن أولئك الأشخاص الذين ينهارون نتيجة لسلوكهم المتنمر ليسوا أقوياء بما فيه الكفاية للعمل في الوظيفة المنوطين بها.

عادة ما يُنظر إلى المتنمرين على أنهم أشخاص منخفضو الذكاء (IQ)، وأنهم غير كفء اجتماعيًّا ويفتقرون إلى الإدراك الاجتماعي. هذه هي النظرة التقليدية التي كنا نشاهدها أيضًا على شاشات التلفاز وفي السينما. نحن نعلم الآن أن هذا ليس هو الحال في كثير من الأحيان، ولكن هذه الأمور قد تساهم في فشل الأشخاص في التعرف إلى أنفسهم على أنهم متنمرون.

وجد بعض الباحثين دليلًا على أن المتنمرين يسجلون بالفعل درجات عالية في قدراتهم على معالجة المعلومات الاجتماعية، حيث يتطلب الأمر قدرًا معينًا من المهارة للتعرف إلى الجهة المستهدفة، وكيف يمكن استهدافها. ما يفعله المتنمرون في الغالب هو البحث عن أشخاص يتمتعون بثقة منخفضة في تقدير الذات للانقضاض عليهم. وبذلك، يحافظون على مكانتهم ويزيدون من ثقتهم، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى رفع تقديرهم لذاتهم إلى مستويات عالية بشكل غير واقعي.

Embed from Getty Images

لكن ماذا عن الدوافع التي تجعل هؤلاء الأشخاص متنمرين. هذه بعض الأمثلة المرتبطة بالأسباب النفسية التي تدفع الناس للتنمر:

1- لا يستطيعون التعاطف مع الآخرين

المتنمرون يفتقرون في كثير من الأحيان إلى التعاطف، الشعور وفهم كيف يمكن أن يشعر المتضررون عندما يتنمرون عليهم. وقد يسهم ذلك أيضًا في فشلهم في ربط سلوكهم بالتنمر نفسه. قد يعتزم المتنمرون إيذاء فرد في اللحظة القصيرة التي يهاجمون فيها، ولكن بعد ذلك يخبرون أنفسهم بأنه ليس هجومًا كبيرًا، أو أن الضحية استحق هذا الهجوم بطريقة أو بأخرى، أو أنه كان هجومًا لمرة واحدة فقط.

2- مروا بصدمة عاطفية

يشير الخبراء إلى أن أولئك الذين يتنمرون يكونون أكثر عرضة من المعتاد لأن يكونوا قد مروا بموقف مرهق أو مؤلم في السنوات الخمس الماضية. ومن الأمثلة على ذلك انفصال أولياء أمورهم، أو وفاة أحد الأقارب، أو حتى اكتساب أخ أو أخت صغيرة؛ مما يسبب تغير وجهة اهتمام الأبوين.

يبدو هذا منطقيًّا لأننا جميعًا نستجيب للتوتر بطرق مختلفة جدًّا. يستخدم البعض منا سلوكيات إيجابية، مثل التأمل والتمارين الرياضية أو العلاج بالكلام في مجموعات والمصممة لتخفيف التوتر. بينما يستخدم آخرون السلوكيات السلبية مثل التنمر والعنف وإدمان الكحول، والتي تخفي المشكلات مؤقتًا،  ولكنها عادة ما تزيدها سوءًا على المدى الطويل. بعض الأشخاص ببساطة لا يعرفون كيف يستجيبون للإجهاد بشكل إيجابي، ومن ثم يلجؤون للتنمر على الآخرين كآلية للتكيف.

3- تعرضوا لسلوكيات عدوانية وثقافة ذكورية

عدد كبير من الناس الذين يصرحون بأنهم يقومون بالتنمر هم من الذكور. لذلك، يمكننا أن تفكر بدقة في الكيفية التي يربى بها الذكور في ثقافتنا ومقارنتها بالطرق التي تربى بها الفتيات. في اللحظة التي يبدأ فيها الرجل بإظهار أي علامة على العاطفة، يجري إخباره بالتوقف عن التعامل كالفتيات.

نحن نشجع الفتيات على التحدث عن القضايا والمشكلات التي تؤثر فيهن، لكن بالنسبة للرجال، هذا أمر لا يصح، ولذا يبدأون في الاستجابة بسلوكيات عدوانية، مثل التنمر، كوسيلة للتغلب على المشكلات التي تؤثر فيهم. هذا هو السبب في أن الرجال أكثر من الفتيات فيما يتعلق بالهجوم الجسدي على شخص ما، أو لارتكاب جرائم. إنه ليس شيئًا يولدون به، بل سلوكًا يتعلمونه بشكل نشط من قبل المجتمع باستخدام قواعد وأدوار معتمدة على الجنس، ومختلة وظيفيًّا.

Embed from Getty Images

(الثقافة الذكورية لها علاقة بالتنمر)

4- يشعرون بعدم الرضا عن النفس

من أجل إخفاء ما يشعرون به بالفعل عن أنفسهم، يركز الأشخاص المتنمرون على شخص آخر. يحاولون تجنب أي اهتمام سلبي موجه لهم عن طريق الانحراف إلى طريق آخر. لكن ربما علينا أن نعلم أن هؤلاء المتنمرين من هذه النوعية قد ينظرون إلى المرآة في منازلهم ويكرهون الطريقة التي ينظرون بها إلى أنفسهم. هناك الكثير من الضغوط على هؤلاء للارتقاء إلى مستويات الجمال واللياقة البدنية، لأننا نتعلم أن نقارن أنفسنا بالآخرين بدلًا من الرضا بما لدينا.

5- سبق وأن تعرضوا للتنمر

تظهر أبحاث أن أولئك الذين عانوا من التنمر هم أكثر عرضة للتنمر والتسلط على الآخرين. ربما تعرضوا للتنمر وهم أطفال في الماضي، أو ربما يتعرضون للتنمر الآن. غالبًا ما يستخدم التنمر كآلية دفاع ويميل الناس إلى الاعتقاد بأنهم عن طريق التنمر على الآخرين، سيصبحون محصنين ضد التعرض للتنمر من جديد. في الواقع، يتحول الأمر هنا إلى مجرد حلقة مفرغة من السلوكيات السلبية.

6- حياتهم الأسرية جافة وصعبة

عدد ليس بالقليل من المتنمرين يقولون إنهم يشعرون بأن والديهم أو أولياء أمورهم ليس لديهم وقت كاف يقضونه معهم. من المرجح أن هؤلاء المتنمرين ينتمون إلى أسر كبيرة، وأكثر احتمالًا أنهم يعيشون مع أشخاص آخرين دون والديهم. غالبًا ما يكون هناك شعور بالرفض لهؤلاء من قبل الأشخاص الذين ينبغي لهم بالأساس أن يحبونهم دون قيد أو شرط. من المرجح أيضًا أن المتنمرين قادمون من أسر عنيفة، مع الكثير من العدائية فيما بينهم والمشكلات.

7- لم يحصلوا على تعليم كافٍ

دون الحصول على التعليم، قد تكون المحادثة القائمة على الكراهية الموجهة للآخرين هي القاعدة. قد لا يفهم المتنمرون ما هو خطاب الكراهية، ولماذا ليس من المناسب التحدث عن الناس بطريقة مهينة.

8- لا يشعرون بالأمان في العلاقات

من المرجح أن يشعر هؤلاء المتنمرون بأن صداقاتهم وعلاقاتهم العائلية ليست بأمان كبير. ومن أجل الحفاظ على الصداقات، قد يتعرضون للضغوط من قبل أقرانهم على التصرف بطريقة معينة. هم أكثر عرضة للشعور بأن أولئك الأقرب إليهم يجعلونهم يفعلون أشياء لا يشعرون بالراحة في القيام بها، وأنهم ليسوا داعمين أو محبين للغاية.

علوم

منذ 9 شهور
كيف تؤثر العنصرية والتمييز جينيًّا في المتعرض للتنمر؟!

كيف تعرف أنك متنمر؟

بالعودة إلى فكرة أن كثيرًا من المتنمرين لا يميزون حقيقة أنهم متنمرون بالفعل. كيف يمكنك إذًا أن تعرف ما إذا كنت متنمرًا؟ الأمر ليس بهذه البساطة ولا يمكن تشخيصه في كلمات بسيطة، ولكن إذا كنت تعتقد أن بعض هذه الأمور تنطبق عليك، فقد يكون من المفيد الانتباه إلى طريقة تعاملك مع الآخرين.

1- تُزعج الآخرين دائمًا

إذا كنت مرارًا وتكرارًا تزعج شخصًا ما حولك. قد تلاحظ ذلك إذا غضب منك أحدهم كثيرًا، أو اشتكى من سلوكك، أو كانت دموعه كثيرة الانهمار كلما قابلك. ردود الفعل هذه ينبغي أن تؤخذ على محمل الجد.

2- لا تستطيع التعاطف مع الآخرين

ليس من السهل دائمًا تمييز هذا الأمر بنفسك. قد ترغب في سؤال الأشخاص من حولك عما إذا كانوا يعتقدون أن هذا هو الحال معك، أو حتى إجراء اختبار التعاطف.

3- سلوكك عدائي

قد يشمل ذلك الصراخ أو التهديد، أو الإهانة علانية أمام الآخرين. ويمكن أن تكون عدوانيتك أيضًا عبارة عن تعليقات عنيفة سلبية.

4- تسطع وسط الضعفاء

إذا كنت تشعر بأنك في حالة أفضل من خلال إثارة عدم الراحة أو عدم الأمان لدى أحد الزملاء، فستكون هذه علامة كلاسيكية على التنمر. يمكن القيام بذلك، على سبيل المثال، عن طريق اختيار شخص ما باستمرار أو إعداده عن عمد للفشل والإخفاق.

5- تتلذذ بنشر الشائعات عن الآخرين

قد لا تبدو هذه مشكلة كبيرة، لكن نشر الشائعات يمكن أن يجعل حياة شخص ما جحيمًا حقيقيًّا، مما يكلفه النجاح المهني والاجتماعي.

6- تسيء استخدام سلطتك

على سبيل المثال، يمكنك عمدًا منع ترقية شخص ما، أو سحب الواجبات والمسؤوليات دون أي مبرر أو مضمون. وتشمل الاحتمالات الأخرى تجاهل أو إقصاء شخص بشكل متعمد من العمل المشترك والفعاليات الاجتماعية.

وأخيرًا، ربما عليك أن تعرف أنه من المحتمل أن يحدث التنمر في أماكن العمل المجهدة ذات القيادة الضعيفة، والثقافة التي تكافئ السلوك العدواني والتنافسي. نحن نعلم أن التنمر يمكن أن يثير مجموعة من مشكلات الصحة العقلية بما في ذلك الاكتئاب، والإرهاق، وزيادة التغيب، وانخفاض الثقة بالنفس والتوتر. أرباب العمل الذين لا يوفرون بيئة آمنة لموظفيهم يخرقون القانون.

تربية

منذ سنة واحدة
أنتِ أم وتعانين من الانتقاد والتنمر؟ 6 نصائح تساعدك في تخطي الشعور بالذنب

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد