في 30 سبتمبر (أيلول) 2015، صرح وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، قائلًا: «بشار الأسد عليه أن يرحل أو يواجه الخيار العسكري»، وفي 2016 لم يتغيّر الموقف السعودي الرسمي؛ إذ عاد الجبير ليؤكد في لقاء له على قناة «فرانس24»، في مايو (أيار) 2016، على أن «بشّار ستتم إزالته».

وفي يناير (كانون الثاني) 2016، كان الجبير قد صرح لقناة «سي إن بي سي»، قائلًا: «إننا لا نستطيع أن ننكر حق السوريين في الدفاع المسلح عن أنفسهم ضد الطغيان، وسندعم هذا الحق كل يوم وباستمرار»، فيما كان مثيرًا للاهتمام أن يُؤكد الجبير في نفس المقابلة على أن بلاده لا تمانع الاستثمار في روسيا، أو التعاون النفطي معها، مُوضحًا أن هذا الاستثمار سيكون مرتبطًا بتحقيق مكاسب لبلاده، دون تحديد لماهية تلك المكاسب، التي يُمكن فهمها على أنها سياسية.

وعندما سئل الجبير عن انخفاض أسعار النفط، ما أضر – من بين ما أضرّ – بالاقتصاد الروسي، لم ينفِ أن السعودية تعمّدت التلاعب بأسعاره ضغطًا على روسيا، مُكتفيًا بالقول «المناقشات حول تخفيض السعودية لأسعار البترول للضغط على روسيا لا يمكن أن تنفي قاعدة العرض والطلب في السوق»، قبل أن يستدرك قائلًا «روسيا قوة عظمى، ونحن نتمنى التعاون معها، لكن لا يمكن أن يكون هذا التعاون على حساب دول أخرى». هذا وتوضح تصريحات الجبير ماهيّة القوى الكبرى المؤثرة في الصراع السوري، وقدرتها على الاستمرار والضغط والمراوغة.

تكوين الجبهات المؤثرة في طرفي الصراع السوري

في ملف أعدته وكالة «بلومبيرج» الإخبارية حول سوريا، اعتبرت أن طرفي الصراع الرئيسين هما قوات النظام السوري العلوية، المدعومة بروسيا، وقوات المعارضة السنية المدعومة من السعودية وحلفائها، بالإضافة إلى مشاركة من حزب الله اللبناني الشيعي، وإيران إلى جانب طرف نظام الأسد، وتركيا إلى طرف المعارضة، في حين يبدو موقف الولايات المتحدة مترددًا بعض الشيء، كما وصفته بلومبيرج، وذلك بالرغم من أن أوباما، كان قد أعلن أكثر من مرة ضرورة رحيل بشار، كما أن هناك تقارير حول دعم أمريكي للمعارضة السورية، بتدريبات عسكرية، وتسليح لبعض جبهاتها.

من جهة أُخرى، فإنه ثمّة تحالفات ومصالح اُخرى تُعقد الأمور بعض الشيء، فهناك تحالف ضد «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش)، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، أعلنت إيران، كما السعودية وتركيا، تأييدها له، بخاصة لضرباته في العراق.

وتشير تقارير أيضًا إلى أن روسيا تحاول عقد صفقة مع الولايات المتحدة، مقتضاها أن تخفف الولايات المتحدة الضغط على روسيا في الموقف السوري، مقابل مساعدة الروس للأمريكان في القضاء على «تنظيم الدولة».

المصالح السياسية

من الناحية السياسية، يتضح أنّ موقف روسيا الداعم لبشار، مرتبط بكون سوريا موطئ قدم لروسيا في المنطقة، لاحتوائها القاعدة العسكرية الوحيدة لروسيا في المنطقة، فيما يرى البعض أيضًا أن موقف روسيا من القضية السورية، مرتبط برغبتها في استمرار ظهورها كقوة عظمى لها تأثيرها في منطقة الشرق الأوسط.

يرى البعض أيضًا أن الموقف روسيا من سوريا مرتبط برغبتها في الظهور كقوة عظمى لها تأثيرها في المنطقة

وبالرغم من أن السبب المعلن للجانب السعودي، في تأييد المعارضة، هو مساندة أهل السنة، وقوفًا ضد الظلم وما إلى ذلك، لكن لا يُمكن بحال تجاهله هو رغبة السعودية في تأدية دور إقليمي ذي بعد إسلامي سُنّي، ودون كثير من المجازفة، يُمكن النظر إلى التحالف الذي أنشأته السعودية في حرب اليمن، تعبيرًا عن رغبتها في إبراز قدرتها على تمثّيل دور الريادة.

على جانب آخر، يبدو أن تركيا تنظر إلى أكراد الشمال السوري كتهديد لأمنها القومي، لما قد يُمثله زيادة نفوذهم، زيادة لقوة أكراد الجنوب التركي، وزيادة في تجرؤ حزب العمال الكردستاني، وهو ما أشارت إليه صحيفة لوس أنجلوس تايمز الأمريكية، في تغطيتها لغارات الطيران الحربي التركي ضد القوات الكردية شمالي حلب، إذ قالت الصحيفة: إن تركيا «تضع مصالحها فوق كل شيء، حتى فوق تحالفها مع الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة»، مُضيفةً «تريد تركيا أن ترسل رسالة قوية للأكراد، مفادها بأنها لن تسمح بأي نفوذ لهم، وستمنع ذلك بمنتهى العنف».

من ناحية أُخرى، لا يُمكن استبعاد طموحات الرئيس التركي، «رجب طيب أردوغان» في زعامة العالم الإسلامي، ورؤيته لبلاده، أن دورها الطبيعي هو قيادة العالم الإسلامي كما كان الحال مع الدولة العثمانية، وهو ما تحدث عنه تقرير لقناة «فوكس نيوز»، بعنوان «ها قد أتى الخليفة».

وفيما يخص إيران، فيبدو أن دورها يقتصر على تجنيد المرتزقة لخوض الحرب في سوريا نيابة عنها، وهو ما أكدت عليه منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية الدولية، في تقرير لها، مُشيرةً إلى أن أغلب الذين تستخدمهم إيران في الحرب السورية، هم من الأفغان، الذين يُجنّدهم الحرس الثوري الإيراني، وكثيرٌ منهم مقيمون في إيران، يُهددون بالترحيل هم وعوائلهم، حال عدم قبولهم القتال في سوريا.

وتضم إيران حوالي ثلاثة ملايين لاجئ أفغاني، 950 ألف فقط يُقيمون بشكل شرعي، وهو ما يضع الباقين في موقف صعب، يسهل معه إجبارهم على القتال في سوريا، وفقًا للمنظمة الحقوقية الدولية.

وبالنسبة إلى حزب الله اللبناني، فيعتبره البعض نقطة نفوذٍ إيرانية في المنطقة لا أكثر، وهو ما صرح به صبحي الطفيلي، الأمين العام السابق لحزب الله، لوكالة «رويترز»، قائلًا إن «قرار دخول حزب الله الحرب في سوريا كان قرارًا إيرانيًا تمامًا».

وتُشير تقارير إلى أن ميليشيا حزب الله التي اكتسبت شعبيتها من حروبها ضد إسرائيل، تشهد خسائر فادحة في هذه الشعبية، بسبب خوضها الحرب السورية، ليس ذلك فحسب، إذ إن صحيفة «دايلي بيست» الأمريكية نشرت تقريرًا حول رغبة مقاتلي حزب الله في الرجوع من سوريا.

وحاورت الصحيفة، أحد المقاتلين السابقين في سوريا، والذي أكد على رغبة الكثيرين من مقاتلي حزب الله في العودة إلى ديارهم؛ لأنهم «لم ينضموا لحزب الله لأجل حربٍ كهذه»، على حد تعبيره، مُوضحًا أنه وزملاءه «يشعرون بالإحباط»، وذلك بسبب أنهم يحتلون مواقع يُسلمونها للجيش النظامي السوري، قبل أن تستعيدها المعارضة مرة أُخرى، كما تحدث عن الوضع المالي لحزب الله، مُشيرًا إلى أنه لم يعد يُقدّم نفس القدر من الأموال لمقاتليه، كما لم يعد يدعم عائلاتهم كما في السابق.

الدوافع الدينية

لعله من الصعب القول إن هناك أي توجه عقدي غير الإسلام السني في صفوف المعارضة المسلحة في سوريا، وهو ما أشارت إليه تقارير، أكدت انضمام مسلمين سُنة من أنحاء العالم للمعارضة المسلحة في سوريا، وفي هذا الصدد، جدير بالذكر أن نسبة المسلمين السنة في سوريا تتجاوز 70% من عدد السكان الأصليين، حتى اندلاع الحرب الأهلية.

على الجانب الآخر فصفوف بشار، الذي يُفترض تمثيله للأقلية العلوية، والتي كانت نسبتها حتى بدء الحرب لا تتجاوز 12%؛ هي خليط بين الشيعة الإمامية والعلويين والروس، وربما هناك فرق شيعية اُخرى.

ما بعد حلب

لا يبدو أن فوز بشار الأسد حاسم كما يراه البعض، وهو ما أشارت إليه بلومبيرج، إذ نشرت في تقرير لها خريطة تظهر الأماكن الواقعة تحت حكم بشار محاصرة بقوات معارضة من مختلف التيارات، كما أشار التقرير إلى أن الانتصار الذي حققته قوات النظام في حلب، مبني بالأساس على دعم القوى الخارجية المؤثرة، ولكن هل يُمكن لهذه القوى الحفاظ على انتصاراتها، وإسقاط سوريا كلها تحت يد بشار؟

خريطة بلومبيرج

في مقال للباحث الأكاديمي عمر قاسم، يطرح تساؤلًا هامًا «على أي أساس يتوقع بشار أن قاسم سليمانى بعد أن أنفق ما يقارب 175 مليون دولار في سوريا، وخسر خسارات بشرية مرعبة، منها قيادات عسكرية مهمة؛ سيترك لبشار مكاسب هذه الحرب، ويعيد له المناطق المستعادة من الثوار؟»

ما يعتقد عمر قاسم، هو أن تحالف بشّار «هشّ»، بمعنى أنه ثمّة مصالح متعارضة للأطراف المتواجدة في نفس التحالف، تجعل استمرار دعم بشار غير مُؤكدة، فضلًا عن مدى الدعم ونوعه.

كما يرى قاسم أن انضمام الروسيين إلى التحالف الشيعي الممثل في إيران وحزب الله، يُهدد علاقة روسيا بالدول الإسلامية السنية، بل ويتسبب في مشاكل داخلية أيضًا، إذ إن 14% من سكان الاتحاد الروسي، من المسلمين التتار، وهو ما دفع الروس إلى وضع قوات شيشانية سُنّية في المدن التي وقعت تحت سيطرتهم، في محاولة لمنع تصاعد الغضب السني الداخلي، بحسب قاسم.

كذلك لا يُمكن استبعاد الجانب الاقتصادي، وهو البعد الذي أشارت إليه الصحافية البلغارية، ماريا بيتروكوفا في تقرير لها؛ إذ ترى أن الأزمة الاقتصادية الروسية، قد تجعل من استمرارها في سوريا «عبئًا، لا تُغطيه أية مكاسب يطمح بوتين في تحقيقها».

التناقض الداخلي في التحالف الداعم لبشار، تؤكده الباحثة الأمريكية ماريسا سوليفان، في كتابها «حزب الله في سوريا»، إذ تقول ماريسا إن إيران كانت تدعم حزب الله بحوالي 200 مليون دولار سنويًا، على اعتباره نقطة تواجدها في المنطقة، قائلةً «إن أهمية سوريا بالنسبة لإيران، تكمن في كونها وصلة بينها وبين حزب الله»، وهو ما – إذا صح ذلك – يطرح تساؤلًا حول بقاء بشار مع مرور الوقت، إذ إن الخسائر التي منيت بها المعارضة المسلحة في سوريا، لا تعني بالضرورة سيطرة بشار على الأرض، وهو ما قد يدفع إلى الشك في قدرة نظام الأسد على أداء أي دورٍ استراتيجي.

في مقال للكاتب والباحث الكندي جوين داير، يطرح نفس التساؤل حول الروس «هل سيسلمون المدن المستعادة من الثوار لبشار؟» ثُم يتساءل مرة أُخرى حول إمكانية عقد اتفاق روسي أمريكي بخصوص سوريا، وهو ما يتعارض مع الموقف الأمريكية من الإيرانيين.

ويعتقد داير أنه في حال توافق روسيا والولايات المتحدة، فإنهما سيقعان في مأزق، فإما أن تستمر الحرب السورية، أو أن يدعموا الجماعات المتشددة، أو أن يحاولوا فرض رئيس أكثر قبولًا من بشّار.

وفيما يخص تركيا، فيرى داير أنها أكبر الفائزين في هذه الحرب، لكون تواجدهم في سوريا كقوة مؤثرة، يُمكّنهم من القضاء على أية احتمالية لإقامة الأكراد حكومة مستقلة في الشمال السوري، وبالتالي يحد من تهديد الأكراد في الجنوب التركي.

وفي هذا الموقف المتشابك، لا يبدو أن ثمة أمر واضح، سوى شيئين، الأول هو ما أشارت إليه صحيفة نيويورك تايمز في تقرير لها وهو أن التحالف الذي يدعم بشار، لا تجتمع مصالحه معًا، والتضاد بين أطرافه لا تخفيه، سوى الحرب الدائرة رحاها في سوريا، وهو ما يعني أن انتهاء الحرب لصالح النظام السوري، لا يعني إلا بداية واحدة أُخرى.

الشيء الثاني، هو أن المعارضة المسلحة السنية في سوريا، وإن اختلفت، فيجمعها مفهوم «الجهاد» الإسلامي، بمعانيه الظاهرية، والميتافيزيقية.

الجانب الميتافيزيقي في الحرب السورية

في تقرير سابق بعنوان «نهاية العالم في حلب.. كيف تحرك الميتافيزيقيا أحلام المحاربين»، أشرنا إلى الجانب الميتافيزيقي في اعتقاد المتقاتلين على أرض سوريا، ويبدو أن هذا الجانب لا يعتقده فقط المسلمون السنة والشيعة، بل أيضًا، يعتقد فيه آخرون من ثقافات مختلفة.

في مقطع فيديو نشرته قناة «وورلد نيوز»، تظهر فيه ما اصطلح على تسميته «أجسام طائرة لا يمكن تعريفها»، تحوم حول أرض المعركة في سوريا وأحيانًا تشارك، وسط دهشة المقاتلين.

استضافت القناة، السيدة الأمريكية كوليين توماس، الشهيرة بحديثها الذي يُوصف بالغريب عن حضارات اُخرى وُجدت قبل آلاف السنين، لتسألها عن هذه الأجسام، لتجيب كوليين بما تعتقده «هذه الأجسام أرسلها الرب لتحارب الظلم في العالم».

وترى كوليين أن حكومة الولايات المتحدة جزء مما أسمته بـ«قوى الشر العالمية، التي تسمم البشر لتبيع لهم الأدوية، ولكن الله ينتقم منهم»، على حد قولها.

كوليين التي ربما يراها الكثيرون «مجنونة»، فتحت موضوعًا مثُيرًا، وهو الأجسام الطائرة التي لا يُعلم كنهها، والتي فسرها الشاعر الأمريكي تشارلز أبتون على أنها «جن»، ما يُعيد إلى الأذهان قصص المسلمين عن الملائكة التي تقاتل معهم، والشياطين التي تقاتل مع الجانب الآخر.

وبغض النظر عن صحة تلك المرويات من عدمها، فإنه حتمًا لشيء مهيب أن يقاتل جُندي وهو يعتقد في أن قوى خارقة تسانده في معركته حتى ينتصر، فهل يُمكن أن يتوقف عن القتال من يعتقد في ذلك؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد