أبو عمر الشيشاني

نقلاً عن alsafwanews

الشّخص المتواجد بالصّورة هذا يدعى (عمر الشّيشانيّ)، وهو يعتبر من أشهر المسلّحين الإسلاميّين عموما، والمنتمين لداعش خصوصا. لماذا؟

السّبب الأوّل: هناك عرف منتشر بين المسلّحين الإسلاميّين أو بالأحرى بين قادة التّنظيمات بأنّه من المفضّل ألّا يظهروا كثيرا في وسائل الإعلام، والدّليل على ذلك، قائد تنظيم داعش الذي يدعى (أبوبكر البغدادي)، والذي رغم تنصيبه لنفسه على أنّه خليفة المسلمين وأنّه قائد الدّولة الإسلاميّة الوليدة في العراق وسوريا، إلّا أنّه لم يظهر في أيّ شرائط فيديو أو في صور.

السّبب الثاني: (عمر الشيشاني) والذي كما هو واضح من اسمه أنّه ينتمي إلى جمهورية الشّيشان، لا يمثّل بمفرده الشّيشان، بمعنى أنّه وفي تقرير خرج عن المخابرات الرّوسية المعروفة باسم Federal Security Service) FSB)، يوجد 500مسلّح روسيّ (حيث أنّ روسيا لا تعترف بوجود جمهوريّة الشّيشان) يقاتلون حاليّا في سوريا. الرّقم الذي أعلنته FSBيعتبر أقلّ من الرّقم الذي أعلنه تقرير خارج عن Soufan Groupوالذي ادّعى أنّ عدد المقاتلين الشّيشانيين في روسيا وصل إلى 800.

السّبب الثالث: وفق تقرير عن وكالة أنباء الاسوشيتيد برس، فإنّ (عمر الشّيشاني) مسؤول عن عمليات داعش العسكريّة في سوريا، ويعتقد أنّه صار حاليّا القائد العامّ للعمليّات القتاليّة بعد مقتل (عبدالرّحمان البيلاوي الأنباري) في الأوّل من يونيو الماضي. مثله مثل باقي المقاتلين الشّيشانيين، يُنظر إلى (عمر) باعتباره من أفضل المقاتلين في ترسانة داعش.

السبب الرابع: (عمر الشّيشاني) يدرك جيّدا تاريخ بلاده وهذا ما سنتحدّث عنه لاحقا، لكن ما قد لا تعرفه، أنّه قبل إشهاره إسلامه وتغيير اسمه إلى (عمر الشّيشاني) كان اسمه Tarkhan Batirashviliوكان ضابطا سابقا في المخابرات الجيورجيّة، وهو حاليا يبلغ من العمر 28عاما.

بداية القصّة حدثت سنة 1991مع انهيار الاتّحاد السوفييتيّ، وقتئذ قرّر شعب الشّيشان إعلان قيام جمهوريّة الشّيشان المستقلّة وهو الإعلان الذي أدّى إلى قيام الحرب الرّوسية الشّيشانيّة الأولى سنة 1994. كانت حربا غاية في الدّمويّة والبشاعة، قتل فيها مئات الآلاف من المواطنين الشّيشانيّين علي يد القوّات الرّوسية، إلى أن أعلنت روسيا انسحابها من الشّيشان سنة 1996.  الشّيشانيون رغم كونهم مسلمين، لم تكن حربهم ضدّ روسيا في البداية  تحكمها أسباب دينيّة ، بل كانت حربا تتمحور حول أسباب وطنيّة، فعلى سبيل المثال (جوهر دوداييف) الذي يعتبر من أشهر الشخصيّات القياديّة في تاريخ الشّيشان الحديث، لم يرفع أبدا راية الدّين في أيّ مرحلة من مراحل الحرب الرّوسيّة الشّيشانيّة الأولى، إلى أن حدث تطوّر لم يتوقعه أحد.

الواقع الذي يجب أن نتّفق عليه هو أنّ الرّوس ارتكبوا فظائع في حربهم في الشّيشان وارتكبوا جرائم ارتقت الي مرتبة التّطهير العرقيّ، وهو ما سبّب جرحا عميقا في نفس كلّ مواطن شيشانيّ. في تلك الأثناء، بدأت أمواج هجرة المقاتلين الإسلاميّين من الدّول العربيّة والمنتمين إلى تنظيمات أشهرها تنظيم القاعدة في الوصول إلى الشّيشان، بعد ما شاهدوا المذابح التي ترتكبها القوّات الرّوسية في الشّيشان على شاشات التّلفزيون وفي نشرات الأخبار. في البداية كان للمقاتلين الإسلاميّين حديثي الوصول إلى الشّيشان تأثير محدود للغاية، لأنّ أغلب هؤلاء المقاتلين كانوا لا يتحدّثون اللّغة الرّوسيّة، بالإضافة إلى أنّ تعاليم الدّين الإسلامي المتشدّدة التي حملها المقاتلون الإسلاميّون معهم اختلفت في نقاط جوهريّة عن التّعاليم الإسلاميّة السّمحة المتأثّرة بالفكر السّلفي الّتي يعتنقها أهل الشّيشان. كلّ هذه الأسباب جعلت تأثير المقاتلين الإسلاميّين على سير الصّراع الشّيشانيّ الرّوسيّ بطيئا بشكل ملحوظ.

عندما انتهت الحرب الرّوسية الشّيشانيّة الأولى سنة 1994، بدأت فترة من الأعمال المسلّحة المتقطّعة، وسنة 1999اشتعلت الحرب الرّوسية الشّيشانيّة الثّانية والسّبب كان محاولة المقاتلين الإسلاميّين غزو جمهوريّة داغستان المجاورة للشّيشان، وبدأت بعدها سلسلة من التّفجيرات داخل الشّقق السكنيّة في المدن الرّوسيّة ومدن جمهوريّة داغستان.

الاّ أنّ الحرب الرّوسيّة الشّيشانيّة الثّانية، رغم كونها أكثر عنفا ودمويّة من سابقتها، كانت لها نتيجتان مختلفتان نهائيّا عن نتائج الحرب الأولى:

أوّلا: القوّات الرّوسيّة استطاعت أن تهزم المقاتلين الشّيشانيّين، واستطاعت أن تسيطر على مناطق واسعة من الأراضي الشّيشانيّة.

ثانيا: نفوذ المقاتلين الإسلاميّين الأجانب (العرب) كان واضحا و بقوّة مقارنة بالحرب الأولى، وهذا بدا واضحا في تنفيذ عدد من الهجمات الإرهابيّة القويّة، مثل عمليّة احتجاز الرّهائن في مسرح موسكو سنة 2002، وعمليّة اقتحام مدرسة في مدينة بيسلان شمال أوسيتيا سنة 2004.

عشرون عاما من القتال في الشّيشان جعلت كثيرين من أهل الشّيشان يصيرون مقاتلين أشدّاء، لديهم خبرة طويلة في حرب المدن وذوي اتّصالات قويّة مع الجهاديّين الإسلاميّين في العراق و سوريا، بالإضافة إلى أنّهم لديهم خبرة في حرب العصابات التي تمثّل تكتيكا مثاليا ضدّ الجيوش النّظامية التي تمتلك تفوّقا عدديّا وتكنولوجيّا على المقاتلين الإسلاميّين. الأهمّ هو أنّ لديهم خبرة طويلة في استخدام الإعلام والعمليّات الإرهابيّة لنشر الخوف في نفوس أعدائهم، وهذه تعتبر من دعائم الإستراتيجيّة التي تطبّقها داعش.

من وجهة نظر أهل الشّيشان، فإنّ الخروج من منطقة القوقاز هو أمر منطقيّ جدا، لماذا؟ أوّلا هو دليل على مدى إيمانهم بفكرة الجهاد العالميّ. ثانيا سيعطيهم فرصة الهروب من قبضة الأمن الرّوسيّ. ثالثا توجد جالية شيشانيّة كبيرة تعيش في تركيا حاليا بشكل غير شرعيّ، آن الأوان لخروجها منها قبل أن تنقلب عليها السّلطات التّركيّة وتعتبرها عدوّا للدّولة. رابعا وهو السّبب الأهمّ، وصولهم إلى سوريا للقتال ضدّ نظام (بشار الأسد) سيعطيهم فرصة للإنتقام من روسيا، التي ينظر رئيسها (فلاديمير بوتين) إلى(بشار الأسد) باعتباره أهمّ حليف له في الشّرق الأوسط. خامسا كثير من الشّيشانيّين لديهم أمل في أنّهم إذا أحرزوا تقدّما ملحوظا على الجبهة العراقيّة والسّوريّة، فهذا قد يقنع المموِّلين العرب بأن يعطوهم فرصة العودة مرّة أخرى إلى الشّيشان وشنّ حرب ثالثة لاستعادة وطنهم، وهذا هو ما يرعب روسيا.

من وجهة نظر الإسلاميّين، كونك شيشانيّ هو وسام شرف على صدرك، لأنّك استطعت أن تنجو من واحد من أبشع الصّراعات المسلّحة في تاريخ الانسانيّة الحديث، وخرجت من هذا الصّراع مقاتلا على أعلى مستوى ومفيدا جدا للقضيّة الإسلاميّة. وهذا ما يؤكّده السّيد (حسين نصر) المتحدّث الرّسميّ باسم جبهة تحالف الثّوّار السّوريّين في تصريحات لوكالة أنباء الاسوشيتيد برس:

“الناس تخاف من الشّيشانيّين لأنّهم ينفّذون أيّ أمر يصدره قائدهم، حتى لو طلب منهم أن يقتلوا طفلا فسيقتلونه، وهذا ما أكّد سمعتهم كمقاتلين أشدّاء”.

يقول (سايمون سادريزيانSimon Saradzhyan) الباحث في مركز Belferللعلاقات الدّولية والعلميّة التّابع لجامعة هارفارد الأميريكيّة والخبير في الشّأن الرّوسي:

“الأطفال الشّيشانيّون تتمّ تربيتهم لكي يكونوا مقاتلين وخبراء في فنّ النّجاة من الموت، وهو الشّيء الذي من المفترض ألاّ يصدمك نظرا لدمويّة الصّراع الشّيشانيّ الرّوسيّ. حتى قياصرة روسيا الذين تعرّضت جيوشهم لخسائر فادحة حينما حاولوا غزو الشّيشان، اعترفوا بمهارة الشّيشانيّين في القتال”.

عرض التعليقات
تحميل المزيد