في عام 2010، سمع أندرو لاميرا، المتخصص في تطور اللغة والكلام بجامعة سان أندروز، إشاعة مفادها أن هناك في حديقة حيوان كولونيا في ألمانيا، تعيش أنثى أورانج أوتان تدعى تيلدا، وتستطيع تيلدا (من فصيلة القرود) أن تصدر شكلًا من أشكال الصفير باستخدام اللسان والحنجرة يشبه ذلك الخاص بالإنسان.

ذهب أندرو إلى الحديقة مباشرة، ونصب كاميرته أمام قفص تيلدا من أجل التقاط مقطع لها بينما تصدر ذلك الصفير الغريب على هذه الفصيلة، لكن تيلدا فعلت ما هو أكثر من الصفير؛ فقد أخذت تصفق بيديها، وتحرك شفتيها، وتخرج سلسلة من الأصوات المشوشة من عمق حلقها تشبه إلى حد كبير تلك الأصوات التي قد صدرها شخص استنشق غاز سداسي فلوريد الكبريت الذي يجعل الصوت يبدو أعمق.

صُعق أندرو من قدرة تيلدا على محاكاة الأصوات البشرية، تلك التي يتطابق فيها إيقاعها السريع مع الإيقاع السريع للكلام البشري، وبدا أيضًا أنها تربط مجموعة من الأصوات معًا بطريقة تشبه الأصوات المتحركة في لغة البشر، وهذه هي الطريقة التي مكنتنا من تكوين الكلمات ثم الجمل بحسب وصف أندرو.

أقرب الأنواع للبشر تطوريًا لم تنتج كلامًا

لماذا لا تتحدث القردة العليا مثل البشر؟ الغوريلا والشمبانزي والأورانج أوتان هي أقرب الكائنات الحية للبشر على شجرة التطور. كان هذا السؤال مطروحًا طيلة قرون حتى قبل أن يبدأ المجتمع العلمي دراسة التطور بشكل مفصل والإيمان بقدرة النظرية على تفسير الكثير من هذه الأسئلة القديمة الحديثة. يرتفع تحدي هذا السؤال للمجتمع العلمي بذكر حقيقة قدرة بعض الحيوانات من غير الرئيسيات على الكلام، أو إنتاجها أصواتًا تشبه التكوين اللغوي الواضح مثل الببغاء من الطيور وبعض أنواع الحيتان كذلك.

Embed from Getty Images

كانت هناك نظريتان تستحوذان على النقاش في الأوساط العلمية بخصوص هذه الظاهرة، إحداهما تدافع عن الفرضية القائلة بأن هذه الرئيسيات لا تمتلك التكوين التشريحي الذي يسمح لها بإنتاج لغة تشبه تلك التي أنتجها البشر في مرحلة ما من مراحل التطور. تعتمد هذه الفرضية على فرضية أخرى تقول إن البشر الأوائل لم يتمكنوا من الكلام إلا بعد أن تطورت أعضاء معينة بشكل يسمح للبشر بإنتاج الكلام.

 

النظرية الثانية، والتي اعتمدت بدورها على مجموعة من الدراسات المقارنة، وجدت أن وظيفة الحنجرة والجهاز الصوتي لدى معظم الرئيسيات، بما فيها البشر، متشابهان جدًا. استنتج أصحاب هذه النظرية بسهولة أن القناة الصوتية الرئيسة مهيأة تمامًا للكلام؛ وهو الاستنتاج الذي ينقل الاتهام بعجز هذه الحيوانات عن الكلام إلى مشتبه به آخر وهو الدماغ. نفس هذه الدراسات وجدت أن معظم الفصائل لا تمتلك القدرة العصبية المطلوبة لإنتاج أصوات معقدة مثل تلك التي ينتجها الإنسان عند الحديث.

الفرضية المُحرَّمة.. هل تمتلك الحيوانات وعيًا مثلنا؟

الدماغ وتطور اللغة والكلام

دراسة جديدة أجريت بهدف الوقوف على خاصيتين محددتين في الدماغ، مناطق الربط في قشرة الدماغ (cortical association areas) التي تسيطر  طوعيًا على السلوك، ونواة الجذع المركزي للدماغ (brainstem nuclei) التي تشارك في السيطرة العصبية للعضلات المسؤولة عن إنتاج الكلام. مناطق الربط في قشرة الدماغ توجد في القشرة المخية الحديثة (neocortex)، وهي المفتاح الأهم للوظائف الأكثر تطورًا للدماغ، والتي تعتبر أساسًا للسلوك المعقد والفريد للرئيسيات.

Embed from Getty Images

جاءت نتائج التجربة لتؤكد وجود رابط قوي بين الحجم النسبي لمناطق الربط في قشرة الدماغ وحجم المخزون الصوتي في الرئيسيات. يثبت هذا الارتباط أن الرئيسيات التي تمتلك مناطق ارتباط قشري أكبر  تصبح أكثر قدرة على صناعة وإنتاج المزيد من الأصوات المعقدة. في الوقت نفسه، لم تجد الدراسة أي ربط بين المخزون الصوتي للرئيسيات والحجم الكلي للدماغ. وجدت الدراسة أيضًا أن القردة العليا تمتلك مناطق ربط قشرية أكبر نسبيًا،  وتمتلك أيضًا نواة عصبية تحت اللسانية (Hypoglossal nucleus) أكبر؛ وهذه النواة العصبية تحت اللسانية مرتبطة بالعصب القحفي الذي يتحكم بدوره في عضلات اللسان.

تقترح هذه النتيجة الأخيرة أن القردة العليا، الأقرب تطوريًا للإنسان، تمتلك سيطرة فائقة وطوعية على اللسان أكثر من تلك التي تمتلكها بقية الرئيسيات. بجمع كل هذه الأجزاء من الأحجية، فإنه يمكننا فهم وتحليل العلاقة بين مدى قدرة الكائن على خلق أصوات معقدة بناء على تكوين الدماغ. هناك أمر يكمن في مكان آخر من الممكن أن يساعدنا في فك أسرار هذه الأحجية، وهو أن نفهم العناصر الأساسية التي تكمن خلف تطور القدرة على إنتاج الأصوات لدى أسلافنا من البشر؛ وهي القدرات التي قادتهم في النهاية إلى إنتاج الكلام.

لماذا يتحدث البشر بلغات مختلفة؟

تطور الكلام في مملكة الحيوان

البشر هم أكثر الكائنات قدرة على توليد أكثر الأصوات تنوعًا وتعقيدًا، وهم أكثر الفصائل قدرة على تعلم الأصوات كذلك، لكنهم ليسوا الوحيدين القادرين على ذلك. الحيتان البيضاء وبعض أنواع الدلافين تتعلم في بيئتها مئات الأصوات بشكل طبيعي لتتكيف مع بيئتها المحيطة، وكذلك الببغاوات والطيور المغردة تمتلك قدرة هائلة على تعلم الأصوات الجديدة حتى تلك التي ليست في بيئتها. أشهر الطيور التي تمتلك القدرة على تعلم تقليد الأصوات غير المألوفة هو طائر القيثارة، الذي تعلم محاكاة أصوات آلات بشرية مثل أصوات الكاميرا ومناشير الخشب.

Embed from Getty Images

الكثير من الأبحاث أجريت لفهم الطريقة التي يتم بها إنتاج الأصوات والكلام، وإحدى هذه الدراسات أجريت على نوع من السعادين يسمى الفرفت، ليجد الباحثون أنها تستخدم ما يشبه الكلمات للإشارة إلى بعض الأشياء. أنواع أخرى تطورت لديها القدرات الدماغية والتشريحية لتنتج ما يمكن تصنيفه جُملًا. حاول العلماء من خلال هذه الملاحظات تكوين معرفة دقيقة عن الطريقة التي تطورت بها اللغة، والعناصر التي احتاجها أسلافنا المشتركين مع هذه الفصائل لتكوين اللغة قبل ملايين السنين.

السجل الأحفوري يخبرنا فصلًا من القصة

قد تثير حقيقة أننا يمكن أن نتعلم عن الكلام وتطوره الكثير من السجل الأحفوري لدينا استغراب البعض، وهو الاستغراب المبرر للوهلة الأولى، لكن سرعان ما يزول هذا الاستغراب بمعرفة الحقيقة. فالكلام واللغة لا يحفظان في حجر صخري لملايين السنين، لكن التكوين التشريحي للأعضاء المسؤولة عن الكلام يُحفظ بالطبع. حاول العلماء النظر في الأحافير الخاصة بأقارب البشر لمعرفة شكل هذه الأعضاء لديهم، وحدث ذلك عندما اعتقد فريق من العلماء أن موضع العظمة اللامية وشكلها يمكن أن يُعرفنا أصل الكلام.

نظرية أخرى حول الشكل التشريحي تفترض أن قطر القناة الصدرية (the thoracic canal)، وهي التي تربط القفص الصدري بالجهاز العصبي، أو القناة تحت اللسان التي تصل خلالها الأعصاب إلى اللسان، يمكن أن يُعرفنا  الكثير عن التنفس، أو إنتاج اللغة والكلام. كذلك شكل العظام الصغيرة وحجمها في الأذن الوسطى يمكن أن يخبرنا الكثير عن القدرة على إدراك الكلام.

ليس كل الأطباء بشرًا! كيف تمارس الحيوانات «المثقفة» مهنة الطب؟

داروين كان يعرف الإجابة

في عام 1871، عندما راجع داروين الأدلة المتعارضة حول نشأة اللغة، كتب حينها: «لا شك أن الدماغ كان أكثر أهمية». لاحقًا، وبعد قرابة 14 قرن، خرجت دراسة جديدة لتشير إلى دور هام للجينات في قدرة أي كائن على إنتاج الكلام، أجرت هذه الدراسة الباحثة في جامعة كاليفورنيا جانفييف كونوبكا، وقد تركزت الدراسة على دراسة تأثير جين يسمى «FOXP2» الذي يُعتقد أنه له دور هام في نشأة اللغة لدى البشر.

يتواجد جين «FOXP2» أيضًا لدى الكثير من الحيوانات، بينما النسخة البشرية من الجين تنتج بروتينات تختلف عن تلك التي تنتجها نسخة الشمبانزي في موقعين فقط من أصل 715 موقع. أرادت جانفييف أن تدرس تأثير هاتين الطفرتين لدى الشمبانزي، فأنتجت أولًا خلايا دماغ بشرية في المعمل، ثم حقنت بعض العينات بجين «FOXP2» البشري، بينما حقنت بعض العينات الأخرى بنسخة «FOXP2» الخاصة بالشمبانزي.

Embed from Getty Images

نسخة جين «FOXP2» البشرية أدت إلى التعبير عن مجموعة من الجينات التي تختلف نسخة «FOXP2» الخاصة بالشمبانزي؛ ما يثبت أن هاتين الطفرتين لهما عواقب وظيفية معينة. قالت جانفييف أن هذه النتيجة لم تكن متوقعة، إذا أثبتت هذه النتيجة أن نسخة «FOXP2» البشرية لها تأثير على تكوين اللغة لدى البشر. هناك اعتقاد أن هذه الطفرات قد حدثت في نفس الوقت الذي ظهرت فيه اللغة البشرية لأول مرة.

لا يمكننا تبسيط الأمور عند هذا الحد بحيث يصبح التلاعب بهاتين الطفرتين لدى نسخة الجين الخاصة بالشمبانزي مؤديًا إلى مشاهدتنا لشمبانزي يتحدث أمامنا، فالطريقة التي يؤثر بها هذا الجين أو غيره على الدماغ لا تزال أكثر تعقيدًا من أن نحددها بالكامل، لكن في الوقت نفسه، فإن النقطة التي نقف عندها من المعرفة بدور هذا الجين، رفقة التقدم التكنولوجي في تحليل التسلسل الجيني لدى أسلاف البشر قد يجعلنا متفائلين حول مقدرتنا على تكوين الدراسة الكاملة لطريقة عمل اللغة لدينا، وبالتالي الإجابة عن هذا السؤال الأزلي.

من اكتشاف النار إلى غزو الفضاء.. رحلة تطور الذكاء البشري عبر ملايين السنين

المصادر

تحميل المزيد