نشرت وكالة أنباء الأناضول التركية الرسمية، مقالًا تحليليًا بعنوان: «الغرب لا يريد الاعتراف بحقيقة تركيا الصاعدة»، ذكر فيه الأكاديمي التركي حسين إيشيقسال، أن الاتحاد الأوروبي لا يستسيغ الصعود التركي في المنطقة، وما زال يرفض انضمامها إلى الاتحاد الاوروبي، وأنه لجأ إلى فرنسا التي تقود الوجه القبيح للمواقف العدوانية في الجبهة المناهضة لتركيا في ملف صراع شرق المتوسط، بحسب وصف الكاتب.

المقال التركي جاء بعد أيامٍ من انتقاداتٍ وتهديدات بفرض عقوبات من قبل أعضاء حلف الناتو على تركيا، وهو الذي تزامن معه خطابٍ ألقاه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قال فيه: «نريد أن يدرك الجميع بأن تركيا لم تعد دولة يختبر صبرها وإمكاناتها بعد اليوم، وتركيا عازمة على تحصيل ما يحق لها الحصول عليه في البحار المتوسط وإيجه والأسود».

التقرير التالي يشرح لك الأسباب التي تمنع قادة أوروبا من طرد تركيا من جنة الناتو.

مَن جنة الآخر؟ تركيا أم حلف الناتو

في عام 1949، أسست 12 دولة حلف شمال الأطلسي، وعلى رأس تلك الدول الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا، وهم ثلاث دول أعضاء دائمين في مجلس الأمن، ويتمتعون حصرًا بحق الفيتو، ويمتلكون رسميًا أسلحة نووية. هذا الحلف بات يُعرف الآن اختصارًا باسم (الناتو)، ومكون حاليًا من 29 دولة، منهم تركيا التي تمتلك ثاني أكبر جيش في الحلف بعد واشنطن.

Embed from Getty Images

انضمت تركيا إلى الحلف عام 1952، وسط رفضٍ من أغلب الدول الأعضاء التي وجهت مذكرة احتجاج إلى وزير الدفاع الأمريكي قبل عامين من انضمام أنقرة –الدولة ذات الأغلبية المُسلمة-، بينما كانت وجهة النظر الأمريكية وقتها في القبول بأنّ تركيا ستكون المرساة الشرقية لحلف الناتو ضد أي هجومٍ عسكري محتمل من الاتحاد السوفيتي، وأنها ستعمل على وقف المد الشيوعي إلى القارة؛ وفي مقابل هذا الدور ستحصل أنقرة على ضمان بالدفاع الجماعي وإعطائها مزيدًا من الأسلحة المتطورة.

ومقابل تلك الشروط، وقعت تركيا بروتوكول انضمامها إلى حلف الناتو لتكون الدولة رقم 13، وهو الرقم الصعب حتى داخل بنود المعاهدة.

أهمية تركيا جغرفيًا للحلف لا تتمثل فقط في وقوعها على مضيق البوسفور، وهو ما يجعلها جسرًا حيويًا بين أوروبا والشرق الأوسط وآسيا الوسطى؛ لكنها من جهة أخرى تعتبر الممر المائي الوحيد داخل وخارج البحر الأسود، حيث يتمركز الأسطول البحري الروسي، وهو ما يصنع اعتقادًا قويًا بضرورة أن تكون تركيا خارج الحلف لا داخله.

كذلك يعتمد حلفاء الناتو أيضًا على قاعدة «إنجرليك» الجوية في جنوب شرق تركيا، التي تعتبر أهم قاعدة جوية للوصول إلى الشرق الأوسط، ويدير منها الحلف عمليات استطلاع جوي، وتضم القاعدة 50 رأسًا نوويًا من أصل 150 رأسًا نوويًا نشرتها الولايات المتحدة إبان الحرب الباردة.

دولي

منذ 5 شهور
الناتو.. المسرح المُفضل لأردوغان للي ذراع خصومه

أهمية تركيا للحلف من جانب اقتصادي، تتمثل في كونها أكثر الأعضاء مساهمة في الصناديق الائتمانية المشتركة الخاصة بالتحالف الدولي، إذ تعد أنقرة ثامن أكثر عضو يسهم في ميزانية الحلف، بدعم تصل قيمته إلى 90 مليون يورو سنويًا.

والاتهام الأكبر الموجه لتركيا بسيطرتها على حلف الناتو يبرز مع الانتقادات الموجهة إلى الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرج، رئيس الوزراء النرويجي السابق الذي يبتعد عن أي انتقاد علني لتركيا بسبب ممارساتها في سوريا وليبيا وشرق المتوسط، وهو ما يصنع غضبًا مكتومًا للدول الأعضاء التي تبحث عن مسار قانوني لطرد تركيا – الدولة رقم 13 – من الحلف، وعلى رأسهم فرنسا.

لكن على جانب آخر؛ لا يمكن لأية دولة طرد تركيا من حلف الناتو بالرغم من التهديدات المتكررة، وذلك بموجب المادة الـ 13 من معاهدة شمال الأطلسي، التي تقول: «بعد أن تكون المعاهدة سارية المفعول لمدة 20 عامًا، يجوز لأي طرف التوقف عن كونه طرفًا بعد عام واحد من إرسال إشعار الانسحاب إلى حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، والتي ستبلغ حكومات الأطراف الأخرى إيداع كل إشعار بالانسحاب»؛ ما يعني أنه لا أحد يمكنه طرد تركيا من الناتو إلا بطلب رسمي منها، وهي المفارقة التي صنعها الرقم 13.

الحضور التركي والتوسع داخل حلف الناتو برز بوضوح في فبراير (شباط) الماضي، حين نشر الحساب الرسمي لحلف شمال الأطلسي على موقعه الرسمي فيديو باللغة التركية تحت عنوان «تركيا هي الناتو»، احتفالًا بمرور 68 عامًا على انضمام تركيا، الدولة التي رفض الجميع انضمامها سابقًا.

وبعيدًا عن النفوذ الذي يحظى به أردوغان داخل حلف الناتو، إلا أنّ أكثر ما يُغضب القادة الأوروبيين هو ممارسات تركيا في المنطقة خلال السنوات الأخيرة، والتي حاولت فيها إيجاد مكانة إقليمية ودولية لها على اعتبار أنها فاعل مهم داخل التحالف الدولي.

لماذا يكرهون وجود تركيا في حلف الناتو؟

يبرز الخلاف الأكبر داخل حلف الناتو بين واشنطن وبرلين، وأنقرة وباريس تجاه القضايا العالقة سياسيًا وعسكريًا، وسط اتهامات متبادلة بين تلك الدول، وامتد الخلاف حول تحديد ما هو العدو الذى يواجه الحلف، هل هو روسيا أم الصين أم إيران أم «الإرهاب الدولي»؟

Embed from Getty Images

خلال القمة الأخيرة التي عقدها حلف الناتو في ديسمبر (كانون الأول) العام الماضي، ناقش التحالف الدولي أزمة الأحادية الأمريكية والتركية في التصرف بعيدا عن الرجوع للحلف تحديدًا فيما يخص سوريا والتعامل مع الأكراد، إضافة إلى الجدل حول حصص التمويل، وبحسب ما ذكره موقع «بي بي سي» في الذكرى السبعين لتأسيس الحلف، فالمشكلة تكمن في أن حجم تركيا وموقعها الجغرافي يجعل من أنقرة شريكا مهما في الناتو، على الرغم من إزعاجها، وذلك في وقت يتساءل فيه بعض المحللين عن استمرار أنقرة داخل الحلف من عدمه.

وتُتهم تركيا بتعميق الخلافات الموجودة داخل الناتو عبر طموحها المتسارع للتوسع إقليميا ودوليًا داخل مناطق نفوذ تقليدية ترجع إلى حلفائها في حلف الناتو، لذا لم يكن غريبًا أن التنافس التركي الفرنسي في سوريا وأفريقيا ألقى بظلاله على الاتهامات المتبادلة بين الدولتين.

تركيا أيضًا عمقت الخلاف بين الدول الأعضاء أنفسهم، فأردوغان استغل علاقته مع الولايات المتحدة التي قررت الانسحاب فجأة من الشمال السوري لصالح الأتراك الذين شنوا عملية «نبع السلام» ضد الأكراد السوريين في أكتوبر (تشرين الأول) العام الماضي، وهو ما قوبل برفضٍ أوروبي واسع تحت دعوى خرقها لميثاق الحلف.

تركيا أيضًا التي هددت حلف الناتو وواشنطن معًا بغلق قاعدة إنجرليك الجوية، وتجاهلت كافة التحذيرات والتلويح بالعقوبات وأقدمت على شراء منظومة دفاع «إس 400» الروسية المتطورة، لتقرر الولايات المتحدة بعدها استبعاد أنقرة رسميًا من برنامج مقاتلات «أف 35».

وكانت تركيا قد طلبت شراء أكثر من 100 مقاتلة من هذا النوع، وأنفقت نحو مليار و400 مليون دولار في بناء أجسام تلك الطائرات، وهي الخسارة التي دفعت تركيا للإعلان عبر خارجيتها أنّ هذا الخطأ سيؤدي إلى ضرر لا يمكن إصلاحه بعلاقاتنا الإستراتيجية مع واشنطن.

وبحسب ورقة بحثية نشرها مركز «كارنيجي للشرق الأوسط»، فإن مشكلة تركيا الجوهرية مع الولايات المتحدة وحلف الناتو تتلخص في أنّ مقاتلات «إف-35» الخفية يُعتبر الحفاظ على سلامتها من وجهة نظر واشنطن مسألة جوهرية على اعتبار أنها ستكون المقاتلات المعيارية المستخدمة لعقود، لذا ففي حال وصلت روسيا إلى التوقيع الإلكتروني الخاص بها عبر رادارات «إس 400» هو ببساطة أمر محظور.

وسبق لتركيا أن قدمت ضمانات بأنها ستقوم بتشغيل المنظومة الروسية من دون مساعدة فنية من روسيا، في الوقت الذي أكدت فيه موسكو إرسال طاقم عمل روسي مع المنظومة.

لكن.. ماذا لو خرجت تركيا من الناتو؟

بالرغم من أنّ استبعاد تركيا مستحيلٌ من الناحية القانونية، إلا أنّ أبعاد الانسحاب التركي في حالة قررت تركيا المغادرة تبدو مربكة للجميع، فأردوغان نفسه الذي لا يريد الإضرار بعلاقات بلاده مع الولايات المتحدة ولا مع روسيا سيكون أمام الاختيار بين العقوبات الأمريكية التي ستستهدف اقتصاده أو التحالف الروسي الذي سيضمن له نفوذًا إقليميًا أوسع.

Embed from Getty Images

على الجانب الآخر، ففي حالة قررت الولايات المتحدة إخلاء قاعدة إنجرليك الجوية، ومعها الرؤوس النووية، فستكون تلك بمثابة فرصة سانحة لروسيا لنشر صواريخها ضمن شبكة الدفاع الجوي التركية، وهي نقطة التفوق العسكري الذي ستمنح روسيا تواجدًا في قلب أوروبا لن يمكن أحد من احتوائه، لتتحول تركيا بعدها من الدور القديم المتمثل في وقف المد الشيوعي إلى القارة، إلى الخاصرة التي تُهدد ظهر أوروبا.

وتجدر الإشارة إلى أنّ الولايات المتحدة تعد تركيا لتكون بديلًا محتملًا للتخلص من الهيمنة الروسية فيما يخص امدادات الطاقة في أوروبا التي تقتطع موسكو منها 40%، وتدعم الولايات المتحدة حاليًا مشروع «ممر الغاز الجنوبي» الذي يهدف لنقل غاز أذربيجان إلى أوروبا عبر تركيا، وهو ما يضمن للأوروبيين وجود مصدر بديل لتقليل الاعتماد على الغاز الروسي، بوصفه المورد الرئيس التقليدي للأوروبيين.

وفي ظل مساع تركيا لتحقيق طموح أردوغان القديم المتمثل في أن تصبح تركيا بورصة لموارد الطاقة من النفط والغاز والكهرباء؛ يزداد نفوذ أنقرة بصوة غير مباشرة داخل حلف الناتو في ظل صدامها الأخير مع اليونان، تزامنًا مع إعطاء الاتحاد الأوروبي تركيا مهلة للتوقف عن التنقيب عن الغاز بسواحل شمال قبرص، وتهديدها بفرض عقوبات إضافية عليها.

دولي

منذ شهر
«معهد كارنيجي»: هل يبدو الناتو عاجزًا أمام صراع اليونان وتركيا في شرق المتوسط؟

وبقى أن نذكر أنه في التصعيد العسكري الذي تقوم به البلدان، لا يوجد مادة داخل ميثاق حلف شمال الأطلسي توضح كيفية التعامل في حالة نشبت حرب بين بلدين داخل الحلف، بينما تُلزم المادة الخامسة في المعاهدة كافة الأعضاء برد أي هجوم على أي دولة من الدول الأعضاء الثلاثين. وتوضح أن «أي هجوم مسلح على أي دولة عضو أو أكثر من أعضاء الحلف في أوروبا أو أمريكا الشمالية، يُعد هجومًا على سائر الدول الأعضاء»، وحتى الآن لا يُعرف مصير صراع شرق المتوسط، ولا وضع تركيا داخل الناتو.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد