بالتأكيد الذكاء الاصطناعي والخوارزميات قادرة على القيام بعمليات مبهرة كقدرة الحواسيب على الفوز الكاسح لكل مسابقات الجيوباردي، أو حتى حساب ثابت أرخميدس – باي π- بدرجة مذهلة، وصولًا لقدرته على كتابة جميع كلمات أي لغة سريعًا وبدون التسبب في مُتَلاَزِمَةُ النَّفَقِ الرُّسُغِيّ (اعتلال بالعصب المتوسط في الرسغ نتيجة الاستخدام المفرط للحواسيب، أهم أعراضه ألم وتنميل في الأصابع).

 لكن بعيدًا عن عالم الرياضيات، كثيرًا ما يبدأ الذكاء الاصطناعي بالتخبط والتعثر، ولعل أبلغ مثال على ذلك مجال التواصل الإنساني، فهو يعتبر مجال أكثر دقة وحساسية. لذا تجد قدرة الإنسان الآلي على فهم الدعابة أو التهكم معاقة للغاية لدرجة تجعل منها نكتة في حد ذاتها.

 يقول الكاتب إنه مؤخرًا واجه مشكلة مع تطبيق سيري Siri – إنتاج شركة آبل- إذ تَعَثَر التطبيق في طلب أغنية، فما كان منه إلا أن عبر عن ضيقه فقال للبرنامج في تهكمٍ لاذعٍ: “سيري، أنت رائع!”.

فكان رد التطبيق “أخجلتني” كما لو أن كلامه كان من قَبيلِ المديح أو المجاملة. سيري لم يفهم التهكم في كلمات الكاتب.

مثل ذلك الجهل من جهة التطبيق هو أحد أمثلة أنظمة الدردشة الربوتية والتشغيل الصوتي التي تعمل كأحد المُلهِيَات، وفي نفس الوقت كمساعدة رقمية لا يمكن الاستغناء عنها، لكنها أيضًا ضعيفة جدًا فيما يتعلق بفهم الكوميديا أو الدعابة.

الذكاء الاصطناعي بين الخيال والواقع في فهمه الدعابة

 يتساءل الكاتب هل يمكننا التوقع بأن الذكاء الاصطناعي سيكون قادرًا على فهم التهكم أبدًا؟ إذا ما نظرنا للأمثلة من الخيال العلمي سنجدها محيرة .فعلى سبيل المثال في فيلم “Her”، تعتبر سمانثا – التي قامت بدورها سكارليت جوهانسن- ذكاءً اصطناعيًّا أكثر انفتاحًا وحيوية من رفيقها البشري. وفي فيلم ستار ورز، يستطيع “أرتو ديتو” التعبير عن الاستهزاء اللاذع حتى ولو عن طريق الصفارات فقط، وليس الكلمات.

بعيدًا عن الخيال العلمي، يعتقد نوا جودمان – أستاذ مساعد بجامعة ستانفورد ومتخصص في علم النفس والكمبيوتر واللغويات- أن البشر في حاجة أولًا لتحديد وترسيخ فهمهم للتهكم فيقول: “قبل أن تبرمج حاسبك لعمل شيء رائع، عليك أن تفهم بدايةً ما هو ذاك الشيء الرائع بالأساس”، فما نحن إلا في بدايات فهم حقيقة الفوارق الدقيقة بين أنواع التواصل المختلفة.

“قبل أن تبرمج حاسبك على عمل شيء رائع، عليك أن تفهم بدايةً ما هو ذاك الشيء الرائع بالأساس”.

وتتفق معه في ذلك إليزابيث كامب – أستاذ مساعد بجامعة روتجرز متخصصة بفلسفة اللغة والعقل- إذ تعتقد أن التهكم عملية معقدة جدًا وخادعة، تقول: “هناك العديد من الجوانب والمشكلات التي تحكم التهكم، فعلى سبيل المثال هناك الدينامية الاجتماعية وديناميكية السلطة، وكلاهما هو بالتحديد ما يصنف السخرية باعتبارها في صميمها أمر بشري”.

يفسر غودمان وكامب ذلك بأن السياق المحيط بالسخرية هو الذي يحقق الهدف الوظيفي منها. أما بالنسبة للآلات، يشكل افتقادها لهذا الاإطار العميق من التجارب السابقة والأحاسيس الضمنية المصاحبة لكل موقف وتجربة عائقًا. يعتقد غودمان أن نقل هذا المستوى من المعرفة بداخل إنسان آلي يتطلب ما هو أكثر من مجرد كتابة بضعة أسطر من التعليمات البرمجية اللاذعة، ولهذا السبب نفسه لا نصادف روباتات تقوم بالمغازلة أو تفهم تعابير المبالغة أو الإطناب.

ويضيف غودمان أن الأنظمة التي تجمع بين الذكاء الاصطناعي والكوميديا موجودة بالفعل لكنها بدائية، “فهي إما تتعرف على أو تنتج ردود أفعال محدودة جدًا اعتمادًا على نماذج مسبقة”. ولهذا قد يخبرك الإنسان الآلي نكتة مرة ما، ولكن في المرة التالية التي سيخبرك دعابة ستكون مجرد كلمات خالية من أي فكاهة. تمكنت بنيت تسور – باحثة وتقوم بدراسات ما بعد الدكتوراه في جامعة هارفارد وجامعات نورث إيسترن ومتخصصة بعمليات معالجة اللغات الطبيعية وعلوم الشبكات- من بناء خوارزمية قبل عدة سنوات تهدف للتعرف على التهكمات حيث تستطيع الكشف عن “السخرية” في استعراضات الكتب على موقع أمازون والتغريدات، ويستطيع التطبيق تعلم تحديد أنماط معينة في النصوص والسياق، لكن للأسف لا يمكنه إطلاق الدعابات.

تقول ميسي كامينغز – أستاذ مساعد بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا متخصص في دراسة تفاعل الإنسان مع الأنظمة المختلفة– أنه من المستبعد إمكانية صناعة روبوت “ساخر” بالتكنولوجيا المتاحة اليوم “فهي ما تزال حتى الآن تعاني من صعوبة في فهم بعض الأوامر المحددة والواضحة جدًا، ناهيك عن فهم الفوارق والاختلافات الدقيقة التي تعتمد عليها السخرية والتهكم في الأساس. فروبوت قادر على السخرية هو بمثابة “الكأس المقدس” الذي لا يمكن العثور عليه. بالإمكان تعليم الروبوت أي كلمة منطوقة في العالم، لكن “السخرية والتهكم” لا يعتمدان على الكلمة وإنما النبرة واللهجة وتعابير الوجه والإيماءات، فهي تتضمن العديد من الإشارات غير اللفظية.

وقد نوهت كامينغز – بتهكم- إنه ربما مهندسو البرمجة ليسوا الأنسب لتفكيك عناصر التهكم والدعابة بهدف تحويلها إلى رموز للبرمجة في إشارة منها لأنهم قد يفتقدوا لحس الدعابة من الأساس. لذا، ربما عليهم الاستعانة في ذلك بالكوميديين (فنانين وكُتَّاب …إلخ)، فكما تقول: “نحن بحاجة إلى التفكير أكثر في كيفية جعل هذة العملية أكثر تعاونية بين أنواعٍ مختلفةٍ من الباحثين”.

“نقل هذا المستوى من المعرفة بداخل إنسان آلي يتطلب أكثر من مجرد كتابة بضعة أسطر من التعليمات البرمجية اللاذعة”.

فما رأي الكوميدين؟

يقول الممثل الكوميدي جون لوتز – أحد كتاب برنامج Late Night with Seth Meyers ومسلسل 30 Rock أنه متقبل تمامًا، ومنفتح على فكرة التعاون بين المبرمجين والكوميديين الآنِف ذكرها. وعلى سبيل الدعابة والمبالغة يقول: “أعرف أن العالم يطالب بشدة بتصنيع روبوت- لوتز 4000، ومن أنا لأحرمهم من هذا”. إضافة إلى تهكمة قائلًا: “الذكاء الاصطناعي بالفعل يُعرَض على التليفزيون وفي وقت الذروة – وقت العرض من الساعة الثامنة مساءً إلى الحادية عشرة- إذ يقوم بيل أورايلي يقوم بأداء رائع”؛ بيل أورايلي هو مقدم أحد البرامج الساخرة المشهورة في أمريكا. فعلى سبيل المثال لو استطاع أي روبوت من قراءة التهكم والسخرية في السطورالقليلة السابقة، فعلى الأرجح سيتلوها حرفيًّا. بينما يعتقد الممثل الكوميدي كيث أُول – يمثل دور في مسلسل 30 Rock- أن الروبوتات لا تحتاج لتعلم السخرية أوالتهكم. فهي بالفعل غزت العالم كله ونجحت في القضاء على التفاعل البشري؛ فما الذي تحتاجه أكثر من ذلك. فعلى سبيل المثال يقول أُول إنه يومًا ما كان يقف في طابور ليحضر كوب قهوة، وإذا بالجميع يستخدم هاتفه. بمثل هذا المعدل المتدني من تواصل البشر مع بعضهم البعض، لم تعد الروبوتات بحاجة لتمييز السخرية في حديث البشر.

 يقول كامينغز طالما أن وجود روبوتات بهذة الحيوية وبدرجة من الوقاحة تمكنها من إبداء السخرية والتهكم يبدو أمر بعيد المنال، فعلى الأقل هل يستطيع العلماء التنبؤ بميعاد وجودهم مبدأيًّا. حاليًا، نحن أبعد ما يكون عن إمكانية خلق ذكاء اصطناعي لدية القدرة على إبداء السخرية والتهكم وفهم المفارقات، بل وفهم أي نوعٍ آخر من الفروقات الدقيقة بين أنواع التواصل. أما من الناحية الأكاديمية ربما يصبح ذلك مكننًا بعد حوالي 20 عامًا على الأقل.

بينما يبدو جودمان أقل تفاؤلًا، فهو ليس مرتاحًا لفكرة وضع تاريخ محدد، إلا أنه لا يعتقد أن ذلك النوع من الروبوتات سيأتي فجأة بدون سابق إنذار، فهو حتمًا سيأتي في أعقاب روبوتات أكثر تطورًا وذكاءً مما لدينا الآن.

إلا أن هناك علماء آخرين لا يريدون وجود روبوت ساخرة من الأساس، فعلى سبيل المثال تخيل وجود سيارة ذكية مراهقة عابثة ترفض أن يتم تشغيلها لأن البنزين فيها ليس من النوع الفاخر؟

يقول سباستيان ثرون – خبير الروبوتات وتأصيلها في جامعة ستانفورد وجوجل- “آخر شيء أتمنى وجوده في هذا العالم أن يكون الروبوت ساخرًا”؛ فهو يريدها أن تكون “واقعية عملية ويمكن الاعتماد عليها مثل غسالة الصحون “.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد