كلما هامست أمًّا من قريب أو بعيد فيما يتعلق بطعام أطفالها، كبارًا وصغارًا، ستجدها تحمل من الشكوى الكثير. فهذا لا يأكل إطلاقًا، وهذا لا يتوقف عن أكل كل ما تراه أمه يضر ولا ينفع، وهذا ينتقي طعامه كما لو يزنه بجرامات ذهب، وهذه تستخرج قطع اللحم والدجاج كمن يستخرج شعرًا من عجين، وهذه تأكل يومًا وتتوقف 10 كأنما تتغذى بالبناء الضوئي.

الاتهامات هنا جاهزة لتلقي دومًا على الأم، ابنتك دقيقة رفيعة كعود تنظيف أسنان، لماذا لا تطعمينها؟ ابنك يزن نصف وزن ابن خالتك لماذا لا تراجعين طبيبًا؟ أطفالك لا يأكلون شيئًا، لقد أطلت كثيرًا في إرضاعهم حتى غضبت أمعاؤهم. فما هي الأسباب الفعلية وراء عزوف الأطفال عن الطعام عمومًا والأطعمة الصحية خصوصًا؟

صحة

منذ 4 شهور
«الكولين».. المادة الضرورية لبناء عقولنا التي ننساها في طعامنا

هل يرفض طفلك الطعام الصحي في المطلق؟

إذا كان طفلك يرفض الطعام في المطلق فهناك عدة أسباب لذلك، تنقسم إلى:

1. أسباب مرضية.. سارعي إلى زيارة الطبيب

  • فقر الدم (الأنيميا) قد يسبب ضعف شهية الطفل، وبالتالي تفاقم الأنيميا، وبالتالي ضعف شهيته أكثر وأكثر.
  • بعض أمراض الغدد قد يكون أوضح أعراضها فقدان الشهية.
  • الكثير من الأمراض المعدية مثل البرد والأنفلونزا يصاحبها انخفاض ملحوظ في الشهية، وكذلك النزلات المعوية التي قد يصاحبها غثيان يتسبب في رفض الطفل للطعام.
  • لا ننسى أيضًا مشكلات الفم والأسنان، فقد يرفض الطفل الطعام لأنه يشعر بالألم عند مضغه أو بلعه، في حالات تسوس الأسنان، أو تقرحات الفم واللسان. وحتى مرحلة التسنين –وإن كانت ليست مرضًا- قد تسبب رفض الطفل للطعام.
  • أمراض البلع التي تجعل بلع الطعام مسألة شاقة أو مؤلمة أو حتى تتسبب في اختناقه بالطعام (أو الشرقة) بشكل متكرر.

كل هذه الحالات يجب فيها مراجعة طبيب مختص، وتقديم الأطعمة في قوام سهل البلع ونكهات غير لاذعة.

Embed from Getty Images

2. أسباب نفسية أو تربوية.. توقفي عن الضغط

  • الارتباط الشرطي بين الطعام والضغط النفسي

فكيف يُقبل الطفل على تناول الطعام إذا ارتبط لديه بعصبية الأم وضغطها الشديد عليه لينتهي من حصته المقررة من الطعام، أو ليأكل أصنافًا لا يتقبلها؟ كذلك إذا كانت أجواء التفاف الأسرة للوجبات هي مناسبة للتعليقات السلبية والمناوشات بين الإخوة أو حتى بين الوالدين، فستكون النتيجة الحتمية هي محاولة للتنصل من هذه الأوقات حتى ولو كان الطفل جائعًا، ويتساوى في هذا الأطفال الكبار والصغار.

  • استخدام أساليب تربوية خاطئة في عرض الطعام

صدق أو لا تصدق، الجوع حاجة بيولوجية فطرية، لكن التعامل مع الجوع مسألة تربوية بشكل كبير. كثير من الأمراض النفسية تظهر على شكل علاقة مضطربة مع الطعام، تتراوح ما بين الإفراط فيه، أو الاحجام عنه، أو الشعور بالذنب عند الأكل. لذلك فإن الترهيب، والرشوة، والتوسل، والمساومات، وحتى العقاب بالمنع أو المكافأة بالطعام كلها طرق مرفوضة تمامًا فيما يتعلق بتغذية الطفل.

  • عدم احترام الأم لوقت الطعام

دائمًا ما نطالب أطفالنا بالتركيز في نشاط تعليمي معين ونتذمر لو تشتت تركيزهم عنه، لكننا في الوقت نفسه كثيرًا ما نقاطعهم في أوقات لعبهم الحُر من أجل تناول وجبة مفاجئة، بل أحيانًا نستغل وقت الشاشات (التلفاز أو الهاتف) في تشتيت تركيز الطفل، ونبدأ في تسريب الطعام إلى فمه دون أن يشعر.

ما قد نراه احتيالًا بريئًا لتعويض ما نراه ضروريًّا لتغذية الطفل، هو في الحقيقة فخ لتخريب شهيته. صحيح أن أطفالنا يحتاجون وجبات صغيرة متعددة يوميًّا، لكن طريقة دس اللقيمات بشكل مستمر على مدار اليوم تعيق خلق روتين واضح للجوع والشبع. فإذا وجدت نفسك متشبثة بطبق الطعام تجوبين أرجاء المنزل خلف صغيرك طوال النهار، تأكدي أن شهيته في اليوم التالي لن تعرف الجوع في موعد الغذاء، وستعيدين الكرّة من جديد كل يوم.

  • الرفض لمجرد الرفض

أحيانًا يكون رفض الطفل لا يتعلق بالطعام في حد ذاته، وإنما فقط هو إحدى الساحات التي يحاول فيها فرض رأيه وممارسة حريته. قد تكون مرحلة عناد طبيعية وصحية لتطوره السلوكي، وقد تكون رد فعل لمحاولات الأهل فرض اختياراتهم عليه في كافة مناحي الحياة، فلا يجد شيئًا يعبر به عن رفضه سوى إطباق شفتيه أمام الملعقة الممتلئة بالأرز.
Embed from Getty Images

3. يقبل أصناف صحية ويرفض غيرها.. إذًا لا تجبريه

قد يرفض الطفل أطعمة بعينها من الأصناف الصحية أو لا يتقبل أنواعًا مختلفة من الأطعمة لأسباب، منها:

  • طريقة رضاعة الطفل ومدتها

الرضاعة الطبيعية لها أثر واضح في تقبل الطفل للأطعمة المختلفة، ووجدت الدراسات أنه كلما طالت مدة الرضاعة الطبيعة، زاد عدد الأكلات الصحية التي يتقبلها الطفل مع تقدمه في العمر، وانخفضت فرص إصابته بالسمنة وأمراض سوء التغذية. كما أن تنوع أكل الأم أثناء الرضاعة يغير من نكهات لبنها مما يجعل تقبل طفلها للأطعمة أكبر بكثير من أقرانه الذين لا تتنوع وجبات أمهاتهم أو الذين يرضعون ألبانًا صناعية ذات طعم ثابت.

  • أخطاء إدخال الطعام

مع إتمام الشهر السادس من عمر طفلك يبدأ إدخال الطعام الصلب مع مراعاة التدرج في القوام حتى تتمرن عضلات فك الطفل على تحريك الطعام ثم مضغه، فينتقل الطفل بسهولة وتدرج من مهروس الخضروات إلى مضغ اللحوم. لكن إذا استمر الطفل في تناول طعامه في قوام شديد السيولة فلن يحتاج إلى بذل مجهود بفمه قبل بلعه، الأمر الذي يجعل مضغ اللحوم بعد ذلك صعبًا للغاية، فيخرجها من فمه مهما حاولنا إخفائها وسط طعامه.

  • التحسس

أحيانًا يكون أول عرض من أعراض حساسية الطعام أو عدم تحمله، هو رفض الطفل له بسبب ما يصاحبه من آلام وتقلصات في معدته.

  • لأن الكبار لا يأكلون الأكل الصحي

نعم، بمنتهى البساطة. وجدت الدراسات أن بيئة المنزل لها أكبر أثر في تفضيلات الأطفال للطعام، لعوامل بيئية وكذلك وراثية. باختصار لن يمكنك إقناع طفلك بشرب كوب الحليب إذا كنت تخصص لنفسك كوبًا من المياه الغازية.

  • التفضيلات الشخصية

لماذا نُصرّ أن يأكل أبناؤنا السبانخ ونتجاهل حبهم للبسلة؟ لماذا نلح على الجوافة إذا كان طفلي يحب البرتقال؟ واحدة من نعم الله على البشر هي التنوع الهائل في الأطعمة، فلا يوجد صنف من الطعام لا يمكن الاستغناء عنه، ولا يوجد صنف بعينه لا بديل له في توفير احتياجات الطفل الغذائية، ولكل صنف عشرات من طرق الإعداد.

  • الملل من تكرار أصناف الطعام

مهما كان حب طفلك للأرز والملوخية، لا تتوقع منه تناولهم بنهم يوميًّا لفترات طويلة.

  • لا يمكنه التعبير عن تفضيلاته

جربي تسمية الأكلات لطفلك بطريقة صحيحة ومحببة للنفس، حتى تتكون لديه ذاكرة للمذاق وترتبط باسم الأكلة، وفي الوقت نفسه تزيدين من حصيلته اللغوية بطريقة عملية، لا أعني أن نستخدم طريقة (الكوكو) و(الإمبو)، ولكن بدلًا من لفظة (التورلي) التي قد تعرقل ألسنة الكبار، يمكن أن نستخدم كرات البسلة، قوارب الكوسة، عجلات البطاطس.

  • إفساد شهيتهم بالحلوى

الأمر الذي يعبث بحاسة التذوق لديهم ويزيد من إقبالهم على المواد عالية السكر مقابل الطعام الصحي.

  • لا يعرف ما هو الطعام الصحي ولا فائدته

ربما يتغير موقف طفلك من الدجاج المشوي لو عرف أنه المادة الخام لبناء عضلاته التي تساعده على ركوب الدراجة، وربما كان أقل تحفظًا تجاه الفواكه لو تعلّم أنها تقيه من نوبات البرد المزعجة، وربما زاد إقباله على الأرز لو عرف أنه يمنحه الطاقة اللازمة للسباحة.

4- معركة الكميات ومتلازمة «خلص طبقك» الشهيرة

تتفاوت شهية الأطفال فيما بينهم، فلا يجوز المقارنة بين طفلين حتى وإن كانوا إخوة، بل قد تتفاوت باختلاف مراحلهم العمرية، فهم مثلًا يحتاجون كميات أقل من الطعام مع عمر السنتين بسبب التباطؤ الطبيعي في سرعة نموهم. فربما علينا أن نفكر مرتين قبل القفز إلى الحكم بأن أطفالنا لا يأكلون كفايتهم، فقد تكون وجباتهم هي بالفعل الطعام الصحي المناسب لعمرهم واحتياجاتهم، وأن ما نطالبهم به هو كمية أكبر من قدرتهم، أو نوعية تختلف عن احتياجاتهم، أو توقيت لا يناسب شهيتهم.

Embed from Getty Images

الوصايا العشر كي لا يرفض طفلك الطعام الصحي

يقع أطفالنا دومًا طرف المتلقي، ويقع على عاتقنا مسئولية اختيار الطعام وطريقة تقديمه إليهم. لذلك وبناء على كل ما سبق يمكننا أن نَخلُص إلى بعض السبل كي نتجاوز هذه  «الأزمة»:

  1. الرضاعة الطبيعية هي خير بداية لتغذية طفلك، ولها عظيم الأثر في استمرار خياراته الصحية.
  2. اهتمي باكتشاف الروتين اليومي المتناسب مع فطرة طفلك وطبيعته، ولا تفرضي عليه روتينًا معينًا ترينه صوابًا مطلقًا.
  3. الروتين لا يسري على أصناف الطعام، بل التنويع فيها، وفي طريقة إعدادها هو القاعدة.
  4. لا تجبرِي طفلك على الطعام إذا رفضه، وابحثي في أسباب الرفض وتعاملي معها.
  5. تصالحي مع الفوضى، وعلّمي طفلك الحد منها ثم التعامل معها تدريجيًّا كلما تقدم في العمر والمهارة.
  6. لا تستعملي أسلوب الرشوة أو القسوة أو الابتزاز العاطفي أو التوسل، فالطعام حاجة بيولوجية لا تحتاج إلى إقناع.
  7. حذاري أن تستعملي الطعام وسيلة عقاب أو مكافأة لطفلك، خاصة الأطعمة غير الصحية.
  8. حاولي الحفاظ على أجواء المائدة المبهجة والتجمعات الأسرية الهادئة وقت الطعام، دون الانشغال بالشاشات وغيرها.
  9. كوني قدوة لطفلك في دون فرض اختيارات وسينعكس ذلك عليه بكل تأكيد.
  10. تابعي وزن طفلك وعلامات نومه مع طبيبه الخاص، فهي الفيصل الوحيد في نمو طفلك.

صحة

منذ 3 شهور
طفلي يتألم! 7 طرق لتخفيف آلام طفلك قبل اللجوء للطبيب

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد