كانت أول زيارة خارجية قام بها عبد الفتاح السيسي بعد وصوله إلى الحكم نحو الجزائر، ما عده الكثير من المراقبين تحولا جذريا في السياسة المصرية نحو البلدان المغاربية، إذ لطالما كانت مصر لعقود طويلة منغمسة في قضايا الشرق الأوسط، دون محاولة الانفتاح على بلدان القارة الإفريقية عموما، رغم ارتباط مصالحها الأمنية والسياسية والاقتصادية بدول إفريقيا.

في هذا التقرير، نتعرف على ملامح العلاقات المصرية الجزائرية وسياقها، كما نرصد قضايا الخلاف التي تصيب هذه العلاقة بالتعثر.

 ما تاريخ العلاقة بين الجزائر ومصر؟

عرفت العلاقة المصرية الجزائرية مرتفعات ومنخفضات طوال نصف القرن الماضي، ففي عهد جمال عبد الناصر، الذي كان يقود الحركات التحررية من أجل الاستقلال في المنطقة العربية، كانت علاقة مصر مع الجزائر في أوج ازدهارها، حيث ساعدت الأخيرة آنذاك تحت رئاسة هواري بومدين مصر بشكل قوي بالجنود والعتاد في حرب أكتوبر 1973 مع إسرائيل .

” كان دور الجزائر في حرب أكتوبر أساسيا وقد عاش بومدين – ومعه كل الشعب الجزائري – تلك الحرب بكل جوارحه بل وكأنه يخوضها فعلا في الميدان إلى جانب الجندي المصري”، يقول الفريق سعد الدين الشاذلي رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية سابقا في “مذكرات حرب”.

لكن منذ وصول السادات إلى الحكم في مصر، خصوصا بعد زيارته للقدس في نوفمبر عام 1977، بدأت العلاقات المصرية الجزائرية تعرف تراجعا متسارعا، وزادت سوءا في عهد مبارك، حتى أن الجزائر، قبل 25 يناير بسنة واحدة، أقدمت على قطع تصدير الغاز الطبيعي لمصر نتيجة تأخر الأخيرة في دفع مستحقاتها المالية وكذلك ما اعتبرتها، حسب الصحف الجزائرية، إساءة لشعب الجزائر بإعادة تصدير مصر للغاز الجزائري إلى إسرائيل.

لكن بعد 30 يونيو اختارت مصر من جديد تحت قيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي تقوية علاقتها مع الجزائر رغم بعض الخلافات بينهما، وقد ظهر جليا هذا التقارب في زيارة وفد رسمي مصري للجزائر نهاية السنة الجارية، كما أن الجزائر أعادت استئناف إمداد مصر بالغاز بعد انقطاع دام خمس سنوات، حيث يفترض فعليا شروع تصدير شحنات الغاز بدءًا من هذا الشهر، مثلما يفيد عقد الاتفاق الموقع بينهما في نهاية السنة الماضية.


ويأتي تحول وجهة مصر نحو توطيد علاقتها مع الجزائر، في سياق الاضطراب السياسي والاقتصادي الذي تعيشه، ولا سيما أن القيادة السياسية المصرية تريد استبدال الغاز القطري بالغاز الجزائري، بسبب دعم قطر الإعلامي والسياسي لجماعة الإخوان المسلمين، علاوة على أن الجزائر لاعب أساسي في الساحة السياسية بمنطقة شمال إفريقيا ارتباطا بالأزمة الليبية التي تعني كلا البلدين.

ما هي أبرز ملفات الخلاف بين البلدين؟

أضحت العلاقة بين مصر والجزائر في عهد السيسي أفضل مما كانت عليه في عهد مبارك، لكن هذا لا ينفي وجود مجموعة من القضايا العالقة بينهما، والتي يحاول البلدان معالجتها في صمت، إلا أنها تخرج أحيانا إلى السطح لحدتها.

عرفت العلاقة الجزائرية المصرية إحدى أسوأ منعرجاتها في سنة 2010، بسبب مباراة كروية جمعت منتخبيْ البلدين بالسودان في تصفيات الترشح لكأس العالم، تبادل فيها أنصار الفريقين الكثير من العنف وأعمال الشغب، لكن لم يقف هذا الأمر في حدود الجماهير الرياضية، بل تحول هذا النزاع الرياضي إلى حرب إعلامية بين البلدين، ثم تطور إلى أزمة دبلوماسية اقتصادية.

خلفت هذه الأزمة الكروية بين مصر والجزائر الكثير من الكراهية والنفور بين الأوساط الشعبية والإعلامية بالبلدين وصلت حد مطالبات شعبية ومدنية بقطع العلاقات السياسية والاقتصادية نهائيا، ولا زالت بعض تداعياتها السلبية حتى الآن تسري في نظرة كل منهما للآخر، حيث يتجدد الصراع الإعلامي والشعبي في كل لقاء رياضي يجمعهما.


وكان أول ما قام به عبد الفتاح السيسي بعد تربعه الحكم في مصر، هو زيارته للجزائر لمحو تبعات تلك الأزمة، وإعادة العلاقات الاقتصادية إلى نشاطها السابق، حيث أفرجت الجزائر عن استيراد 1200 مادة مصرية في سوقها الاستهلاكي، مثلما جاءت الزيارة لإحياء العلاقات السياسية التي تدهورت بشكل فظيع للغاية بعد المباراة المشؤومة تلك.

الخلاف الثاني الذي يجمع حاليا مصر والجزائر هو حول ملف الأزمة الليبية، حيث تتوق القيادة السياسية المصرية إلى محاربة الفصائل الإسلامية المتواجدة بليبيا، ما حذا بها إلى اقتراح قوة مشتركة للتدخل عسكريا في ليبيا، ولا سيما بعد ذبح عناصر متطرفة ليبية مواطنين مصريين يعملون هناك في ليبيا، غير أن الجزائر رفضت الاقتراح وأبدت تحفظها من محاولة مصر تصفية حساباتها الداخلية على حساب أمن المنطقة، وفضلت الحل السلمي من خلال الحوار بين مختلف الفرقاء الليبيين كطريق لمعالجة الأزمة الليبية، وهو الأمر الذي أيدته الأمم المتحدة وسارت على نهجه.

ولا تزال منذ أسابيع المفاوضات بين مكونات المشهد السياسي الليبي جارية بكل من المغرب والجزائر تحت رعاية المبعوث الأممي برناردينو ليون.


وتحاول القاهرة إقناع الجزائر بضرورة إقصاء بعض الفصائل الإسلامية المنضوية تحت تنظيم “ثوار ليبيا” في الحوار، غير أن الجزائر تشدد على ضرورة إشراك جميع الجماعات المسلحة المتواجدة في ليبيا باختلاف توجهاتها، ويبدو أن مصر قد انصاعت لأمر الواقع أخيرا في ظل تأييد الأمم المتحدة والبلدان المغاربية للحل السلمي بليبيا، بالإضافة إلى أن القاهرة ليست في وضع اقتصادي وسياسي يسمح لها بتحدي الجزائر وإفساد علاقة التوافق بينهما.

لماذا إذن استمرار التراشق الإعلامي في ظل تحسن العلاقة بين البلدين؟

صحيح رغم تحسن العلاقة الدبلوماسية بين الجزائر ومصر، إلا أن التراشق بين البلدين سواء على مستوى الإعلام أو المواقع الاجتماعية لا زال مستمرا، ما يثير فضول المراقبين لرصد أسباب العداء العميق بين المجتمعين الشقيقين.

بالإضافة إلى تركة العداء التي خلفتها الأزمة الرياضية خلال مواجهة كرة قدم بين منتخبي البلدين قبل سنوات، والتي ساهم إعلام كل من الجزائر ومصر في تأجيجها، وأيضا استياء الإعلام الجزائري من مواقف مصر تجاه القضية الفلسطينية بشكل عام، هناك سبب آخر يتمثل في رؤيتيْ إعلاميي البلدين المتناقضة نحو أحداث “30 يونيو”.

تعتبر معظم المؤسسات الإعلامية الجزائرية ولا سيما الخاصة منها، عملية 30 يونيو “انقلابا عسكريا كامل الأركان”، وقد شنت صحيفة الشروق الأكثر انتشارا في الجزائر، حملات إعلامية لاذعة ضد ما تسميه “الحكم الانقلابي العسكري”، ودافعت بشراسة عن “الرئيس الشرعي” محمد مرسي بعد وقبل إسقاطه.

بينما نجد الإعلام المصري في غالبيته يبارك عملية إسقاط الرئيس محمد مرسي، ويعتبر 30 يونيو “امتدادا” لثورة 25 يناير، كما يرى محاولة إعلام الجزائر الدفاع عن جماعة الإخوان المسلمين والنيل من الرئيس عبد الفتاح السيسي، تحديا لدولة مصر الجديدة، الأمر الذي يجعلهما ينخرطان في دوامة من الحملات الإعلامية العدائية المتبادلة.


لكن حتى نفهم سر تأييد الإعلام الجزائري الكبير لجماعة الإخوان المسلمين، لابد أن نعلم أن الأوساط الشعبية المغاربية عموما تملك صورة ذهنية إيجابية جدا عن الجماعة، حتى أنها تفوق التنظيمات الإسلامية نفسها المتواجدة بالبلدان المغاربية، يؤكد هذا الأمر المؤشر العربي لسنة 2014، حيث عبر جلّ المستجوبين من مواطني البلدان المغاربية باستثناء تونس، عن تفضيلهم بدرجة عالية جدا للحركات الإسلامية عن القوى العلمانية التي ترتبط في عقلية المغاربيين بالإلحاد والغرب، وهم في كل الأحوال يتصورون جماعة الإخوان المسلمين بأنها تمثل الإسلام في مصر الذي تحاربه القوى العلمانية في نظرهم، الأمر الذي يوقع العديد من الشخصيات الفنية والرياضية المصرية المؤيدة للسيسي في إحراج بالغ أمام الجمهور المغاربي، عند حضورها مهرجانات بالجزائر أو المغرب، كما لا نستغرب انخراط الشباب المغاربي بشكل مكثف في حملات الترويج لمواقف جماعة الإخوان المسلمين والدفاع عنها على المواقع الاجتماعية.

ما الذي يجب أن تعرفه مصر في سياق علاقاتها مع البلدان المغاربية؟

منطقة المغرب العربي هي ساحة معقدة جدا، تتطلب المعرفة بتضاريسها السياسية والأمنية والثقافية قبل خوض غمار الانخراط فيها.

في نهاية السنة الماضية زار وفد مصري الجزائر والتقى ممثلين عن جماعة البوليساريو، الجماعة التي تطالب باستقلال الصحراء جنوب المغرب وتحتضنها الجزائر، مباشرة بعد هذه الزيارة حدث تغيير جذري لموقف الإعلام المغربي الرسمي حول أحداث 30 يونيو، الذي وصف عبد الفتاح السيسي “بالانقلابي على حكم الشرعية الممثلة في الرئيس محمد مرسي”، وهو الأمر الذي فاجأ القيادة السياسية المصرية، ما حذا بها إلى تداركه عبر لقاءات دبلوماسية عاجلة، فالحساسية الشديدة للنزاع بين الجزائر والمغرب، تجعل الأخير ينظر لأي تقارب بين مصر والجزائر بشيء من القلق، ما يفرض على مصر التعامل مع كل من الجزائر والمغرب بأقصى درجات الحذر والتوازن.

تتميز المجتمعات المغاربية (نقصد في هذا الشأن فقط المغرب، الجزائر، تونس) بطبيعتها الثقافية المركبة والمزيجة، كما يقول العديد من الأنثروبولوجيين في أبحاثهم الميدانية، أبرزهم بول باسكون، إذ تجمع بين المتناقضات في آن واحد، فمن جهة أولى تبدو الحياة الواقعية على مستوى الممارسة في المجتمعات المغاربية أكثر انفتاحا وحداثة من المجتمعات المشرقية، وهذا يلمسه المشرقي عند زيارته لأحد مجتمعات المغرب العربي، لكن من جهة ثانية يتجذر الفكر الديني التقليدي بشدة في العقلية المغاربية وحتى الفكر المتطرف، فالبلدان المغاربية هي المورد الأول للجهاديين نحو داعش، حسب تقارير الاستخبارات الأمريكية، كما أن إحصاءات الاتحاد الأوروبي تظهر أن متطرفي أوروبا جلهم من ذوي أصول مغاربية بالأساس.

تستاء البلدان المغاربية سواء على المستوى السياسي أو على المستوى الشعبي من محاولة مصر الظهور كقائد وحيد للعالم العربي، يتجلى ذلك مثلا في رفض القيادات المغاربية توريث الجامعة العربية لمصر من خلال التعاقب المتتالي لشخصيات مصرية في رئاستها.

أخيرا يمكن القول إن مصر تخط اليوم عهدا جديدا في علاقاتها مع البلدان المغاربية، التي قاطعتها لمدة طويلة، لكن لا نعلم إن كان هذا الأمر سيتوقف بمجرد انتفاء الاعتبارات السياسية والاقتصادية، أم هي إستراتجية طويلة المدى لانفتاح مصر على شعوب شمال إفريقيا.

عرض التعليقات
تحميل المزيد