من سبتمبر (أيلول) 2020 وحتى أكتوبر (تشرين الأول) 2021 شهدت القارة الأفريقية أربع حالات من الانقلابات العسكرية، وذلك في كل من مالي التي سيطر الجيش فيها على السلطة في سبتمبر 2020، بالإضافة إلى تشاد التي استولى المجلس العسكري فيها على السلطة عقب مقتل الرئيس إدريس ديبي، في أبريل (نيسان) 2021، خلال اشتباكات مع المتمردين، وهو الذي حكم البلاد منذ سنة 1990، ووصفت المعارضة التشادية استيلاء المجلس العسكري بقيادة محمد إدريس ديبي، ابن الرئيس الراحل، بـ«الانقلاب العسكري».

ولم تكد مالي تتعافى من آثار انقلاب العام الماضي حتى شهدت البلاد انقلابًا ثانيًا، في مايو (أيار) 2021 على يد أسامي جويتا قائد الانقلاب السابق، بعد إزاحته الرئيس ورئيس الوزراء اللذيْن عينهما المجلس العسكري سابقًا.

تونس أيضًا شهدت ما سمَّته المعارضة «انقلابًا على الدستور» في الخامس والعشرين من يوليو (تموز) 2021 بعد أن جمَّد الرئيس قيس سعيد البرلمان وحل الحكومة وسيطر على السلطات الثلاثة: التنفيذية والتشريعية والقضائية.

أما غينيا فقد شهدت في الخامس من سبتمبر 2021، انقلابًا عسكريًّا بعد أن قاد العقيد مامادي دومبويا كتيبة من جنود النخبة لتنفيذ انقلاب عسكري على الرئيس ألفا كوندي واعتقاله، وإعلان السيطرة على البلاد.

الربيع العربي

منذ 4 أسابيع
ليس لدى الجنرال من يدعمه.. لماذا قد لا ينجح انقلاب البرهان؟

أما آخر الانقلابات العسكرية التي عرفتها القارة السمراء، فقد كان من نصيب السودان بقيادة رئيس مجلس السيادة الانتقالي، عبد الفتاح البرهان، في الخامس والعشرين من أكتوبر 2021، واعتقل على إثره رئيس الحكومة الانتقالية، عبد الله حمدوك، وعددًا من أعضاء حكومته، كما جرى قطع الإنترنت وإعلان حالة الطوارئ في البلاد.

«إعلان لومي».. خطوة إيجابية غير كافية لمنع الانقلابات العسكرية

وبالعودة سنوات قليلة إلى الوراء، سيبدو من الواضح وجود موجة متصاعدة من الانقلابات العسكرية في القارة السمراء، خصوصًا إذا أخذنا بعين النظر الانقلاب العسكري الذي حدث في زمبابوي ضد الرئيس موجابي سنة 2017، ثم التدخُّلات العسكرية لإطاحة الرؤساء في كل من الجزائر والسودان سنة 2019 في سياق انتفاضات شعبية.

عودة ظاهرة الانقلابات العسكرية إلى القارة الأفريقية، من خلال رقم قياسي بلغ خمسة انقلابات في مدة 13 شهرًا، تأتي معاكسة لتوقُّعات المحلِّلين حول تراجع هذه الظاهرة منذ عقد التسعينيات الذي شهد العديد من تجارب الانتقال الديمقراطي في أفريقيا، والتي كانت باعثة على التفاؤل حينها.

Embed from Getty Images

قائد الانقلاب العسكري في السودان عبد الفتاح البرهان

فقد كان عقد التسعينيات مثيرًا للاهتمام على مستوى التحوُّلات السياسية التي شهدتها القارة، فعلى الرغم من أنَّه عرف استمرارًا للصراع المسلَّح على السلطة، والحروب الأهلية وأحداث العنف الدموية، والمجازر التي شهدتها بلدان أفريقية عدة مثل رواندا والجزائر؛ فإنه شهد في مناطق أخرى موجة من التحولات الديمقراطية، مثلما هو الحال في كلٍّ من مالي والجابون والكونجو، بالإضافة إلى نيجيريا وزامبيا؛ الأمر الذي جعل الباحثين يستنتجون في تفاؤل ممزوج بالأمل أن الانقلابات العسكرية وصلت إلى فصلها الأخير في أفريقيا.

وبعد عقود طويلة من الانقلابات العسكرية، اجتمع القادة الأفارقة في العاصمة التودولية لومي في يوليو (تموز) 2000، وخرجوا بإعلان تاريخي رافض لاتخاذ الانقلابات العسكرية وسيلة للوصول إلى السلطة، كما تضمَّن الإعلان إجراءات عمليَّة لمعاقبة البلدان التي ينفذ فيها العسكريون انقلابًا.

وجاء في إعلان لومي لسنة 2000 ما يلي: «نحن رؤساء حكومات الاتحاد الأفريقي، نقرُّ بأن ظاهرة الانقلابات العسكرية قد تسبَّبت في خروقات فادحة لمبادئ منظمتنا القارية والأمم المتحدة. كما تخرق هذه الظاهرة الموقف الذي اتخذته منظمتنا في هراري (عاصمة زيمبابوي) سنة 1997 إثر الانقلاب العسكري في سييراليون، حين رفضنا دون شروط أي تغيير حكومي غير دستوري. نحن نؤكِّد أن الانقلابات العسكرية هي تطوُّرات محزنة وغير مقبولة في قارَّتنا، وتأتي في الوقت الذي تلتزم فيه شعوبنا باحترام سيادة القانون تحت إرادة الشعوب التي تعبِّر عنها بصناديق الانتخاب وليس بالرصاص».

ومن بين الإجراءات التي أقرَّها إعلان لومي لمنع ظاهرة الانقلابات العسكرية: الإدانة الفورية للانقلاب من طرف رئيس الاتحاد الأفريقي، والمطالبة بالعودة بسرعة إلى النظام الدستوري، وعقد اجتماع طارئ لأعضاء الاتحاد الأفريقي لمناقشة أي واقعة انقلاب في أفريقيا، وأخيرًا والأهم تجميد العضوية.

بلا عواقب.. لماذا لا ينقلب من أمن العقاب؟

لم يكن إعلان لومي نابعًا من دوافع مبدئية ملتزمة بالديمقراطية واحترام إرادة الشعوب بالضرورة، بل كان نابعًا في المقام الأول من تخوُّفات القادة الأفارقة من إزاحتهم عن السلطة عبر الانقلابات العسكرية، ومن ثم كان من مصلحتهم إقرار إجراءات تمنع الانقلابات العسكرية وتعاقب القائمين بها.

ورغم ذلك، فقد نُظر إلى إعلان لومي بوصفه تاريخيًّا ويمثِّل نقلة نوعية لتعامل القادة الأفارقة مع ظاهرة الانقلابات العسكرية، بعدما كان يُنظر إليها بوصفها سابقًا «شأنًا داخليًّا لا يجوز للدول الخارجية التدخُّل فيه»، واعتُبر أن من شأن الإعلان الضغط على البلدان الأفريقية لتحجيم هذه الظاهرة التي انطلقت منذ الخمسينيات إثر حصول العديد من الدول الأفريقية على استقلالها من الاستعمار؛ إذ شهدت أفريقيا 90 انقلابًا منذ عام 1950 وحتى عام 2020.

الانقلاب العسكري في غينيا بقيادة العقيد مامادي دومبويا– مصدر الصورة: «بي بي سي» 

وبالفعل، شهدت القارة انخفاضًا ملحوظًا في عدد الانقلابات العسكرية بعد إعلان لومي؛ إذ انخفضت من 15 انقلابًا في عقد التسعينيات إلى ثمانية انقلابات فقط ما بين سنة 2000 و2010، ثم خمسة فقط ما بين سنة 2011 و2020، لكن عودة الانقلابات العسكرية بهذه الوتيرة المتسارعة خلال الشهور الأخيرة في عدَّة بلدان أفريقية تؤكد أن الظاهرة ليست في طريقها إلى الاختفاء.

فأحد الدوافع المشجِّعة على حدوث الانقلابات العسكرية في أفريقيا، هو إمكانية الإفلات من محاسبة المجتمع الدولي؛ خصوصًا بالنظر إلى محدودية أثر «إعلان لومي» رغم كونه خطوة في الاتجاه الصحيح، ففي حالة مالي، جمَّد «الاتحاد الأفريقي» و«المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا» (إكواس) مقعد مالي بعد الانقلاب العسكري الذي قاده الجنرال أسيمي جويتا في سبتمبر 2020؛ إلا أن المنظمتين الدوليتيْن رفعتا هذا التجميد بعد أسابيع قليلة، إثر تعيين العسكريين لحكومة مدنية، لينقلب العسكريون على هذه الحكومة بعدها بشهور قليلة.

وهو ما يثبت عدم فعالية هذه العقوبات في إيقاف الانقلابات العسكرية، خصوصًا وأنها سرعان ما يجري رفعها مع تعيين حكومة مدنية جديدة غالبًا ما تكون تابعة للجهة الانقلابية؛ مما يجعل أثر العقوبات رمزيًّا أكثر منه مؤثِّرًا في الديناميكيات الداخلية للصراع على السلطة.

أيضًا هناك شعور بعدم المساواة في العقوبات التي يصدرها الاتحاد الأفريقي على جميع الدول التي تشهد انتقالًا غير دستوري للسلطة، مثلما حدث في تشاد التي شهدت مقتل رئيسها إدريس ديبي وخلافته من طرف ابنه محمد إدريس ديبي في أبريل 2021؛ ففي الوقت الذي تصف المعارضة في تشاد عملية انتقال السلطة التي حدثت من الأب إلى ابنه رئيس المجلس العسكري الحاكم بالانقلاب، فإن الاتحاد الأفريقي لم يجمِّد عضوية تشاد.

كما أعاد الاتحاد الأفريقي عضوية مصر المجمَّدة إثر الانقلاب الذي قاده وزير الدفاع آنذاك، عبد الفتاح السيسي، سنة 2013 ضد الرئيس المنتخب محمد مرسي، بعد نحو سنة من تجميدها، وذلك بعد انتخاب السيسي رئيسًا في سنة 2014.

وكان إطار «إيزلويني» من بين الإجراءات المتقدمة في مجابهة الانقلابات من طرف «الاتحاد الأفريقي»، الذي أقرَّه الاتحاد في سنة 2009؛ والذي نصَّ على حق المحكمة الأفريقية في محاكمة منفِّذي الانقلابات؛ الأمر الذي كان من شأنه أن يمثِّل خطوة أكثر صرامة تجاه ظاهرة الانقلابات العسكرية، لكن القرار بقي حبرًا على ورق دون تنفيذه.

هل أخلفت الديمقراطيات بوعودها في التنمية؟

يسلط بعض الخبراء في الشأن الأفريقي، ومن بينهم الباحث كويسي آنينج، من «معهد كوفي عنان لحفظ السلام» الضوء على أسباب الانقلابات وليس ما يترتب عليها؛ إذ إن الانقلابات العسكرية في النهاية هي نتائج لأسباب ومعطيات سياسية واقتصادية، وأهمها هو خرق الحكام للدستور وتشبُّثهم بالسلطة حتى بعد انتهاء العهدات الرئاسية؛ وهو ما يشجع العسكريين على خرق الدستور أيضًا وتنفيذ انقلابات عسكرية.

فوجود رؤساء يتشبثون بالسلطة على حساب الدستور يجعل الانقلابات العسكرية في أفريقيا ليست فقط بدون ردِّ فعل شعبي معارض لها مثلما حدث في انقلاب مالي سنة 2012، بل مدعومة شعبيًّا في بعض الأحيان، مثلما شهدت غينيا، حين خرج المتظاهرون ليحيُّون الانقلاب العسكري الذي أطاح الرئيس «المنتخب» حديثًا، ألفا كوندي، نظرًا إلى تدني شعبيته وخرقه المستمر للدستور.

Embed from Getty Images

تظاهرة معارضة لانقلاب قيس سعيد

ولم تف الديمقراطية في العديد من الدول الأفريقية التي كان يسوَّق لها بوصفها «قصص نجاح» بوعودها في التنمية والازدهار؛ إذ كان من المنتظر أن يحقق الانتقال من الديكتاتورية إلى الديمقراطية انتعاشًا اقتصاديًّا، والقضاء على الفقر والبطالة، وإيصال الخدمات الاجتماعية من التعليم والصحة والغذاء إلى أوسع قدر من الفئات الاجتماعية؛ إلا أن ذلك لم يحدث في مالي على سبيل المثال، التي شهدت ثلاثة انقلابات في العقد الأخير؛ الذي شهدت البلاد فيه نسبًا مرتفعة من البطالة والفقر.

يشير إيثان كابستاين، الباحث بجامعة «برينستون» وصاحب كتاب «مصير الديمقراطيات الناشئة»، إلى أن الديمقراطيات الناشئة كثيرًا ما تنتكس وتقع ضحية الانقلابات العسكرية عندما تفشل في تحقيق العدالة الاجتماعية، وكذلك عندما تبقى الثروة الوطنية في يد نخبة صغيرة في أعلى الهرم، بينما تعاني الفئات الشعبية الواسعة من انعدام الفرص الاقتصادية.

وحسب كابستاين، فإن عجز الديمقراطيات الناشئة عن حلِّ إشكالية الانقسامات العرقية داخل الدولة، وتحوُّل الأطر القبلية إلى مجموعات سياسية داخل الحكومة والبرلمان، يدفع الفئات القبلية التي أُقصيت من العملية الديمقراطية إلى أساليب غير دستورية للوصول إلى السلطة، ومن بينها دعم الانقلابات العسكرية.

أيضًا من بين التحدِّيات التي واجهت الديمقراطيات الناشئة في أفريقيا، هو عدم وجود آليَّات مؤسساتية لمراقبة وكبح جماح السلطة التنفيذية؛ وهو ما ينطبق على النموذج في غينيا وتونس، ففي غينيا قرَّر الرئيس ألفا كوندي، الذي وصل إلى السلطة بطريقة ديمقراطية وأمضى فترتين رئاسيَّتين، تعديل الدستور وجعل الترشح للرئاسة غير مقيد بفترتين؛ مما أدخل البلاد في أزمة سياسية مهَّدت الطريق لانقلاب عسكري نال تأييدًا شعبيًّا.

وفي مقابل الدور الذي يحاول الاتحاد الأفريقي لعبه من أجل محاصرة ظاهرة الوصول إلى السلطة عن طريق الانقلابات، لا يمكن إغفال دور الأطراف الخارجية في مساندة الانقلابات العسكرية في أفريقيا في الآونة الأخيرة، وتوفير الغطاء وبعض القبول الدولي لها، ويبدو ذلك ظاهرًا في الانقلاب الذي قاده رئيس مجلس السيادة السوداني، عبد الفتاح البرهان؛ إذ أشارت بعض التقارير إلى ضلوع كل من الإمارات ومصر وإسرائيل في دعم هذه الخطوة، بالإضافة إلى الموقف الروسي الذي عد ما حدث «انتقالًا للسلطة وليس انقلابًا عسكريًّا».

أما في تشاد، فقد تعرَّضت فرنسا لانتقادات لاذعة بسبب تأييدها لعملية انتقال السلطة من الرئيس المغتال، إدريس ديبي، إلى ابنه محمد، والتي وُصفت بالانقلاب من طرف المعارضة التشادية؛ وأعلنت فرنسا دعمها للمجلس العسكري الحاكم بحجة حفظ الاستقرار والحفاظ على أمن منطقة الساحل، رغم عدم وجود سند قانوني أو دستوري؛ وهو ما يؤكِّد وجود دور محوري تلعبه الأطراف الأجنبية في دعم الانقلابات العسكرية في القارة الأفريقية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد