تقع محافظة درعا في جنوب غرب سوريا وتسمّى بمهد الثورة السورية، إذ خرجت منها أول مظاهرات الثورة السورية المطالبة بإسقاط النظام السوري من الجامع العمري في مارس (آذار) 2011، وتمكنت فصائل المعارضة المختلفة من بسط سيطرتها على مساحات كبيرة من المحافظة حتى منتصف 2018 حين تمكن النظام السوري من استعادة السيطرة على المحافظة بفضل القوة العسكرية الروسية.

تخضع بالكامل جميع المناطق التي استعاد النظام السوري السيطرة عليها، إلا محافظة درعا، وذلك بسبب اتفاق التسوية الذي وقعته روسيا مع فصائل المعارضة، وتضمّن الاتفاق بنودًا التي لم تلتزم روسيا بالعديد منها، ولكنه سمح ببقاء بعض مناطق درعا خارج سلطة النظام المباشرة، فكيف ذلك؟ ولماذا درعا؟ ولماذا تمنع روسيا النظام من بسط سيطرته الكاملة على المحافظة؟ نناقش في التقرير التالي هذه الأسئلة مع إلقاء ضوء على كواليس اجتماعات مغلقة بين الأطراف المختلفة في درعا.

موجزُ الوضع السياسي في درعا

لفهم وضع درعا الحالي لا بد عن العودة لبدايات الثورة، إذ شهدت المحافظة خروج أول مظاهرة حاشدة في 18 مارس 2011، وسقط فيها أوائل القتلى برصاص قوات النظام السوري، واستمرت المحافظة بالتظاهر وانتقلت بعد ذلك من المظاهرات السلمية الى القتال المسلح مثل باقي المدن السورية بعد ردّ النظام بالعنف على التظاهرات، وتمكّنت فصائل المعارضة من السيطرة على أكثر من 70% من مدن وبلدات المحافظة، وأيضًا على كامل الشريط الحدودي مع الأردن وإسرائيل.

Embed from Getty Images

مظاهرات سلمية في بداية الثورة السورية بمحافظة درعا

ولربما شهدت درعا أوسع عملية تدخل فعلية من الدول المؤثرة في الشأن السوري، فمثلًا دعم الأردن فصائل المعارضة وسمح بتدفق السلاح والعتاد، وفتح معسكرات عدة لتدريب عناصر هذه الفصائل، واستقبلت المسشتفيات الأردنية جرحى المعارك من المقاتلين أو المدنيين الذي سقطوا بقصف النظام السوري.

وكان من الواضح حرص الأردن على إبقاء الوضع في درعا تحت السيطرة خاصة مع انتشار عناصر تابعين لتنظيم القاعدة و«تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)»، إذ سعت عمَّان لإضعاف قوة المنظمات الإرهابية بدعمها للفصائل التي تعتبر معتدلة.

وافتتحت إسرائيل أيضًا مشفى ميدانيًا بالقرب من الحدود مع سوريا في الجولان المحتل، واستقبلت جرحى سوريين لمعالجتهم فيه، كما كان هناك تواصل مع بعض قادة الفصائل في المنطقة مع إسرائيل لمنع عمليات التسلل وحفظ أمن الحدود، وكذلك تنظيم عمليات عبور الجرحى والمصابين الى إسرائيل لتلقي العلاج، وتحالف هؤلاء القادة لاحقًا مع النظام بعد تسوية علاقتهم به.

سعت القوى الدولية والإقلميية لتوحيد فصائل الجيش الحر، ولكن الفصائلية وغياب قيادة مُجمع عليها أفشلَ هذا المسعى، ما قوَّى الفصائل المتشددة وزاد هذا من تخوف الأردن خاصةً مع وجود أردنيين في قيادة الفصائل المتشددة.

وسبّب هذا التخوف تراجع الدعم الأردني لفصائل المعارضة، خاصةً في أواخر عام 2014، وهو ما بات واضحًا مع التضييق على دخول السوريين للعلاج أو طالبي اللجوء، ورفض إدخال العديد منهم، وبعد قتل تنظيم «داعش» الطيار الأردني معاذ الكساسبة حرقًا، أغلق الأردن الحدود مع سوريا بشكل شبه كامل، وبات واضحًا أن عمان غير راضية عن المشهد في درعا.

سعت فصائل المعارضة في كثير من الأحيان للسيطرة على بعض المناطق في درعا، إلا أن غرفة «الموك»، وهي غرفة دولية عسكرية تضم كلًا من أمريكا وفرنسا وبريطانيا والأردن والسعودية وقطر، وهدفها دعم المعارضة لإسقاط النظام السوري، حاولت منع بعض المعارك بتعطيل الدعم المالي والعسكري لفصائل المعارضة، واتضح الخلاف بين غرفة «موك» والفصائل عندما قررت الأخيرة شنّ هجوم على كامل مدينة درعا في معركة أطلق عليها اسم «عاصفة الجنوب» عام 2015، وكان من أسباب فشلها رفض غرفة العمليات المشتركة لها.

رفضت بعض الفصائل التبعية الكاملة لغرفة «الموك» وتحرّكت ضد الرغبة الإقليمية، فمثلًا في فبراير (شباط) 2017، قررت غرفة «عمليات البنيان المرصوص في مدينة درعا» السيطرة على حي المنشية في المدينة، وتضمّ هذه الغرفة عددًا من فصائل الجيش الحر وأيضًا فصائل إسلامية بينها هيئة تحرير الشام، ووجَّهت غرفة الموك بوقف هذه المعركة إلا أن الفصائل رفضت الأوامر، وفقًا لموقع «عنب بلدي» الإخباري السوري، وسيطرت الفصائل على الحي ولكن بعد ثلاثة أشهر من المعارك بسبب توقف الدعم العسكري للفصائل، وثانيًا التحصين الشديد للحي، إذ عملت قوات النظام السوري على حفر الخنادق وتعزيز السواتر الترابية.

عربي

منذ شهرين
من داخل الكواليس.. كيف تفرض روسيا انتخاب بشار الأسد على درعا؟

ولربما عمل فصائل المعارضة لوحدها بعيدًا عن التوجه الإقليمي والدولي أحد أسباب تعجيل سقوط المحافظة، ومما ساهم في رسم واقع جديد مغاير لما كانت عليه، ففي 11 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، اتفقت الأردن والولايات المتحدة وروسيا على وضع محافظتي درعا والقنيطرة ضمن ما عرف بـ«مناطق خفض التصعيد»، لتدخل المحافظة بعد ذلك في حالة من الهدوء استمرت قرابة السنة، دون تسجيل أي معارك فعلية بين فصائل المعارضة والنظام.

لم تسلم درعا من صعود تنظيم «داعش» السريع في سوريا والعراق. تمكن التنظيم من فرض سيطرته على مواقع واسعة من ريف درعا الغربي، لتبدأ بعد ذلك معارك واسعة ومستمرة بين المعارضة والتنظيم، اتّسمت بعدم جدية الفصائل في كثير من الأحيان في مسعى إنهاء تواجد داعش في هذه المنطقة، لأسباب منها استفادتهم من الدعم المالي المقدّم لهم من قبل غرفة الموك لمحاربة التنظيم.

استغلّ النظام السوري وحليفه الروسي ما سمّي بـ«مناطق خفض التصعيد» التي سعى النظام لتطبيقها على باقي المحافظات السورية، واستغلّها لفرض سيطرته الكاملة على ريف دمشق، وحماة، وحمص، ومناطق واسعة من إدلب، وساعدت مناطق خفض التصعيد النظامَ السوري على التفرّغ لمناطق المعارضة والانفراد بها واحدةً تلو الأخرى. وانتهى المطاف بدرعا وحيدةً، واعتقدت فصائلها المسلحة أن روسيا لن تشن هجوما على المحافظة في إطار اتفاقية خفض التصعيد، وهو ما لم يحدث، وسقطت درعا في يوليو (تموز) 2018 على يد الروس.

كان دخول روسيا إلى درعا مدروسًا، وقعت فيه فصائل المعارضة على إتفاق استسلام يحوي بنودًا أهمها منع دخول قوات النظام السوري إلى قرى وبلدات المحافظة، وإبقاء الفصائل مسيطرةً على مناطقها مع تسليمها الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، مع إعطاء ورقة تسوية لكل مقاتل حمل السلاح ضد النظام تعفيه من أي ملاحقة أمنية، ويُهجّر الرافضون لهذه الاتفاقية الى الشمال السوري، وبالأخص عناصر التنظيمات المتشددة، وتضمن الاتفاق عددًا من البنود الأخرى مثل التحاق العناصر المطلوبين للخدمة الإلزامية بجيش النظام، وإطلاق سراح جميع معتقلي المحافظة وعودة الخدمات العامة. حتى الآن لم تنفذ كامل بنود هذا الاتفاق، إذ لم يخرج المعتقلون من السجون واستمرت الاعتقالات بحق المطلوبين أمنيًا، كما أن الخدمات لم تصل إلى غالبية المناطق بعد، بينما التحق عدد من المطلوبين للخدمة في حين رفض الغالبية ذلك وبقوا في مناطقهم التي يمنع النظام من دخولها.

Embed from Getty Images

علم النظام السوري في محافظة درعا بعد السيطرة عليها

لماذا اختلفت درعا عن بقية المدن السورية؟

كان اتفاق درعا مختلفًا عن اتفاقيات التسوية التي وقعت في باقي المحافظات، إذ حظيت العديد من مناطق درعا بما يشبه الحكم الذاتي، ويراعي الاتفاق الحالي مخاوف أردنية وإسرائيلية من تموضع إيران على حدودهما ولمنع تواجد التنظيمات المتشددة في المنطقة، وأعطيت السيطرة للفصائل المعتدلة بينما هجّر عناصر التنظيمات المتشددة إلى إدلب.

Embed from Getty Images

الجامع العمري ومأذنته المدمرة في منطقة البلد بمدينة درعا

ويبدو أن روسيا تحاول إبقاء درعا على وضعها الحالي، لأن أي تغيير كبير قد يؤثر على الأردن التي يتواجد فيها أكثر من مليون لاجئ سوري، ويؤثر على إسرائيل التي تتخوف من تموضع إيراني كبير بالقرب من حدودها.

وضع درعا الحالي حوّلها لساعة صراع قوي بين روسيا وإيران، إذ تحاول الأخيرة توسيع نفوذها وجذب عناصر سابقين من الجيش الحر للعمل معها وقد نجحت في ذلك بضمّ مئات العناصر الى الفيلق الرابع وأفرع الأمن المختلفة، الذي يعتبر يد إيران الطولى في سوريا، وفي المقابل أنشأت روسيا اللواء الثامن التابع للفيلق الخامس، بقيادة أحمد العودة، القيادي السابق في المعارضة السورية.

سيطرت روسيا على اللواء الثامن بشكل كامل، وأصبح يدها التي تستطيع من خلاله فرض نفوذها في المحافظة، واشتبك عناصر هذا اللواء مع عناصر النظام السوري، وخرجوا في مظاهرة طالبوا فيها بإسقاط النظام ما اضطر الراعي الروسي لإعادة ضبط دور هذا اللواء.

حلفاء الروس وخصوم النظام في درعا

تحدثنا في «ساسة بوست» مع أحد أعضاء اللجنة المركزية في مدينة درعا، والذي وافق على التحدث دون الكشف عن اسمه، ومجيبًا عن سؤال عن الاجتماعات مع الروسيين والنظام السوري قال:«في الحقيقة عند الجلوس مع الروس نشعر أنهم متفهمين لكل مطالبنا، ويضعون كل اللوم على النظام في الوضع الذي آلت إليه المحافظة، كما نشعر بأريحية أكثر بالحديث معهم بشكل صريح، إذ يظهرون سعة صدر كبيرة وتقبل لكل الآراء، على عكس جلساتنا مع النظام والتي تتسم دائما بنوع من التوتر والحدية، خاصة أن ضباط النظام يتحدثون بتكبر و متعجرفين للغاية».

Embed from Getty Images

عربة روسية في محافظة درعا بعد السيطرة عليها أثناء عملية التهجير للرافضين لإتفاق التسوية

تتفاوض اللجان المركزية في درعا مع النظام وروسيا على عدّة ملفات، منها الإفراج عن المعتقلين وحل المشاكل العالقة في المناطق التي ما تزال خارج سلطة النظام، كما تنسّق الشؤون الأمنية والعسكرية لتفادي عودة المعارك لدرعا.

ويذكر عضو اللجنة لـ«ساسة بوست» «أن هناك حرصًا واضحًا من قبل الروس لإبقاء الوضع على ما هو عليه، إذ منعت روسيا النظام السوري من شن عمليات عسكرية في المحافظة أكثر من مرة»، وعلى الرغم من أن قوات النظام السوري أرادت شنّ عمليات عسكرية ردًا على مقتل بعض عناصرها، وأوشكت على شنّ حملات عسكرية في منطقة البلد بمدينة درعا، وأيضًا بلدتي طفس والكرك الشرقي، وفي ريف درعا الغربي وغيرها، بسبب اختباء العديد من المتهمين بتنفيذ هذه العمليات في هذه المناطق، إلا أن النظام لم يقم بشن أي عملية عسكرية، فلماذا؟

يجيب عضو اللجنة لـ«ساسة بوست»: «اللجان المركزية أولًا حريصة كل الحرص على عدم عودة المعارك الى المحافظة مرة أخرى، وتقدم تنازلات في سبيل ذلك، وثانيًا يعتبر الروس وسيط بيننا وبين النظام، إذ يقومون بالعمل على تهدئة التوترات الحاصلة والحصول على تنازلات من الطرفين».

عربي

منذ 8 شهور
الفيلق الخامس.. هل تخلق روسيا حاكمًا جديدًا في سوريا بجوار الأسد؟

وكمثال على ذلك، في بلدة طفس في ريف درعا، في يناير (كانون الثاني) 2021، حشد النظام السوري قوات في محيط البلدة لاقتحامها عقب مقتل عدد من عناصر النظام وأسر أخرين إثر اشتباكات مع عناصر سابقين في الجيش الحر، ولكن النظام تراجع بعد مفاوضات استمرت 18 يومًا وبعد حشد قوات كبير وازاه حشد إعلامي من وسائل إعلام موالية للنظام السوري.

نصّ الاتفاق على وقف اقتحام البلدة، مع تسليم بعض الأسلحة للنظام والسماح له بإجراء عملية تفتيش شكلية بإشراف اللجنة المركزية والوسيط الروسي، وأخيرًا تضمن الاتفاق إفراغ مقار حكومية وتسليمها للنظام، إلا أن هذا البند لم ينفذ حتى الآن رغم إيقاف النظام لعمليته العسكرية.

روسيا والأردن في درعا.. ماذا يحدث؟

يبدو أن روسيا حازمةٌ في إبقاء الوضع على ما هو عليه في درعا، إذ كان واضحًا الامتعاض الروسي لتحرك المعارضين السوريين في الأردن، وخاصة أولئك الذين ينشطون في مواقع التواصل الاجتماعي وعلى وسائل الإعلام المختلفة، وظهر ضابط روسي في مقطع مصوّر في طفس، بعد توقيع اتفاق التهدئة الأخير فيها، وقال بشكل صريح أن سبب ما حدث فيها هي الأموال القادمة من الأردن.

مقطع مصوّر لضابط روسي يلقي كلمةً في مدينة طفس

وأكد موقع «نبأ» المتخصص في نقل أخبار درعا، نقلًا عن مصدر سوري معارض، أن السلطات الأردنية بدأت بالتضييق على النشطاء السوريين من أبناء المحافظة والمقيمين في المملكة، وتم استدعاء خمسة نشطاء إلى جهاز المخابرات، وطلبت منهم تجميد أي نشاط سياسي موجه ضد النظام السوري، وقال الموقع أن هذه الخطوة تأتي في إطار التنسيق بين الأردن والنظام السوري بوساطة روسية فاعلة بين الطرفين، إذ صرح الدكتور عبد الحكيم المصري، وزير المالية والاقتصاد في الحكومة السورية المؤقتة، أن المتغيّرات الجديدة بما يتعلق بالمعارضين السوريين في الأردن، هي تطبيق لاتفاق «روسي – أردني» بمنع أي نشاطات سياسية للمعارضين ووقف جميع أشكال الدعم أو التنسيق للفصائل والهيئات المعارضة بالداخل السوري.

Embed from Getty Images

عنصر من عناصر الجيش الأردني بالقرب من الحدود الأردنية السورية

يأتي التوجه الأردني مع اقتراب الانتخابات الرئاسية السورية مع موعدها المقرر لها، ويبدو أن روسيا تحاول شرعنة هذه الانتخابات بكل السبل خاصة في مهد الثورة السورية «درعا»، إذ أخَّر قرارات النظام بأخذ المطلوبين والمتخلّفين للخدمة العسكرية من أبناء محافظة درعا فقط دون غيرها من المحافظات الأخرى، حيث رآها ناشطون تدخل ضمن دفع الشباب خاصة للمشاركة في الانتخابات القادمة، بينما رآها أخرون محاولة من النظام وروسيا لإسقاط رمزية درعا وكونها مهد الثورة السورية بحشد تأييد أهلها لنظام الأسد، وليظهر نفسه أمام المجتمع الدولي بأنه يستمع للأجسام المعارضة ويحتويها.

عربي

منذ 6 شهور
اغتيالات وقطع للتيار الكهربي.. هل تشن إيران حرب وجود في درعا

ومهما يكن توجه روسيا في درعا، فإن الوضع على ما يبدو لن يتغير حتى تتغير مصالح الدول الفاعلة في الملف السوري خاصة الأردن وإسرائيل، ويبدو أن روسيا ستحاول إبقاء درعا على ما هي عليه، وتصارع الزمن لإضعاف التمدد الإيراني فيها، مع أنها على ما يبدو لا تقوم بما فيه الكفاية لذلك أو أنها لا تستطيع، وقد يصل بها الحال أن ترفع يدها عن هذه المحافظة وتصبح تحت سلطة الأسد وايران بشكل كامل، خاصة أن إيران تتمدد بشكل سريع فيها، خاصةً وأن القوات الإيرانية أو التابعة لإيران أكثر انضباطًا من الفيلق الخامس التابع لروسيا، ومنظّمون ومسلحون بشكل أفضل.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد