«ماكانش الخامسة.. يا أولاد فرنسا»، «لا تفرح يا ماكرون.. الجزائريون صامدون»، «لا فرنسا، لا الإمارات.. تسقط المؤامرات»؛ شعارات رفعها الحراك الشعبي في الجزائر منذ ساعاته الأولى، رفضًا لأي تدخل فرنسي في الحراك الذي لم يباغت النظام الحاكم في الجزائر فقط، ولكنه أربك أيضًا حسابات باريس التي استنفرت أجهزتها الرسمية لإنقاذ بقايا نفوذها ومصالحها الحيوية في مستعمرتها القديمة.

تدرك فرنسا جيدًا أهمية الجزائر بالنسبة لها على مستويات عدة، وانعكس ذلك في حجم خلايا الأزمة التي شُكلت في باريس داخل وزارة الخارجية ثم وزارة الدفاع والرئاسة بعد استقالة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، وهو ما يكشف قلق باريس من أن خروج الجزائر من دائرة النفوذ الفرنسي سيفتح الباب أمام باقي مستعمراتها السابقة بأفريقيا للسير وراء التجربة الجزائرية.

كذلك يتمثل أحد أكبر مخاوف باريس من نجاح الحراك الشعبي أنه سيُرغِمها على إعادة صياغة علاقتها بالجزائر على أسس جديدة تتحدد وفق خارطة القوى الجديدة التي تفرزها نتائج الحراك، وقد تحصد فرنسا جراء ذلك عواقب وخيمة على صعيد السياسة والاقتصاد والثقافة.

ولذلك ظهر التدخل الفرنسي في الشؤون الجزائرية سريعا بعد انطلاق الحراك، حتى وإن تم تغليفه بتصريحات دبلوماسية ناعمة، حينما دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى «فترة انتقالية لمدة معقولة»، كما سبق لوزير خارجيته جان إيف لودريان أن صرح بأن فرنسا تأمل «في أن يتم سريعًا إطلاق دينامية جديدة، من شأنها تلبية التطلعات العميقة للشعب الجزائري».  فيما صرح رئيس الوزراء إدوار فيليب لقناة «بي إف إم» الفرنسية في 6 مارس (آذار) الماضي بأن موقف فرنسا الرسمي يقوم على «لا تدخل، ولا عدم مبالاة».

«عرّابة الانقلابات في أفريقيا».. هل تقود فرنسا قريبًا انقلابًا في الجزائر؟

ديمقراطية الجزائر كابوس فرنسا

إن كانت الدبلوماسية الناعمة غلبت على تصريحات المسؤولين الرسميين، إلا أن حقيقة ما يجول في صدور الفرنسيين جاءت أكثر صراحة على لسان قادة المعارضة، مثل لوران فوكييه رئيس «حزب الجمهوريين» اليميني الذي حذر من «خطر وصول الإسلاميين إلى السلطة في الجزائر، وعدم ضرورة الاستهانة بالتهديدات التي يمكن أن تلحق بفرنسا من جراء ذلك»، محذرًا أيضًا من أن «يتحول الانتقال الديمقراطي المنتظر في الجزائر إلى انتقال إسلامي يصل عبره أعداء الديمقراطية إلى الحكم في الجزائر؛ لأن هذا السيناريو سيكون كارثيًّا على فرنسا»، حسب تعبيره.

 بينما كشفت وسائل إعلام فرنسية، نقلًا عن مقربين من ماكرون ظاهرة لافتة مفادها أن القضية التي كانت دائما تؤرقه وهو يدير شؤون فرنسا من قصر الإليزيه ليس تداعيات «حركة السترات الصفراء»، ولا انعكاسات «البريكسيت»، ولا إمكانية اندلاع حرب دولية ضد ايران، بل الكابوس الذي يشغل اهتمامه هو تطورات الأزمة الجزائرية، وخاصة بعد فشل إيصال بوتفليقة للعهدة الخامسة.

التسريبات التي وصلت الصحف الفرنسية أكدت أن ماكرون وفريقه الحكومي منشغلون جدًا بالملف الجزائري، ونقلت «لونوفيل أوبسرفاتور» عن مسؤول فرنسي كبير تأكيده أن اضطراب الأوضاع الأمنية بالجزائر ودخولها دوامة عدم استقرار بعد استقالة بوتفليقة هو «الكابوس الحقيقي الذي يقض مضجع ماكرون».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون

كما قالت الكاتبة إيزابيل لاسير في تقرير لها نشرته صحيفة «لوفيجارو» الفرنسية إنه ومنذ بداية الأزمة تبنّت فرنسا سياسة حذرة للغاية تجاه الملف الجزائري. وأن هذه السياسة تخفي وراءه قلقا إزاء الملف الجزائري الذي يعتبره قصر الإليزيه أولوية قصوى. ووفقًا لدبلوماسي فرنسي، تحرص السلطات على مراقبة الأوضاع المتوترة في الجزائر «كل ساعتين» خشية أن يتفاقم الوضع أكثر.

وبحسب الكاتبة تدرك الدبلوماسية الفرنسية جيدًا أن العديد من التحديات قد ترافق عملية الانتقال السياسي الذي بدأ باستقالة بوتفليقة، وتعتبر طريق العودة نحو الديمقراطية التي يحلم بها الجزائريون محفوفة بالمخاطر والأمور المجهولة، خاصة ما يتعلّق برد فعل الجيش تجاه الزعماء السياسيين الجدد والمتظاهرين الذين يطالبون بنهاية النظام بأكمله، وليس سقوط الرئيس فحسب.

الجزائر تصارع من أجل الحفاظ على الهوية

حتى وإن كان الهدف المشترك لملايين الجزائريين في احتجاجاتهم المستمرة منذ نحو ستة أشهر هو إسقاط منظومة الحكم الفاسد في بلادهم، إلا أن هذا الحراك الشعبي يخفي صراعًا على «الهوية»، مدفوعًا بآلام ماضٍ مثخن بالجراح، وحالمًا بصناعة مستقبل أكثر حرية واستقلالًا، وابتعادًا عن فرنسا التي يرى الجزائريون أنها السبب في ما وصلت إليه البلاد من أزمات متعددة الجوانب.

ظهر هذا واضحًا في المطلب الذي رفعه الحراك بالتخلي عن اللغة الفرنسية في التعليم الجامعي وإحلال اللغة الإنجليزية محلها، إثر تراجع ترتيب الجامعات الجزائرية على قوائم التصنيف العالمية بسبب اعتمادها على التدريس بالفرنسية .

واستجابة لهذا المطلب الشعبي أمرت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في الجزائر بإدراج اللغة الإنجليزية إلى جانب العربية في جميع الوثائق والمراسلات الرسمية بدلًا عن الفرنسية. ويهدف القرار إلى تعزيز الإنجليزية كلغة بحث في الجامعات الجزائرية وتوفير بيئة عالمية للبحث العلمي.

المصالح الفرنسية مهددة

 تهديد المصالح الفرنسية في الجزائر والذي بدأت معالمه تتشكل شيئًا فشيئًا، دفع باريس إلى التزام الحذر في المواقف والتصريحات المعلنة تجاه الاحتجاجات الشعبية، وتهدئة الجاليات الجزائرية بفرنسا، بهدف تحييد احتمالات تبني مواقف شعبية معادية لها، وهو ما يرتبط بالحسابات الداخلية المعقدة التي تواجهها فرنسا فيما يتعلق بسياستها نحو الجزائر، والتي تهدف إلى إنقاذ مصالحها هنا، وفي مقدمتها:

1- المصالح الاقتصادية

 تحتل فرنسا المرتبة الأولى في السوق الاقتصادية الجزائرية برقم أعمال يصل إلى أكثر من 5 مليار يورو سنويًّا، فيما تصدّر نحو 6 آلاف شركة فرنسية منتجاتها إلى الجزائر، وبلغت قيمة الصادرات الفرنسية إلى الجزائر ما يقدر بحوالي 2.3 مليار يورو في الشهور الستة الأولى من عام 2018، وفقًا لما أعلنته الخزانة العامة الفرنسية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018.

كما تتواجد 500 مؤسسة فرنسية على التراب الجزائري. تساهم في توفير 40 ألف فرصة عمل مباشر، و100 ألف فرصة أخرى غير مباشرة، بذلك تعد فرنسا الشريك الاقتصادي الأول للجزائر خارج قطاع المحروقات. في الوقت الذي تستورد فرنسا نحو 10٪ من حاجتها من الغاز الطبيعي من الجزائر.

وتملك فرنسا امتيازات عديدة في الجزائر في شتى المجالات الاقتصادية والتجارية، مثل ما تملكه شركات سيارات «بيجو» و«رينو» من امتيازات خاصة لا مثيل لها في السوق، فقد حافظت هذه الشركات على أرقام أعمالها العالية والممتازة ‏بفضل سيطرتها على السوق الجزائري.

ورغم ذلك لم تلتزم هذه الشركات بفتح مصانع في الجزائر لصناعة أو تركيب ‏سياراتها هناك، كما نصّت الاتفاقيات بين البلدين، بل بقيت تستنزف المليارات من العملة الصعبة التي تستحقها الجزائر.

ولم تجد فرنسا قوتها في الجزائر، إلا عبر مسؤولين جزائريين ولائهم الأكبر لفرنسا، وليس لبلادهم، لذلك تظل الجزائر مجرد سوق استهلاكية تبيع فيها فرنسا بضائعها دون أن يكون لذلك أي أثر إيجابي على البلاد.

لذلك تحرص فرنسا على أن تكون لها كلمة مسموعة في الشؤون السياسية والاقتصادية للجزائر، وتعتبر أن ما يحدث هناك من اضطراب على المستوى الأمني والاجتماعي، سيكون له الأثر المباشر في مصالح فرنسا الحيوية.

2- التعاون الأمني والعسكري

ما زالت الروح الاستعمارية تسيطر على العقل الفرنسي حين يتعامل مع الجزائر، إذ تنتشر القوات الفرنسية التي يُقدر عدد أفرادها بالآلاف في أفريقيا ضمن مهمات أمنية بحجة مواجهة تمدد التنظيمات الإرهابية في صحراء وساحل إفريقيا.

وتُعد الجزائر دولة متاخمة لمناطق تمركز القوات الفرنسية، وتحتاج فرنسا إلى التعاون الاستخباراتي مع الجزائر لحماية قواتها. وتعتبرها خط دفاع مهم ضد التنظيمات المسلحة النشطة بالصحراء الكبرى، وهي التي لها حدود مع كل من مالي والنيجر.

ومن شأن التعاون الأمني المهم بين فرنسا والجزائر ودول المنطقة أن يتأثر سلبًا بدخول هذا البلد في عهد جديد ينظر إلى فرنسا باعتبار أنها قوة احتلال سابقًا ارتكبت في الجزائر جرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم.

3- الخوف من أزمة لاجئين وموجة هجرة

الهاجس الذي يسيطر على عقول حكام فرنسا وأقرانهم في أوروبا هو ملف الهجرة واللاجئين، وربما كان هذا الملف هو المحدد الأكبر لتوجهات سياسات أوروبا تجاه دول حوض البحر المتوسط في الوقت الحالي.

وأكدت الصحف الفرنسية أن باريس تتخوف من هجرة مئات الآلاف من الشباب إلى البلاد هربًا من عدم الاستقرار. في ظل ما حدث مع بداية «العشرية السوداء» في تسعينات القرن الماضي، حين تدفق عليها آلاف المهاجرين من مختلف الفئات هربًا من المذابح التي كان يتعرض لها الجزائريون، وسط اضطرابات أمنية وصراعات مسلحة لا تنتهي بين الجيش والأجهزة الأمنية وبين المسلحين.

ويشكل المهاجرون الجزائريون الجالية الأولى في فرنسا، بينما يصل عدد مزدوجي الجنسية إلى أكثر من مليون شخص، وقد نظموا عدة وقفات احتجاجية تضامنًا مع الحراك الشعبي المطالب بإسقاط نظام بوتفليقة.

ورغم أن احتمالات تدهور الوضع الأمني في الجزائر مستبعدة في الوقت الحالي، نظرًا لما أظهرته الأطراف الجزائرية من وعي في التعاطي مع هذه المرحلة الحساسة، مثل تمسك المتظاهرين بسلمية الحراك، واستيعاب الجيش للمتظاهرين، إلا أن الساسة الفرنسيين يتساءلون؛ هل سيستمر هذا الاستقرار النسبي أم سيحدث مستجدات أخرى يكون لها انعكاساتها على تزايد أعداد المهاجرين الجزائريين إلى فرنسا؟ لا سيما وأن النسبة الأكبر من مواطني الجزائر من الشباب.

4- الجالية الجزائرية في فرنسا

نظرًا لأن الجالية الجزائرية تعد من أكبر الجاليات الأجنبية في فرنسا، فإن هناك حسابات خاصة في التعامل معها من قبل مسؤولي قصر الإليزية، خاصة بعدما انتشرت  تظاهرات الجزائريين في أكبر المدن الفرنسية كباريس ومرسيليا وتولوز معبرةً عن تماثل موقف الجزائريين بفرنسا مع نظرائهم في الجزائر.

وتتخوف السلطات الفرنسية من أن يؤدي تدهور الأوضاع في الجزائر إلى انتقال الغضب إلى هذه الجالية الضخمة التي يصعب السيطرة عليها، ولا سيما مع انتشار العديد من التفسيرات التي تؤكد ميل فرنسا إلى تأييد النظام القديم.

Embed from Getty Images

الجالية الجزائرية تتظاهر في باريس، دعمًا للحراك الشعبي في الجزائر

وبينما تتفاوت الأرقام في تحديد العدد الإجمالي للجالية الجزائرية في فرنسا، تحدثت بعض التقديرات عن وجود 4 مليون شخص من أصل جزائري هناك، فيما أشار تقرير صادر عن «المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء والدراسات الاقتصادية» في عام 2018 إلى أن إجمالي المهاجرين في فرنسا يبلغ 6.2 مليون نسمة. وبطبيعة الحال فإنه سيكون لأي اضطراب في البلد الواقع في شمال أفريقيا تداعيات في فرنسا.

مواقف القوى السياسية الفرنسية جاءت تؤكد هذه المخاوف لدى جميع الأوساط في فرنسا، فقد صرحت مارين لوبان الأمين العام لحزب «التجمع الوطني» الذي ينتمي إلى أقصى اليمين المتطرف بأن على الحكومة الفرنسية التوقف عن منح الجزائريين تأشيرات دخول استباقًا لتدهور الوضع في الجزائر، وللحد من تدفق أفواج المهاجرين.

عرابة الانقلابات العسكرية وعدوة الديمقراطية

يحلو لفرنسا دائمًا أن تتجمل برفع شعارات الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، ويصر المفتونون بها على أن يصفوا باريس على أنها عاصمة النور، بينما سياسات فرنسا في العالم العربي تكشف أنها تضرب بهذه القيم عرض الحائط، بدعمها للأنظمة العسكرية المستبدة، مثل: السيسي في مصر، وحفتر في ليبيا، ولا يختلف الحال كثيرًا مع الجزائر.

في محاضرة جمعته ببعض سكان ولاية أدرار حذر المحامي والناشط الحقوقي الجزائري مصطفى بوشاشي، من وقوف بعض الدول الخارجية ضد نجاح مشروع التجربة الديمقراطية، وعلى رأسهم فرنسا والإمارات والسعودية، واعتبرهم «أول عدو لقيام نظام ديمقراطي في الجزائر بسبب استفادتهم من بقاء نظام ضعيف لا يملك أي قاعدة شعبية للمحافظة على مصالحهم».

وأضاف وشاشي أن «الغرب عمومًا وفرنسا خصوصًا عملت جاهدًا على إعطاء شرعية للنظام الجزائري القديم لأنها  تعلم جيدًا أن ميلاد نظام ديمقراطي يملك قاعدة شعبية، سيعطيه قوة تجعله لا يرضخ لابتزازاتها لنهب ثروات الوطن».

دور فرنسا في إجهاض الديمقراطية من خلال «العشرية السوداء»

تاريخ معاداة فرنسا لإقامة نظام ديمقراطي حقيقي، لا يقتصر على ما اقترفته بحق الجزائريين طوال فترة احتلالها الذي امتد 132 سنة، بل حرصت بعد انسحاب قواتها عام 1962، على أن يكون النظام الحاكم تابعًا لها ومحققًا لمصالحها.

وظهر هذا واضحًا في الانقلاب الذي قاده وزير الدفاع الجزائر خالد نزار في يناير (كانون الثاني) عام 1992 على الرئيس الشاذلي بن جديد الذي منح الأحزاب فرصة الوصول للحكم عبر تجربة ديمقراطية وليدة، لم يلبث «جنرالات فرنسا» أن قتلوها في مهدها وأشعلوا نيران «العشرية السوداء» لكي ينسى الجزائريون فكرة الديمقراطية وتداول السلطة.

من الملاحظات المهمة التى سجلها التاريخ أيضًا أن الرئيس الشاذلي بن جديد اتهم خالد نزار بكونه «جاسوسًا لفرنسا» بعد إجهاضه حلم الجزائريين في الحرية والديمقراطية، كما أن نزار وبقية قيادات الجيش والمخابرات الذين قادوا الانقلاب يوصفون فى الأوساط الشعبية الجزائرية بأنهم «جنرالات فرنسا». ذلك أنهم حاربوا إلى جوارها ضد الثوار الجزائريين في حرب الاستقلال. ثم انضموا إلى صف الثورة في اللحظات الأخيرة قبل خروج فرنسا من الجزائر. وظلوا منذ تلك الحقبة يسيطرون على مقاليد السلطة في البلاد ويخدمون مصالح المحتل بصورة غير مباشرة.

«حزب فرنسا» بالجزائر.. قلق وتحركات مريبة

أسباب كثيرة تجعل «فرنسا في ورطة كبيرة» كونها خائفة من فقدان السيطرة على الجزائر الذي سيؤدي بالضرورة إلى فقدان السيطرة على باقي الدول الأفريقية، والتأثير على مصالحها الإستراتيجية.

هذا الارتباك يدفع فرنسا إلى تحريك القوى الموالية لها داخل الجزائر للعمل على عدم الذهاب إلى الانتخابات؛ لأن تلك القوى لا تملك فرصة للفوز، وتريد أن تستلم الحكم مباشرة عبر تكرار سيناريو «العشرية السوداء» في التسعينات.

وليس خفيًّا نوعية العلاقات الجزائرية الفرنسية، بخاصة مع بوتفليقة والدائرة المقربة منه، والامتيازات الكبيرة التي منحها للشركات والبنوك الفرنسية خصوصًا بعد مرضه كعربون لقبول ترشُّحه، كما أنها سعت منذ استقلال الجزائر إلى إيجاد نخبة مؤدلجة تلتزم الولاء لها وتحظى بامتيازاتها الخاصة.

وبما أن مصالح فرنسا باتت مهددة بالانحسار، فإن تدخّلها وإن لم يخرج إلى العلن، فهو يأخذ أشكالات متعددة الأوجه والاتجاهات، عبر تحريك أذرعها المالية والحزبية لتنوب عنها في إدارة الصراع وتنفيذ مخططاتها.

وفي هذا السياق، حذر الأمين العام لحزب «جبهة التحرير» محمد جميعي، على أن «مخلفات فرنسا هي من تريد كسر الحراك، وهذه المخلفات تخاطب الجزائريين بلسان غير لسانهم»، مؤكدًا أن «هذه المخلفات كلما أتيحت لها الفرصة تتهجم على التيار الوطني الأصيل».

بذلك كان من أبرز إنجازات الحراك الشعبي إسقاط رؤوس الفساد في الجزائر، كما أنه كشف حقيقة فرنسا أمام الجزائرين، وزيف رفعها لشعار الديمقراطية والحرية، وأنها فقط تعمل على إقرار هذه المبادئ للإنسان الغربي، وليس لذاك العربي الذي أدرك أخيرًا أن عليه أن ينتزع حريته بيده، لا أن يستجديها من أعداء بلاده.

«فعلتها من قبل».. فهل تسعى الإمارات والسعودية إلى إفشال الحراك الشعبي بالجزائر؟

المصادر

تحميل المزيد