ستتجه أنظار العالم بعد أيام نحو واشنطن مع إعلان الفائز في نتيجة الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2020. ويطمح الحزب الديمقراطي للعودة إلى البيت الأبيض بفوز مرشحه جو بايدن، أما ترامب والجمهوريون معه فيريدون الحفاظ على موقعهم داخل البيت الأبيض، وأخذه لأربعة أعوام أخرى.

ومع استمرار معركة الرئاسة الأمريكية تعيش أمريكا معركة شديدة أخرى: انتخابات مجلس الشيوخ الأمريكي التي تحدث في نفس توقيت الانتخابات الرئاسية الحالية، والتي تشهد منافسة شرسة وجهدًا دءوبًا من الحزبين للظفر بأكبر تحكم بمجلس الشيوخ.

نظرة سريعة على مجلس الشيوخ

مع تأسيس مجلس الشيوخ، أو «المجلس الأعلى»، أوكلت له سلطة اتخاذ قرارات كبرى في السياسة الداخلية والخارجية للولايات المتحدة، ويتكون الكونجرس من مجلسين: النواب والشيوخ.

وفي مجلس الشيوخ 100 عضو منتخب، يمثلون 50 ولاية أمريكية، يخرج من كل واحدة منها مرشحان للمجلس، ويكون نائب رئيس الولايات المتحدة هو رئيس المجلس، ولا يحق له التصويت على أي قانون، أو قرار، إلا إذا تعادلت أصوات أعضاء مجلس الشيوخ المنتخبين.

تأتي أهمية مجلس الشيوخ من طبيعة السلطات التي يملكها، فلا تمر التشريعات الكبرى أو القرارات الهامة، إلا بتصويت أغلبية أعضاء المجلس، أي أكثر من 50% من الأعضاء، ومن أهم صلاحيات المجلس أن بيده الأمر النهائي لإصدار قرار بعزل رئيس الولايات المتحدة، ويوافق المجلس على تعيينات الرئيس لكبار المسؤولين بالحكومة الأمريكية، وفي السلك الدبلوماسي والقضائي، بما في ذلك قضاة المحكمة العليا.

ويصوّت المجلس على المشاركة في الحروب الخارجية أو المشاركة في العمليات العسكرية طويلة الأمد، وتمتد سلطاته لتشمل أي تغييرات في السياسات الحكومية الهامة، مثل سياسات الرعاية الصحية والتعليم التي تحتاج لموافقة من أغلبية المجلس لتعديلها أو استحداثها.

باختصار: ما أهمية مجلس الشيوخ؟

كما ذكرنا سابقًا لن يستطيع الرئيس أن ينفذ سياساته وأجندته، إلا إذا كان لحزبه أغلبية في مجلس الشيوخ، ولذا يتصارع الحزبان الجمهوري والديمقراطي للظفر بالبيت الأبيض، ومعه مجلس الشيوخ.

في ديسمبر (كانون الأول) 2019 أعلن مجلس النواب، الذي تسيطر عليه أغلبية ديمقراطية، الموافقة بالأغلبية على عزل الرئيس دونالد ترامب من منصبه بتهم «إساءة استخدام السلطة» و«عرقلة عمل الكونجرس»، بعد حادثة مكالمته مع الرئيس الأوكراني التي هدده فيها بوقف المعونات العسكرية الأمريكية لأوكرانيا في حال رفض الأخير المضي قدمًا في تحقيقات فساد لإحدى الشركات الأمريكية العاملة في أوكرانيا، وهدف ترامب من هذا الضغط استهداف منافسه الديمقراطي جو بايدن؛ إذ يعمل ابنه في مجلس إدارة هذه الشركة.

ولكن لحسن حظ ترامب، لا يملك مجلس النواب الكلمة الأخيرة في هذه المسألة؛ فبعد تصويت النواب تنتقل قضية العزل ليد مجلس الشيوخ الذي لا يستطيع تمرير قرار العزل إلا بموافقة من ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ (2/3)، وبما أن أغلبية المجلس جمهورية، ومع ترامب، رفض أغلبية الأعضاء اتهام الرئيس، ومن ثم رفض قرار العزل وتمت تبرئة ترامب.

Embed from Getty Images

ولكن لهذا المشهد سابقة قريبة في السياسة الأمريكية، تحديدًا عام 1998 عندما قرر مجلس النواب الأمريكي بسيطرة جمهورية عزل الرئيس الأمريكي الديمقراطي بيل كلينتون، بسبب عرقلته للتحقيقات في العلاقة الغرامية بينه وبين إحدى المتدربات في البيت الأبيض، وتمامًا كما حدث في قضية عزل ترامب، كان مجلس الشيوخ آنذاك في يد الديمقراطيين الذين أسقطوا مشروع عزل كلينتون.

لربما يمتد نفوذ مجلس الشيوخ الأمريكي ليطرق أبواب الشعوب في الشرق الأوسط، فغزو أفغانستان في عام 2001 وحرب العراق في 2003 جميعها بدأت بعد موافقة مجلس الشيوخ على طلب الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن. وبعد أقل من عقد أراد الرئيس باراك أوباما التدخل في الحرب ضد النظام السوري في 2013 لاستعماله السلاح الكيماوي، ولكن لم يستطع حشد التأييد الكافي في مجلس الشيوخ للموافقة على التدخل العسكري. 

أما بالنسبة للسياسات الحكومية الكبرى، مثل نظام التأمين الصحي الأول من نوعه في تاريخ الولايات المتحدة المعروف إعلاميًا باسم «أوباما كير – Obama Care» الذي يكفل تقديم رعاية صحية بكلفة مقبولة لشريحة واسعة من الأمريكيين، وهو أحد أهم الوعود الانتخابية لأوباما قبل فوزه بالرئاسة.

ولم يكن ليستطيع أوباما تنفيذ البرنامج إن لم يملك حزبه الديمقراطي أغلبية في مجلس الشيوخ الذي منحه الضوء الأخضر لتنفيذه، على الرغم من المعارضة الشرسة من الجمهوريين ضد المشروع. ثم جاء ترامب للبيت الأبيض وحاول مع الجمهوريين بمجلس الشيوخ أن يُلغوا البرنامج أو يستبدلوا به، دون أن تنجح مساعيهم حتى الآن.

دولي

منذ شهر
«البيت الأبيض لي».. ماذا سيحصل لو رفض ترامب تسليم السلطة؟

ولذا يسعى الديمقراطيون للسيطرة على مجلس الشيوخ بعد الانتخابات القادمة، ففي ذلك فرصة سانحة ليرسّخوا البرنامج، وليكون ركيزة أساسية من برامج الحكومة الأمريكية.

ومنذ ساعات قليلة، استفاد ترامب من الأغلبية الجمهورية بالمجلس؛ إذ صادقوا على ترشيحه للقاضية المحافظة إيمي باريت، لتصبح عضوًا دائمًا في المحكمة العليا الأمريكية، وذلك بعد وفاة القاضية روث بادر المعروفة بآرائها الليبرالية الأكثر قربًا من خط الديمقراطيين.

هذا الفوز اليوم لترامب والجمهوريين في تعيين باريت، قد يكون مثمرًا جدًا في حال وقوع خلاف على نتيجة الانتخابات الرئاسية كما حصل سابقًا في انتخابات عام 2000، وستصبح الأمور حينها في يد المحكمة الدستورية لتقرر النتيجة. وتتكون المحكمة الدستورية من تسعة أعضاء، خمسة منهم رشّحهم رؤساء جمهوريون، ويميلون للتيار المحافظ.

ما الذي يحصل الآن في الانتخابات؟

ذكرنا سابقًا أن مجلس الشيوخ يتكون من 100 عضو، ولكنهم لا ينتخبون مرةً واحدة، ففي الانتخابات المقبلة في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) ستكون المنافسة على 35 مقعدًا في 34 ولاية أمريكية فحسب.

وفي الوقت الحالي يسيطر الحزب الجمهوري على أغلبية مجلس الشيوخ، بحصة 53 مقعد، بينما يمثل الحزب الديمقراطي فقط 47 مقعدًا، ولذا فالمعركة أمام الديمقراطيين صعبة: عليهم الحفاظ على كافة مقاعدهم مع الفوز على الأقل بثلاثة مقاعد في حال فوز بايدن؛ ما سيمنحهم 50 مقعدًا بالإضافة لصوت نائبة بايدن، كاميلا هاريس، في حال تساوت أصواتهم مع الجمهوريين. وفي حال فوز ترامب سيحتاج الديمقراطيون 51 مقعدًا ليعرقلوا مشاريعه وقوانينه.

Embed from Getty Images

ومن المعروف في الانتخابات الأمريكية أن بعض الدوائر الانتخابية، أو بعض المدن والولايات، لها موقف قوي مع حزب من الحزبين، فتصوت دائمًا للمرشح الجمهوري أو الديمقراطي. وبعض الولايات المسماة بالولايات المتأرجحة، تنتخب مرشحين من الحزبين بين انتخابات وأخرى، وليست محسوبة على حزب دون الآخر. 

وتشير استطلاعات الرأي في الوقت الحالي إلى إمكانية حفاظ الديمقراطيين على 46 مقعدًا من أصل 47، وذلك مع وجود احتمال كبير لخسارتهم لولاية ألاباما.

ولكن الصراع محتدم في سبع ولايات أخرى على المقاعد، وتظهر استطلاعات الرأي تقدم مرشحي الديمقراطيين في خمس ولايات، وفي حال فوز الديمقراطيين فيها فقد يتمكنون من تحقيق الأغلبية في المجلس، ومن ثم عرقلة مساعي ترامب، أو مساعدة جو بايدن في فترته الرئاسية إن فاز في الانتخابات.

المصادر

تحميل المزيد