بعد مرور شهرين من إجراءات عزل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كان يوم 5 فبراير (شباط) 2020 يوم براءته الرسميّ. فقد صوتَّ مجلس الشيوخ بأغلبية على براءة الرئيس، من التهمتين اللتين وجههما إليه مجلس النواب، الذي لديه أغلبية ديمقراطية. ليبقى السؤال المنطقي إذًا: لماذا بدأ الديمقراطيون إجراءات العزل رغم إدراكهم بأن مجلس الشيوخ سيقوم بتبرئة ترامب؟

يحاول هذا التقرير استعراض الأسباب الرئيسية التي دفعت الديمقراطية نانسي بيلوسي، والمتحدثة باسم مجلس النواب، لتدشين إجراءات عزل الرئيس، وكيف يمكن أنّ تصبح هذه القضية طوق النجاة للديمقراطيين في السباق الانتخابي لعام 2020؟ وقبل أنّ نبدأ باستعراض هذه الأسباب، نُعرّج سريعًا على الإجراءات الدستورية اللازمة لعزل الرئيس الأمريكي.

فرصٌ سياسية جديدة.. بيلوسي تؤدي عملها على أكمل وجه

دستوريًّا؛ حتى تُدشّن هذه العملية، يجب على أحد أعضاء مجلس النواب المبادرة، وتقديم التحقيقات اللازمة إلى اللجنة القضائية للمجلس، لتصيغ اللجنة البنود التي بموجبها يجري التصويت على العزل. يصوت مجلس النواب على هذه البنود، وإذا ما صوتّ المجلس بأغلبية، يرسل المجلس هذه البنود إلى مجلس الشيوخ.

بعد ذلك، يصوت مجلس الشيوخ على إحضار شهود عيان للقضية، والتي في حالة ترامب صوت المجلس بأغلبية على أنّه لا حاجة لإحضار شهود عيان. ومن بعدها يصوت المجلس على بنود العزل، الذي يستوجب تصويت ثلثي المجلس لعزل الرئيس الأمريكي. وبحكم أنّ مجلس الشيوخ يحمل أغلبية جمهورية، في ظرفِ وحدة قوية للحزب الجمهوري، فمن الصعب جدًّا أنّ تتم عملية العزل.

بعد التصويت على عزل الرئيس دونالد ترامب في مجلس النواب – 18 ديسمبر (كانون الأول)  2019 

يذكر كبير الاستراتيجيين السابق في البيت الأبيض، وأحد أهم رموز اليمين الشعبوي عالميًّا، ستيف بانون؛ أنّ نانسي بيلوسي بدأت عملية العزل لخلقِ فرصٍ جديدة للديمقراطيين، سواءً في ملاحقة ترامب في ملفاتٍ مستقبلية، أو كي تتيح للمرشحين الديمقراطيين استغلال قضية العزل في السباق الانتخابي.

وعليه اقترح بانون، أنّ على الجمهوريين حرق الخطوات المستقبلية لبيلوسي، وإحضار جميع شهود العيان، بما فيهم مستشار الأمن القومي السابق للرئيس ترامب، جون بولتون، والذي طرده من عمله في 10 سبتمبر (أيلول) 2019، للاستماع إلى شهادته في مجلس الشيوخ. وكان بولتون قد صرح بداية شهر يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، بأنّه على استعداد لتقديم شهادته في مجلس الشيوخ إذا ما طُلب منه ذلك.

ونشرت صحيفة «نيويورك تايمز» مقالًا عن أنّ بولتون يذكر في كتابه القادم أنّ ترامب حاول الضغط على الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، أوائل شهر مايو (أيار) 2019، بحضور مستشار البيت الأبيض، بات سيبولن. الذي صرح – مدافعًا عن الرئيس – بأنّه لا حاجة لإدلاء شهادات في مجلس الشيوخ.

الناخب الأمريكي هو الهدف.. وبيلوسي تحاول توحيد الصف

بالنسبة لكثير من الديمقراطيين؛ فإنّ الناخب الأمريكي هو من سيُخرج ترامب من البيت الأبيض، من خلال صناديق الاقتراع. ففي مارس (آذار) الماضي، عارضت بيلوسي عملية عزل ترامب، والتي كان من الممكن أن تبدأها منذ قضية تقرير مولر، وحقيقة تدخل روسيا في الانتخابات الأمريكية لصالح ترامب؛ لكنّ من الواضح أنّ بيلوسي استشعرت أنّ قضية روسيا معقدة ومليئة بالتفاصيل، ومن الصعب تسويقها للناخب الأمريكي.

على عكس قضية أوكرانيا فهي بسيطة؛ الرئيس الأمريكي يقدم دعمًا عسكريًّا مقابل خدمة استقصائية عن منافسه الديمقراطي، واستغلال سلطته لأغراضٍ شخصية. وبهذه الخطوة أيضًا، أربكت بيلوسي الجمهوريين، وحولت قضية أوكرانيا، من قضية تُناقش خلف الأبواب المغلقة، إلى قضية شأنٍ عام، تمس المزاج الانتخابي بشكل كبير.

دولي

منذ شهرين
خصوم ترامب داخل بيته.. ماذا نعرف عن المرشحين الجمهوريين للرئاسة الأمريكية؟

وظاهريًّا يبدو أنّ محاولات بيلوسي في قضية العزل، كانت محاولات لتوحيد الصف الديمقراطي، الذي يشهد حالة انقسامٍ كبير، فقد بدأ السباق الانتخابي بوجود 29 مرشحًا ديمقراطيًّا، وبحلول فبراير (شباط) 2020، تقلص العدد إلى ثمانية مرشحين، بانسحاب أندرو يانج قبل عدة أيام.

وبحسب استطلاع رأي نشره موقع «جالوب» الأمريكي فإنّ 65% من الشعب الأمريكي يعتقد أنّ الحزب الديمقراطي منقسم انقسامًا كبيرًا، سواءً على مستوى السياسات أو الكتل الانتخابية. ورغم هذا التفكك الملحوظ؛ فإنّ عزل ترامب استطاع توحيدهم في الخطاب الانتخابي، ومن خلال المناظرات الرئاسية، والحملات الإعلامية.

«بعد تبرئة ترامب».. ما الذي يخطط له الديمقراطيون؟

انتهاء إجراءات العزل وتبرئة ترامب، لا يعني بحال أنّ التحقيقات توقفت. فقد صرحت بيلوسي بعد تبرئة ترامب، بأنّ التحقيقات مستمرة ولن تتوقف. كما صرح مستشار الأمن القومي للرئيس ترامب جيدي جوردون: «تبرئة ترامب لا تعني بالضرورة أنّ تحقيقات الكونجرس ستتوقف»، وأضاف: «ستستمر لجان مجلس النواب بالتحقيق بشأن قضية ترامب وروسيا، والبحث عن تفاصيل أكثر في قضية أوكرانيا، والتحقيق أيضًا في سجلّ ترامب الضريبي، وقروضه المصرفية، وتاريخه المالي، وأي شيء يمكن استغلاله إعلاميًّا لمحاولة عزله مرة أخرى».

وسيزور ثلاثة أعضاء من مجلس الشيوخ أوكرانيا الأسبوع القادم، أحدهم السيناتور الديمقراطي كريس مورفي الذي قال: «مهمتنا البسيطة هي إيصال رسالة إلى أوكرانيا بأنّها ليست ملعبًا لخوض المعارك السياسية الداخلية».

الجمهوري ميتش ماكونيل، زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ  

كما أنّ لقضية العزل أبعادًا أخرى قد تؤثر بشكل كبير في الانتخابات القادمة لـ«مجلس الشيوخ»؛ فهنالك سبعة إلى 11 سيناتور جمهوريًّا سيعاد انتخابهم في الولايات الأكثر تذبذبًا في الأصوات في نوفمبر (تشرين الثاني) القادم. وهؤلاء السيناتورات أسهموا في تبرئة ترامب، والذي سيضعهم في موقفٍ صعب، ومساءلات عدة قد تكون محرجة، سواءً في قضية العزل أو فيما يخص سلوك ترامب في البيت الأبيض.

أحد هؤلاء هو زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ، ميتش ماكونيل، وسيناتور عن ولاية كنتاكي. وقد وصلت نسبة قبوله في ولايته إلى 37%. وبالتالي من الممكن أنّ تكون إحدى الفوائد المنظورة للديمقراطيين؛ هي استعادة السيطرة على مجلس الشيوخ.

في نهاية الأمر.. ما الذي يهتم به الناخب الأمريكي؟

للإجابة عن هذا السؤال، ما الذي يعنيه العزل عند الناخب الأمريكي، وهل سيجني الديمقراطيون ثمارهم من صناديق الاقتراع، علينا الاطلاع إلى آخر مستجدات استطلاعات الرأي، والإحصائيات التي قد تشير إلى بعض الزوايا المهمة. فقد أشار أحد استطلاعات الرأي المحلية، إلى أنّ 50% من الشعب الأمريكي؛ يؤيدون عملية عزل الرئيس ترامب وإزالته من منصبه.

فيما تُعد نسبة قبول الرئيس ترامب الأقل، بالنسبة لنظرائه الرؤساء في هذا الوقت، مثل أوباما، وكلينتون، وجورج بوش، وجيمي كارتر. فعلى سبيل المثال؛ بعدما عُزل الرئيس بيل كلينتون من مجلس النواب عام 1999؛ ارتفعت نسبة قبوله بين الشعب الأمريكي بشكل مفاجئ، إذ وصلت إلى 73%. وبحسب موقع «جالوب» لاستطلاعات الرأي؛ فإنّ 49% فقط من الشعب الأمريكي يشعرون بالرضا من أداء ترامب في ملف الوظائف، مقابل 50% غير راضين، و1% لا يملكون رأيًا.

وفي سياق الانتخابات الرئاسية القادمة، فيبدو أنّ هزيمة ترامب أصبحت رغبة مسيطرة على الديمقراطيين، فقد نشر موقع «جالوب» إحصائيةً أخرى تشير إلى أنّ 56% من الناخبين الديمقراطيين، والمستقلين الذين يميلون إلى كفة الديمقراطيين، يريدون مرشحًا ديمقراطيًّا باستطاعته هزيمة ترامب، حتى وإنّ اختلفوا مع سياسات هذا المرشح وأفكاره. الشيء الذي يدلّ على حالة انقسام كبيرة يعيشها المجتمع الأمريكي.

وأخيرًا؛ فإنّه لا يبدو أنّ ترامب يحاول تهدئة الأمور بعد انتهاء عملية العزل، فعندما سُئل عن الدرس الذي تعلمه من قضية العزل كان جوابه الهجومي البسيط: «تعلمت أنّ الديمقراطيين ليسوا أسوياء، وأنّهم أشرار، وما كان عليهم البدء بهذه العملية». وعلى عكسِ من سبقوه من الرؤساء، فبعدما عُزل كلينتون خرج بخطابٍ يعتذر فيه للشعب الأمريكي عما بدر منه، كما أنّ ريتشارد نيكسون استقال من منصبه قبل عملية التصويت على عزله في مجلس النواب.

دولي

منذ شهرين
لا يمثل مصالح كل أغنياء أمريكا.. إليك أبرز 5 مليارديرات يعادون ترامب

المصادر

تحميل المزيد