أنا مقتنع أنه في العشر سنوات القادمة، لن يكون المدرّبون بالضرورة متخصصين في كرة القدم، المدرّب مستقبلًا سيكون لديه الكثير من العلماء حوله. التدريب سيكون مركّزًا على إدارة اللاعبين أكثر من التخصص في كرة القدم؛ لأن القرارات الرياضية سيصبح مصدرها التكنولوجيا. *آرسين فينجر

في مجال كرة القدم والرياضة عمومًا، هنالك نقاش حادّ حول استخدام الإحصاء والتحليلات البيانيّة في صناعة القرارات الرياضية، بين من يرى أنّنا لا ينبغي أن نعطي الإحصائيّات والأرقام أكثر من حجمها، وأنها لا تخبرنا بالقصّة الحقيقيّة للاعب أو النادي، باعتقاد أن دراسة كُرة القدم بالآلة الحاسبة يقتل روح اللعبة؛ في حين أنّ علماء البيانات ومدرّبي النوادي العالمية يختلفون تمامًا مع هذا الرأي، إذ إنّ الاعتماد على التكنولوجيا والأبحاث العلمية أصبح واقعًا في كرة القدم أكثر من أيّ وقت مضى.

في فبراير (شباط) الماضي أعلن نادي أرسنال الإنجليزي أنّه يبحث عن عالِم بيانات (Data Scientist) للانضمام إلى فريق العمل. قد يبدو للوهلة الأولى من الغريب أن يبحث نادٍ لكرة القدم عن عالِم بيانات، كون أنّ المجالين ظاهريًّا بعيدان بعضهما عن بعض، لكن الواقع أن الاعتماد على علماء البيانات في الرياضات بشكل عام أصبح في تزايد مستمرّ. بالإضافة إلى ذلك، فإنه ليس جديدًا على المدرّب السابق لأرسنال آرسين فينجر الذي رحل مؤخّرًا، هَوَسه الشديد باستغلال أحدث الأبحاث العلميّة، والوسائل التكنولوجيّة، ودمجهما في ميدان كرة القدم من أجل الوصول بأداء اللاعبين إلى أعلى مستوى ممكن.

آرسين فينجر.. أوّل من أدخل التكنولوجيا إلى «البريميرليج»

هنالك الكثير من الانتقادات التي يمكن توجيهها لمدرّب نادي أرسنال الإنجليزي السابق آرسين فينجر من ناحية النتائج، خصوصًا في سنواته الأخيرة مع النادي، لكن ما لا يمكن أن يجادل فيه أيّ متتبع للكرة الانجليزية هو الثورة العلمية التي أحدثها فينجر في الدوري؛ فالاعتماد على أحدث التقنيات العلميّة لم يكن أمرًا مستحدثًا بالنسبة إلى المدرّب الملقّب بـ«البروفيسور»، والذي يبدو كبروفيسور بالفعل؛ إذ إن مجيئه إلى الدوري الإنجليزي في تسعينات القرن الماضي أحدث ثورة في الدوري من خلال إدخال الحمية الغذائية المتوازنة للاعبين، وفي تقنيات الاسترجاع، وإدخال الأبحاث العلميّة في التمارين والتدريبات.

آرسين فينجر

طريقة فينجر الغريبة وقتها على الساحة الكروية الإنجليزية، والمستهجنة إلى حدّ كبير في استخدام الإحصائيّات والتكنولوجيا والاعتماد على مُخرجاتها في صناعة قراره، لم تنل الإعجاب في إنجلترا فقط، بل وصلت إلى العالميّة حين أثنى عليه أحد أساطير لعبة كُرة القاعدة (baseball)، والذي يشاركه في ولعه بإنفاق أقلّ ما يمكن من الموارد الماليّة في سوق التحويلات، بيلي بين، المدير التنفيذي لنادي أوكلاند أثليتيكس الأمريكيّ، والذي ألهمت أساليبه في إدارة النادي أحد أكثر الكتب مبيعًا «Moneyball» والذي تحوّل إلى فيلم هوليوودي شهير بالعنوان نفسه سنة 2011 من بطولة الممثّل الشهير براد بيت. وقد صرّح بيلي بين لاحقًا بأنّه يرى آرسين فينجر «قدوته».

كتاب «Moneyball» القائم على تجربة بيلي بين في فريق أوكلاند أثليتيكس، الذي أعاده إلى مقارعة الكبار في بطولة كرة القاعدة الأمريكيّة، يُعدّ نقطة اندلاع ثورة حقيقيّة في استخدام تحليل البيانات في عالم الرياضة بشكل عام، وسرعان ما انتقلت العدوى كالنار في الهشيم إلى العديد من الرياضات الأخرى، وكرة القدم لم تكن استثناءً.

وقد تطوّر هذا الاعتماد على التكنولوجيا في الرياضة وفي كرة القدم بشكل خاص، بعد التقدم الملحوظ الذي حقّقه علم البيانات (Data science) مما جعل نادي أرسنال وعدّة نوادي كبرى تلجأ إليه، وتفتح وحدات خاصّة في مراكزها من خلال استقدام علماء البيانات للعمل عندها.

وعلم البيانات هو تخصّص يدمج عدّة مجالات، كالإحصاء والبرمجة، من أجل دراسة البيانات واستخدامها للإجابة عن أسئلة معيّنة لحلّ مشكلة أو تجنّب مشاكل معيّنة. كمثال لاستخدام الشركات هذا المجال، فإنّ شركة «نتفليكس» المتخصّصة في توزيع الأفلام والمسلسلات تستخدم علم البيانات لاكتشاف الأنماط التي يتّبعها المشاهدون لبرامجها، ومن خلال ذلك تستطيع أن تقرّر ما المسلسل أو الفيلم القادم الذي ستعرضه في خدمتها.

شاهد: قسم تحليل البيانات داخل نادي مانشستر سيتي:

نظرة آرسين فينجر لاستخدام علم البيانات في الرياضة يمكن تلخيصها في مقولته: «إننا انتقلنا من مجتمع عموديّ إلى مجتمع أفقي»؛ وبالتالي فإن القائد (أو المدرّب) لم يعد المسؤول الأعلى الذي يُعطي تعليماته لمن هم دونه، بل هو – بحسب فينجر- يتوسّط مجموعة كبيرة من الخبراء في مجالاتهم، يغمرونه بتوصياتهم ونصائحهم، في حين تتلخّص مهمّته في التفريق بين المعلومات القيّمة التي ينبغي استغلالها، وبين الضجيج الذي ينبغي تجاهله.

الذكاء الاصطناعي.. مجال يجعل الشركات الكبرى تدفع لك راتب رونالدو!

لماذا استقدم نادٍ لكرة القدم مُبرمج لعبة «كاندي كراش»؟

في سنة 2011 تعاقد نادي أرسنال مع شركة «DNAstat»، المتخصّصة في تحليل البيانات الرياضية، بصفقة قيمتها ربع مليون دولار، مقابل ألاّ تعمل الشركة مع أيّ من منافسي أرسنال في الدوري الانجليزيّ. بعدها بسنة واحدة، ومع زيادة اهتمام جميع النوادي الكرويّة الكبيرة بعلم البيانات؛ اقترح غازيديس، المدير التنفيذي لأرسنال على المدرّب فينجر الاستحواذ على الشركة كلّها للاستفادة من هذه التكنولوجيا، التي تثبت فعاليّتها يومًا بعد يوم، ويزداد الاهتمام بدورها في مجال الرياضة، وبعد العديد من المناقشات، أقرت الصفقة التي بلغت 4 ملايين دولار أمريكي.

Embed from Getty Images

فريق تحليل البيانات في أحد مباريات الدوري الألماني

وتعمل الشركة على تحليل بيانات اللاعبين الشباب من خلال جمع الإحصائيّات المتعلّقة بطريقة لعبهم، وسرعتهم، والأخطاء التي يرتكبونها، ثم معالجتها من خلال الكمبيوتر، وإعطاء اقتراحات حول اللاعبين الذين يستحقّون التوقيع معهم. بالإضافة إلى اكتشاف المواهب، وتعمل الشركة على تجنّب الإصابات والتحذير من احتماليّة وقوعها، من خلال احتساب المدّة التي يغرس فيها كلّ لاعب قدمه في أرضيّة الملعب؛ وتعمل أيضًا على قياس فعاليّة توليفة لاعبين معيّنين ومدى فعاليّتهم عندما يلعبون سويًّا.

النادي اللندني أجرى الكثير من التطويرات في مرحلة ما بعد فينجر الذي غادر في مايو (أيار) الماضي، من بين هذه التطويرات، مواصلة المسيرة التي بدأها فينجر في الاعتماد على علم البيانات أكثر، إذ استقدمت ميخائيل زيلكين الخبير الروسي في علم البيانات، وأحد أعضاء فريق لعبة «كاندي كراش» الشهيرة. مهمّة زيلكين الرئيسية ستكون توظيف خبراته في علم البيانات من أجل تحليل إصابات اللاعبين، وبياناتهم الجسدية، بدلًا من اكتشاف المواهب الصاعدة، أو تحليل أداء اللاعبين، ذلك أن النادي كثيرًا ما عانى من إصابة لاعبيه الرئيسيين في السنوات الأخيرة؛ ممّا أثر سلبًا على نتائجه في الدوري.

الأمر لا يقتصر على نادي أرسنال، فالكثير من النوادي تتّجه أكثر فأكثر لاستغلال علم البيانات داخل ميادين الكرة. روري كامبل، محلل البيانات المتخرّج من جامعة أوكسفورد صارت خدماته مطلوبة في عدّة أندية إنجليزية أكثر من أيّ وقت مضى، من بينهم وست هام وليفربول الذي اعتمد على خبراته من أجل اتخاذ قرار استقدام محمد صلاح، وساديو ماني، وروبرتو فيرمينو، ونابي كيتا.

وفي نادي ساوثهامبتون، وبعيدًا عن العشب الأخضر، هنالك قاعة واسعة تضمّ مجموعة من الموظّفين الشباب الجالسين أمام 15 شاشة كمبيوتر، الأمر الذي قد يوحي لك بأنّك قد دخلت إلى شركة برمجيّات، لكن الحقيقة هي أنّ هذا الفريق من المحلّلين يعملون جميعًا على تحليل بيانات الفريق، ودراسة إحصائيّاته بعد كلّ مباراة من أجل تحسين أدائه في كلّ مرة.

ورغم الانتشار الواسع لهذا لعلم البيانات في المجال الرياضي، فإنّه ما يزال يلقى بعض المقاومة، بوصفه نظريًّا أكثر من اللازم، وأن المعلومات التي قد تكون صحيحة تمامًا من منطلق رياضي قد لا تحقّق؛ كما يرى كامبل أنّ ما يقدّمه ينبغي أن ينظر إليه عاملًا مُساعدًا على اتخاذ القرار، وليس عاملًا محدّدًا.

عاش طفولة دموية.. مسيرة مودريتش الملهمة للوصول إلى أحسن لاعب في كأس العالم

«التكنولوجيا الملبوسة» لقياس أداء اللاعبين

هل تساءلت يومًا عن سرّ البزّات السوداء التي يرتديها اللاعبون فوق ملابس التدريب؟ إنها في الحقيقة مخصّصة لتوضع بداخلها تكنولوجيا تقيس مختلف البيانات المتعلّقة بجسد اللاعب خلال تدريبات لتكون فيما بعد محل دراسة المحللين.

Embed from Getty Images

لاعبو نادي برشلونة يرتدون التكنولوجيا الملبوسة أثناء التدريب

من الاعتيادي أن تجد اللاعبين اليوم يضعون الكثير من أجهزة «التكنولوجيا الملبوسة» (wearbles) على أجسادهم، والتي غالبًا ما تتضمّن أجهزة تعقّب (GPS)، وأجهزة لقياس دقّات القلب وحرارة الجسم، كما أن كُرات التمرين بها الكثير من اللواقط التي تسجّل كل البيانات المهمّة، مثل: المسافة التي قطعها اللاعب، وعدد لمساته للكرة، وسرعته المتوسطة وغيرها، من أجل الحصول على المعلومات والإحصائيّات لدراستها.

وقد شهد نهائي كأس العالم لكرة القدم النسوية سنة 2015 لأوّل مرّة ارتداء اللاعبات أجهزة تعقّب من شأنها جمع المعلومات الضرورية عن أداء اللاعبين في الوقت الفوري، أجهزة شبيهة بجهاز أيفون الذي يحسب خطواتك، وسعراتك الحراريّة التي أحرقتها، لكنها أكثر تطوّرًا وملاءمة لكرة القدم، ويعتقد بأن هذه الأجهزة ستجد طريقها للدوريات العالمية الكبرى لا محالة في أقرب وقت.

تكمن أهميّة هذه الأجهزة في كونها وسيلة جديدة للحصول على بيانات اللاعبين، سواء من ناحية دقّتها أو سرعتها، ففي السابق كان يُعتمد على تحليل فيديوهات المباريات بعد انتهائها، ومراقبة أداء اللاعبين من خلال أدوات تكنولوجية تدرس أداء كل لاعب في فيديو المباراة، بما يتضمن: المسافة التي غطّاها داخل الملعب، وسرعته، وغيرها من المعلومات.

لكن باستخدام هذه الأجهزة الملبوسة أثناء المباراة؛ فإن المدربين سيحصلون على معلومات دقيقة حول ما يجري داخل الملعب في الوقت الفوريّ، وحالة كلّ لاعب واحتمالية تعرّضه للإصابة، وبالتالي سيستطيعون إجراء تبديلات للاعبين، أو تغيير الخطّة التكتيكيّة فورًا ممّا قد يغيّر نتائج المباريات، وبالتالي فإن مباريات كرة القدم مستقبلًا لن تُلعب فقط من خلال اللاعبين الموجودين داخل المستطيل الأخضر، بل ستُلعب أيضًا بين فريق العُلماء والمحلّلين على أجهزة حواسيبهم.

مدارس تعليم كرة القدم.. حلم «مو صلاح» يداعب أبناء الطبقة الوسطى في مصر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!