لا يمكن أن يقل الجدل المصاحب لقضية إعادة نشر الرسوم المسيئة لصحيفة «شارلي إيبدو» في الصحف العالمية عن الجدل الدائر حول حادثة استهداف الصحيفة ذاتها، فالصحف والمحطات العالمية تكاد تجري مراجعات علنية حول سياساتها التحريرية، فقد قسمت الرسوم الشبكات العالمية إلى فريقين لا يخلوان من تراشق واتهامات لبعضهما البعض، أحدهما يتبنى إعادة نشر الرسوم ويعتبر ذلك دربًا من الشجاعة في وجه ما يصفونه بـ«التطرف والإرهاب» ويتهم الطرف الآخر بالجبن وإيثار السلامة، والفريق الآخر يعارض إعادة نشر ها ويعتبر أن وظيفة الإعلام هي نشر ثقافة التسامح والاحترام، وعدم استفزاز مشاعر الناس عبر إهانة مقدساتهم، خاصة وأن الإرهابيين ليسوا وحدهم من سيتأذى من إهانة المعتقدات، وإنما ملايين من البشر المسالمين حول العالم.

هؤلاء قالوا «نعم» وهؤلاء قالوا «لا»

تأتي على رأس وسائل الإعلام التي أعادت نشر الرسوم مجموعة قنوات «فوكس FOX» المملوكة لقطب الإعلام اليهودي الأشهر روبرت ميردوخ، ومجموعة قنوات« CBS» وصحيفتا الجارديان وول ستريت الإنجليزيتان، وصحيفة ذا ديلي بيست، ووكالة الأنباء الفرنسية، وصحيفة ليبراسيون الفرنسية، وموقعا ياهو وبازفيد الأمريكيان، ومجموعة أستراليا للبث وصحف واشنطن بوست وأمريكا اليوم ولوس أنجلوس تايمز ونيويورك بوست الأمريكية، ومواقع بيزنيس إنسايدر وهافنجتون بوست وبلاز .

أما قائمة المواقع الممتنعة لأسباب ودوافع مختلفة فشملت «شبكةCNN  » و«شبكة NNC » و«شبكة  CBC » و«شبكةBBC  »وووكالة أسوشيتد برس، وصحف نيويورك تايمز  الأمريكية والتليجراف والديلي ميل البريطانيتين، وموقع ماشابل وغيرها.

المؤيدون اعتبروا الأمر مزيجًا بين الشجاعة والتحدي وتعزيز قيم حرية التعبير والوقوف في وجه ما يصفونه بـ«الإرهاب»، شنت هذه المجموعة هجومًا حادًا على الوكالات العالمية التي رفضت نشر الرسوم متهمة إياها بالجبن والرضوخ للتهديدات.

[c5ab_embed_twitter c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://twitter.com/erichippeau/status/552932817416781824″ ]
«إريك هيبو» المدير التنفيذي السابق لهافنجتون بوست

«كايل سميت» كاتب وروائي ساخر ويكتب لصحيفة نيويورك بوست

 المعارضون اختلفت مناظيرهم إلى القضية، نستعرض بعض هذه الرؤى في السطور القادمة.

CBC: إذا كان الإسلام يحرم تصوير النبي فيجب علينا أن نحترم هذا القرار

مؤخرًا أعلنت قناة CBC أنها لن تقوم ببث الرسوم المسيئة للنبي صلى الله عليه وسلم، بحجة أنها تسيء إلى أحد الطوائف الدينية، وقال «ديفيد ستودر» مدير المعايير والمواصفات في CBC أثناء الإعلان عن أسباب هذا الإجراء في مقابلة تليفزيونية: «نحن منظمة أخبار مسئولة، جزء من عملنا أن ندعم ثقافة التسامح والاحترام”، وأضاف قائلاً: “كل ديانة لها مقدسات ينبغي على الجميع احترامها. إذا كان الإسلام يحرم تصوير النبي فيجب علينا أن نحترم هذا القرار».

وأضاف «ستودر» في إطار شرحه للأسباب: «بالنسبة لنا فإن إعادة نشر هذه الصور هو عملية ترويج لشيء يسيء إلى معتنقي إحدى الديانات السائدة، ومعظمهم لا يؤيدون المسلحين الذين ارتكبوا واقعة شارلي إيبدو، ولهم الحق في أن يمارسوا حياتهم وفق معتقداتهم».

ووصف «ستودر» رسوم شالي إيبدو بأنها استفزازية، مؤكدًا أن كل من يريد أن يرى الرسوم يمكنه أن يراها عبر الإنترنت ولكن CBC لن تنشرها.

غلوب آند ميل: القرار ينبع من قيمنا الصحفية

تعتبر غلوب آند ميل إحدى أوسع الصحف الكندية انتشارًا، وقد انضمت بدورها إلى قائمة وسائل الإعلام التي قررت عدم إعادة نشر الرسوم المسيئة للنبي، حيث قالت الصحيفة في افتتاحيتها: «لقد اتخذنا نفس القرار في عام 2006، عندما هدد المتطرفون إحدى الصحف الدانماركية التي قامت بنشر رسوم تصف النبي محمد بالإرهاب، وقد قدمنا معتقداتنا وفقًا لقيم الصحيفة، محررو شارلي إيبدو لهم قيمهم الخاصة التي ماتوا من أجلها» ، وأضافت الافتتاحية قائلة : «ليس من الشجاعة أو الذكاء أن يكون الدليل الوحيد على التضامن مع ضحايا شارلي إيبدو أن نقوم بنشر موادهم الاستفزازية».

NBC و CNN: يسيء للمسلمين غير العنيفين

كانت شبكة تليفزيون NBC هي إحدى الشبكات التي رفضت إعادة نشر الرسوم، أوضحت الشبكة أنها لا تود أن تكون شريكة في الهجوم، وقال المتحدث باسم الشبكة في حوار تليفزيوني : «هناك حقًا رسوم مسيئة، وأنا لا أرى داعيًا للقيام بعرضها».

وفي حوار تليفزيوني مع ممثلين عن شبكتي NBC  و CNN عرج أحد المتحدثين قائلاً: «إذا كان هناك رسم كارتوني يسيء إلى مليار مسلم غير عنيفين تمامًا كما يسوءني أن أرى صليبًا في جرة من البول، فلماذا أقوم بنشره؟ إذا كان هناك أحد يريد أن يرى هذه الصورأقول له أنها موجودة عبر الإنترنت».

 «سي إن إن» قررت أن تصف الرسوم دون أن تقوم بإعادة نشرها، حيث قال «بريان ستلتر» المتحدث الإعلامي باسم الشبكة : «الرسوم المسيئة للنبي محمد تستفز المسلمين. تصوير النبي من المحرمات في الإسلام”، وأضاف قائلاً: “الأمر لا يسيء للجمهور فقط ولكنه أيضًا يعرض سلامة الموظفين والأطقم العاملة للخطر».

الموقع الذي تبنته CNN جعلها عرضة للهجوم من صحف أخرى على الطرف الآخر، أهمها صحيفة واشنطن بوست التي اتهمت الشبكة بالتناقض في مواقفها، ففي حين رفضت الشبكة نشر الرسوم المسيئة للنبي محمد، فإنها –ووفقًا لواشنطن بوست- توفر غطاء لعمليات الإرهابيين وتقوم بنشر مقاطع تحريضية من منشورات تصدر عن جهات إرهابية.

يولاندس بوستن.. نقترب من الشعور بالخوف

نعم، هي صحيفة يولاندس بوستن الشهيرة صاحبة الباع في نشر الرسوم المسيئة للنبي الكريم في عام 2006، وهي الرسوم التي كانت شارلي إيبدو قد أعادت نشر رسومها في هذا التوقيت. إن الصحيفة الدنماركية ترفض اليوم إعادة نشر الصور الأسبوعية الفرنسية، بسبب المخاطر الأمنية حسبما أشارت في افتتاحيتها مؤكدة في الوقت نفسه أنها لن ترضخ للعنف والترويع.

وأكدت الصحيفة في افتتاحيتها قائلة: « لقد عشنا مع الخوف من هجوم إرهابي لمدة تسع سنوات، ونعم، هذا هو التفسير لماذا نحن لا نؤيد إعادة طبع هذه الرسوم، سواء كان ذلك بمفردنا أو بمشاركة شارلي إيبدو، ونحن ندرك أيضا أننا بذلك نحن ننحني للعنف والترهيب».

وقررت صحيفة يولاندس بوستن تشديد مستوى الأمان في أعقاب هجوم باريس، وأضافت قائلة: «إن القلق على سلامة موظفينا هو الهدف الأسمى».

المصادر

تحميل المزيد