لن تتحدث السطور التالية عن استيلاء الروس على شبه جزيرة القرم التي كانت تسمى سابقًا “آق مسجد” أي “المسجد الأبيض”، ولن ترصد تاريخ وصول الإسلام إليها عن طريق التتار، ولن تسرد وقائع استقلالها لاحقًا وصعود قوتها لدرجة أن إمارة موسكو كانت تدفع لها جزية سنوية في القرن الـعاشر الهجري.. ربما في مقالٍ آخر، لكننا اليوم سنفسح المجال لـ مارك كرامر أن يستعرض- عبر مركز ويلسون- فترة تاريخية أقرب، قبل ستين عامًا فقط، لنستبين الأسباب الحقيقية التي تقف وراء تخلِّي روسيا عن القرم عام  1954، والضوء الذي يمكن لذلك أن يسلطه على ضمها مؤخرًا في 18 مارس 2014..

نقل القرم من روسيا السوفييتية إلى أوكرانيا السوفييتية عام 1954:

كانت شبه جزيرة القرم جزءًا من روسيا منذ عام 1783، عندما ضمتها الإمبراطورية القيصرية بعد قرن من هزيمة القوات العثمانية، وحتى عام 1954، عندما نقلت الحكومة السوفييتية شبه جزيرة القرم من جمهورية روسيا السوفييتية الاتحادية الاشتراكية (RSFSR) إلى جمهورية أوكرانيا السوفييتية الاشتراكية (UkrSSR)، هذا الانتقال أعلنت عنه الصحافة السوفييتية في أواخر فبراير 1954، بعد ثمانية أيام من اعتماد رئاسة مجلس السوفييت الأعلى قرارًا بهذا الشأن في 19 فبراير، نُشِر نصه مع مقتطفات من وقائع الجلسة إلى جانب إعلان موجز، فيما لم يُكشَف أي شيء آخر في ذلك الوقت، ولم تُتَح أي معلومات إضافية خلال الفترة المتبقية من الحقبة السوفييتية.

وبعد حلّ الاتحاد السوفيتي بدأت مواد إضافية حول هذه الحلقة في الظهور؛ حين عاودت المجلة التاريخية الأرشيفية – التي كانت تٌنشَر أيام الاتحاد السوفييتي منذ عام 1955 وحتى 1962 – الظهور في عام 1992، مع مدونات ووثائق من الأرشيف السوفييتي السابق رُفِعَت عنها السرية، لكنها للأسف لا تضيف شيئًا جوهريًّا إلى ما نُشِر في الصحافة السوفييتية قبل 38 عامًا، بل جاءت في الواقع متطابقة تمامًا مع ما نشر عام 1954. بيدَ أن هذه الملفات التي رُفَعَت عنها السرية تكشف شيئًا آخر وثيق الصلة أكثر بدوافع نقل القرم، وتتركنا أمام مبرريْن رسمييْن نُشِرا في ذلك العام:

(1) أن التنازل عن شبه جزيرة القرم كان “عملاً نبيلاً من جانب الشعب الروسي” لإحياء الذكرى السنوية الـ 300 لـ”توحيد أوكرانيا مع روسيا” (في إشارة إلى معاهدة بيرياسلاف عام 1654)، ويبرهن على الثقة اللامحدودة والحب اللذين يشعر بهما الشعب الروسي تجاه الشعب الأوكراني”،

(2) أن النقل كان نتيجة طبيعية “لاقتراب أراضي شبه جزيرة القرم من أوكرانيا، والقواسم الاقتصادية المشتركة بينهما، والعلاقات الزراعية والثقافية بين إقليم القرم وجمهورية أوكرانيا السوفييتية الاشتراكية”.

فحص المبررات

لكن كلا هذين المبررين المزعومين يفتقر إلى فحص دقيق، صحيحٌ أن العام 1954 وافق الذكرى الـ 300 لمعاهدة بيرياسلاف، إلا أنه لا توجد علاقة بين تلك المعاهدة وشبه جزيرة القرم. وبيرياسلاف تقع في وسط أوكرانيا على مقربة من كييف، وليست قريبة من القرم، التي لم تقع تحت السيطرة الروسية حتى 130 عامًا لاحقًا، فضلاً عن أن وصف المعاهدة بأنها “توحيد بين روسيا وأوكرانيا” ينطوي على مبالغة، صحيحٌ أن المعاهدة مثلت خطوة هامة في هذا الاتجاه، لكن التوحيد الكامل لم يحدث قبل مزيد من الكفاح والحرب لأعوام لاحقة.

كما أن تبرير النقل فقط بوجود ارتباطٍ ثقافيّ واقتصاديّ بين القرم وأوكرانيا مستبعد؛ ففي خمسينيات القرن الفائت كان سكان القرم (قرابة 1.1 مليونًا) يتوزعون بين 75% من الروس و25% من الأوكرانيين، وكانت نسبة لا بأس بها من التتار يعيشون في القرم لقرونٍ حتى مايو 1944، حينما رحلهم النظام الستاليني جماعيًّا إلى مواقع قاحلة في آسيا الوسطى؛ حيث اضطروا للعيش لأكثر من أربعة عقود، وكانوا ممنوعين من العودة إلى الوطن. كما رحَّل ستالين أيضًا عددًا أقل من السكان الأرمن والبلغاريين واليونانيين من القرم؛ استكمالاً للتطهير العرقي في شبه الجزيرة. وبالتالي، كانت القرم في عام 1954 “روسية” أكثر مما كانت قبل عقود، ورغم تجاور شبه الجزيرة نوعًا من جنوب أوكرانيا عبر برزخ بيريكوب، فإن منطقة كيرتش الكبيرة شرقي القرم قريبة جدًّا لروسيا. وصحيحٌ أن شبه الجزيرة لها علاقات اقتصادية وبنية تحتية مع أوكرانيا، إلا أن العلاقات الثقافية مع روسيا كانت أقوى بكثير منها مع أوكرانيا، وكانت القرم محلَّ قواعد عسكرية رئيسية منذ العهود القيصرية، ما جعلها رمزًا للقوة العسكرية للإمبراطورية الروسية ضد الأتراك العثمانيين.

تقييم الأسباب

ورغم تواضع مصداقية المبررات المعلنة للجمهور بشأن ضم شبه جزيرة القرم، فإن بعض التعليقات التي نُشِرت في عام 1954، وغيرها من المعلومات التي خرجت للضوء منذ ذلك الحين، تتيح لنا تقييم الأسباب التي دفعت السلطات السوفييتية لاتخاذ هذا الإجراء. كما تُبرِز أهمية خاصة لدور نيكيتا خروتشوف، والصدمات الأخيرة التي لحقت بأوكرانيا، والصراع الجاري على السلطة في الاتحاد السوفييتي؛ حيث شهد اجتماع الرئاسة السوفيتية العليا في 19 فبراير 1954 إشارات المتواترة إلى رؤية خروتشوف للنقل باعتباره وسيلة لتكريس الهيمنة السوفييتية على أوكرانيا.

واستُخدِم نهج مماثل نوعًا في جمهوريات البلطيق الثلاث التي ضُمَّت حديثا، خصوصا لاتفيا وإستونيا، وكلاهما كان يضم عددًا قليلاً جدًا من السكان الروس قبل أربعينيات القرن الماضي، حين شجع النظام الستاليني العرقية الروسية على استيطان هذه الجمهوريات، واستمرت هذه السياسة في عهد خروتشوف وليونيد بريجنيف، صحيحٌ أن نقل الروس إلى جمهوريات البلطيق أكبر نسبيًّا مقارنة بأوكرانيا، لكن الأرقام المطلقة تشير إلى أن أوكرانيا شهدت نقل عدد أكبر من الروس.

أيضًا كان نقل القرم إلى جمهورية أوكرانيا السوفيتية الاشتراكية مفيدًا سياسيًّا لـ خروتشوف، إبَّان سعيه لترسيخ الدعم الذي يحتاجه في الصراع القائم على السلطة حينها مع رئيس الوزراء السوفياتي جورجي مالينكوف، الذي ظهر في البدء باعتباره الزعيم الأبرز في الاتحاد السوفييتي عام 1953 بعد وفاة جوزيف ستالين، وتشير التقارير إلى أن خروتشوف، الذي كان لا يزال زعيمًا للحزب الشيوعي في أوكرانيا في عام 1944، اقترح على ستالين أن نقل القرم سيكون وسيلة مفيدة لكسب تأييد النُّخب المحلية الأوكرانية. وبغض النظر عما إذا كان خروتشوف طرح فعلاً هذه المسألة على ستالين، فإنها على الأرجح تعكس رؤية خروتشوف الشخصية منذ وقت مبكر في عام 1944 بأن توسيع الأراضي الأوكرانية كان وسيلة لكسب دعم نخب الجمهورية، ومن شبه المؤكد، على وجه الخصوص، أن خروتشوف اعتبر نقل القرم وسيلة لتأمين دعم كيريشنكو، الذي لا يستطيع الاعتماد عليه تلقائيًّا بسبب خلافهما الذي يعود إلى عام 1953، آملاً أن يبدد نقل القرم التوترات العالقة داخل هذه الحلقة، وبالتالي يساعده في ترسيخ دعم كيريشنكو في المواجهة المقبلة مع مالينكوف.

بين الأمس واليوم.. مفارقات!

كانت القرم في الأصل جمهورية ذاتية الحكم في جمهورية روسيا السوفييتية الاتحادية الاشتراكية، لكن وضعها تغير إلى “إقليم” في جمهورية أوكرانيا السوفيتية الاشتراكية عام 1945؛ ظاهريًّا لأن الترحيل القسري لتتار القرم قضى على الحاجة إلى الاستقلال، استمر ذلك لمدة 37 عاما، حتى عُقِد استفتاء في أوائل عام 1991 رُقِّيَت بموجبه شبه الجزيرة إلى “جمهورية ذاتية الحكم”، وهي التسمية التي احتفظت بها القرم بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، رغم عدم وجود مثل هذه التسمية في الاتحاد الروسي، ثم جاءت معاهد الضم، التي وقعتها الحكومتان الروسية والقرميَّة يوم 18 مارس 2014، لتغير الوضع القائم في شبه الجزيرة إلى مجرد “جمهورية”، لتنضم مع مدينة سيفاستوبول ككيانات منفصلة إلى 21 جمهورية روسية اتحادية أخرى.

إحدى المفارقات التي شهدتها عملية نقل القرم إلى أوكرانيا في عام 1954 هي أن رئيس المجلس السوفييتي الأعلى، كليمنت فوروشيلوف، أعلن في تصريحاته الختامية خلال جلسة 19 فبراير أن “أعداء روسيا حاولوا مرارًا وتكرارًا أخذ شبه جزيرة القرم من روسيا، واستخدامها لسرقة الأراضي الروسية وتخريبها”. وأشاد بـ”المعارك المشتركة” التي يخوضها “الشعبين الروسي والأوكراني” ضد “المغتصبين المتغطرسين”. هذا التوصيف الذي أطلقه فوروشيلوف على “أعداء” روسيا في الماضي، يبدوا مناسبًا اليوم بشكل مخيف لوصف تصرفات روسيا ذاتها تجاه أوكرانيا، فيما تكمن مفارقةٌ أخرى أكثر مأساوية في أن الإجراء الذي اتخذته روسيا قبل ستين عامًا لتعزيز سيطرتها على أوكرانيا، يعود اليوم ليطارد أوكرانيا.

الملخص: لن تتحدث السطور التالية عن استيلاء الروس على شبه جزيرة القرم التي كانت تسمى سابقًا “آق مسجد” أي “المسجد الأبيض”، ولن ترصد تاريخ وصول الإسلام إليها عن طريق التتار، ولن تسرد وقائع استقلالها لاحقًا وصعود قوتها لدرجة أن إمارة موسكو كانت تدفع لها جزية سنوية في القرن الـعاشر الهجري.. ربما في مقالٍ آخر، لكننا اليوم سنفسح المجال لـ مارك كرامر أن يستعرض- عبر مركز ويلسون- فترة تاريخية أقرب، قبل ستين عامًا فقط، لنستبين الأسباب الحقيقية التي تقف وراء تخلِّي روسيا عن القرم عام  1954، والضوء الذي يمكن لذلك أن يسلطه على ضمها مؤخرًا في 18 مارس 2014.

عرض التعليقات
تحميل المزيد