في منتصف عام 2014، وصل للصحافة فيديو مُسرب للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي حين كان وزيرًا للدفاع، وأظهر المقطع تعبيرات وجهه الغاضبة ونبرته الحادة أثناء اجتماعه مع بعض قيادات الجيش وهو يقول «حين طُلب من القوات المسلحة في التسعينات أن تقوم بمكافحة الإرهاب في الصعيد رفضنا؛ لأنَّه ليس دورها ولا مهمَّتها، فالجيش وظيفته الحفاظ على الأمن القومي المصري وحماية الحدود، أما الشرطة المدنيَّة، فلها ما يخصها في الشأن الداخلي، بؤر إرهابية، أو إجرامية.. نحن ليس لنا شأنٌ بهذا».

وبالرغم من تخلي الجيش مؤقتًا عن بعض مبادئه، واشتراكه مع الشرطة في قتال الجماعات التكفيرية برعاية دولية، وبموافقة إسرائيل التي سمحت له بتعطيل بنود اتفاقية «كامب ديفيد»، وزيادة معداته العسكرية والبشرية داخل سيناء، إلا أن التنظيم لم يرحل، والخسائر  لم تنتهِ منذ إطلاق «العملية نسر» منذ أكثر من 6 سنوات، وكان آخر الدماء الهجوم الأخير الذي قتل 235 شخصًا في هجوم على مسجد بقرية بئر العبد، وكانوا يُمثلون ربع سكان القرية، بحسب إحصاءات جهاز التعبئة والإحصاء الرسمي.

في هذه السطور نشرح لك ما لا يُقال عادةً في التصريحات الرسمية عن مسرح عمليات الحرب في سيناء، ولماذا يبدو أن الجماعات التكفيرية لم تزل صامدة أمام أقوى جيش عربي وإفريقي.

1- التهريب مستمر.. السلاح يخترق سيناء منذ سنوات!

ولاية سيناء تقول إنها أسقطت مروحية تابعة للجيش بصاروخ حراري متطور عام 2014!

منذ وصل السيسي إلى الحُكم، وهو يقوم بعقد الصفقات العسكرية المتطورة باهظة الثمن تحت دعوى مكافحة الإرهاب، وبالرغم من نجاحه في ضم طائرات الرافال الفرنسية، وصواريخ إس 300 الروسية، وطائرات إف 16 الأمريكية، إضافة إلى المركبات المضادة للألغام التي أهدتها واشنطن لمصر خصيصًا لتستخدم في العمليات ضد التنظيمات المسلحة في سيناء، واستطاعته أن يظل الجيش صامدًا في ترتيبه العسكري المتقدم، إلا أنّ إنجازات الرئيس سُرعان ما تتلاشى حين نسأل عن الشبح الخفي الذي يُقاتل منذ سنوات؛ كيف وصلت ترسانة الأسلحة المتطورة في أيدي التنظيمات الجهادية داخل عُمق سيناء؟

(صورة تظهر قيام جماعات مسلحة بعبور كمين أمني دون اعتراض الجيش لهم لكثرة أعدادهم)

حين أرادت جماعة أنصار بيت المقدس أن تُعلن بيعتها لزعيم «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)»، لم تكتفِ فقط بتغيير اسمها إلى ولاية سيناء، بل قامت بنشر إصدار لها عُرف باسم «صولة الأنصار»، وتضمنت المشاهد التي جاءت بجودة فنية فائقة، جولات علنية داخل المدن والشوارع الرئيسة بعربات الدفع الرباعي المتطورة، إضافة إلى صواريخ مضادات للطائرات التي أسقطت بالفعل طائرة عسكرية في أوائل 2014، وفقًا لرواية التنظيم. وبخلاف المفاجأة التي أظهرت رفع علم التنظيم فوق الدبابات والمدرعات التي حصل  عليها بعد اشتباكه مع الجيش في المعارك التي خرج منها ظافرًا بآلياتٍ ثقيلة، فإن المفاجأة الكبرى تمثلت في الإصدارات الأخرى التي كشفت امتلاك التنظيم لأسلحة وصواريخ لا يحصل عليها، سوى الجيوش النظامية، فمن أين جاءت الثغرة؟

يجب التوضيح أولًا أن الجيش المصري يعتمد السلاح الروسي الصنع كلاشنكوف عيار ( 7.62×39)، المعروف أيضًا باسم (إيه كي-47) والذي أنتجت منه الهيئة العربية للتصنيع النسخة المصرية التي تُعتبر سلاحًا أساسيًا داخل الخدمة منذ الستينات إلى جانب الأسلحة الحديثة التي يستحوذ عليها سلاح الصاعقة والعمليّات الخاصة، وحصلت الشرطة المصرية مؤخرًا على تلك الأنواع من الأسلحة خلال مواجهاتها أحداث العنف بعد يوليو (تموز) 2013، وبحسب مركز «آريس» لأبحاث التسليح؛ فإن ترسانة داعش في سيناء تتمثل في أكثر من 10 أسلحة متنوعة، من بينها السلاح الروسي (AKM) النسخة المتطورة من (إيه كي-47)، وبندقية (FN FAL) البلجيكية، وبندقية زاستافا المصنوعة في صربيا، ورشاش دوشكا المضاد للطائرات، وقاذف (أر بي جي) المضاد للمدرعات والتحصينات، وصاروخ الكورنيت، وهو الأخطر ضمن القائمة، وهو عبارة عن قاذف حراري يستطيع إسقاط الطائرات وتدمير الدبابات عن طريق أشعة الليزر الموجهة.

وبحسب التحقيق المنشور بصحيفة الأهرام المصرية المملوكة للدولة، فإنّ الجماعات المسلحة تحصل على السلاح عبر الحدود الغربية والجنوبية؛ فمنذ سقوط النظام القذافي عام 2011، انسحب الجيش إلى داخل البلاد لخوض معركة الاستقرار، تاركًا حدوده مفتوحة مع مصر التي اعترف رئيسها لاحقًا بأنه لا يستطيع السيطرة عليها كاملةً،الأمر الذي أثَّر بشدة في الجانب الغربي لمصر الذي شهد عبور أسلحة ثقيلة دخلت سيناء، ولا تُخفي الصحيفة المعلومات التي حصلت عليها، والتي تكشف أن المهربين أكثر تطوُّرًا من الجيش، فهم يمتلكون سيارات الدفع الرباعي المزودة بأجهزة تحديد المواقع الجغرافية (GPS)، وبحوزتهم أيضًا هواتف (الثريَّا) المرتبطة بالقمر الصناعي، ويقطعون مسافات تصل 600 كم في مناطق لايوجد بها جندي واحد، وتضيف الجريدة الرسمية «عندما يصادف المهربون نقاط تفتيش يمرُّون بسلام؛ لأنه لا يمكن للجندي أن يعرض نفسه للخطر بالتصدي لشُحنة أسلحة».

(فيديو التقط من طائرة ليبية يُظهر عدد كبير من عربات الدفع الرباعي تخترق الحدود المصرية)

صحيفة «المصري اليوم» نشرت أيضًا تحقيقًا صُحافيًا عقب ظهور سلاح الكورنيت في إصدارات تنظيم «ولاية سيناء»، وأظهر التحقيق الذي مرّ عبر أكثر من بلد، أن شحنة الصواريخ المتطوِّرة وصلت مصر عن طريق ليبيا، وكشفت الأرقام المسلسلة للأسلحة التي ظهرت في إصدارات التنظيم أن السلاح كان ضمن صفقة عقدها النظام الليبي، وأنها خرجت من مخازن الجيش عقب سقوط النظام، أما عن سؤال كيف وصلت إلى سيناء في النهاية، فيكون عبر التهريب البحري المتمثل في مراكب الصيد أو عن طريق البر من نفق الشهيد أحمد حمدي الممر البري الوحيد للدخول إلى سيناء الذي يشترك في تأمينه عناصر تأمين الجيش الثالث الميداني وقوات الشرطة.

اقرأ أيضًا: «جيروزاليم بوست»: كيف وصلت الأسلحة الليبية إلى سيناء؟

2- حربٌ من نوع جديد.. القاعدة تستهدف داعش!

على مدار الأربع سنوات الأخيرة، والجيش المصري هو العدو الوحيد لستِّ حركاتٍ جهاديةٍ مختلفة (ولاية سيناء – جند الإسلام – المرابطون – أنصار الإسلام – جند الإسلام – حسم)، واستطاعت أن تنفِّذ اغتيالاتٍ كبيرة أبرزهم اغتيال النائب العام، وقائد سلاح المدرعات، وقائد كتيبة الصاعقة (103)، وكمين كرم القواديس، أقوى كمين أمني في سيناء، واستهداف مبنى المخابرات العسكية في رفح، إضافة إلى عمليَّة الواحات، ومحاولة اغتيال وزير الداخلية السابق اللواء محمد إبراهيم، إلا أن الأيام الأخيرة أظهرت نوعًا جديدًا من الحروب من شأنها أن يُطيل أمد الحرب في سيناء، فالجماعات المسلحة دخلت في صراع مُسلح لم يظهر قبل ذلك، إلا في العراق وسوريا.

(خريطة توضح انتشار داعش في الشمال الشرقي لسيناء بمساحة 50 كيلو، بينما يعتبر الجانب الأخضر بعيدًا عن المواجهات) المصدر: مواقع التواصل

ففي بيانٍ صوتيٍّ، أعلنت جماعة «جند الإسلام» التي تعتنق فكر تنظيم القاعدة، أنها اشتبكت مع مسلحين بجماعة «ولاية سيناء» الموالية لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وقتلت منهم أربعة، وذلك بعد قيام الأخيرة – التي وصفها البيان بـ«الخوارج» – باستهداف المدنيين السلميين في مدينة رفح التي تقع على قطاع غزة الفلسطيني، إضافة للاعتداء على شاحنات نقل تابعة لشركة «العريش للأسمنت»، التي يديرها الجيش، وقاموا بقتل 9 سائقين، وجاء في البيان: «ثبت بالدليل القاطع اعتداءات خوارج البغدادي المتكررة تجاه المسلمين في سيناء ومحاصرتهم غزة. وتم رصد تسلل مجموعة لمناطق رباط إخوانكم في جماعة جند الإسلام أكثر من المرة، ومعهم الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، وذلك للغدر بهم. وبناءً على ذلك قرر الجهاز الأمني للجماعة القيام بعملية أمنية خاطفة لردع هؤلاء الخوارج».

ومن شأن نزاعٌ كهذا أن يصبُ في مصلحة الجيش الذي سيفرضُ حالة من الغياب الأمني مثلما حدث قبل ذلك من حروب قبيلة الترابيين – أكبر قبائل سيناء – ضد تنظيم ولاية سيناء.

ويجب التوضيح أنّ الجيش سعى منذ بداية معاركه في سيناء إلى توريط القبائل، ومنها الترابيون التي رفضت المشاركة، إلا أنّه بعدما قام التنظيم بقذف مقر القبيلة بقذيفة (آر بي جي)، إضافة لاستهداف سيارتين تحملان سجائر تابعتين لها، أعلن الترابوين الاستنفار الأمني بعد خسائرهم الاقتصادية، وقام الجيش بإشعال الحرب عن طريق عدم التدخل، فالقبيلة اختطفت 3 من أعضاء ولاية سيناء، وأعلمت السُلطات التي لم تحضر لاعتقالهم، كي تُعطي فرصة للتكفيرين للاشتباك مع القبيلة لاستعادة أعضائهم على أمل أن تنضم قبائل أخرى للحرب ضد التنظيم، إلا أن رئيس اتحاد قبائل سيناء، الشيخ إبراهيم المنيعي، أعلن صراحة أن القبائل هي الخاسر الوحيد من الزج بها في هذه الحرب التي لم يتدخل الجيش لإنهائها، وتوقفت بالفعل الاشتباكات، بالرغم من استطاعة القبيلة، التي تسيطر على أجزاء واسعة من جنوب مدينة رفح بشمال سيناء، وحتى مناطق مركز الحسنة في وسط سيناء، ضمان التفوق العسكري.

ويرى محللون أن عودة تنظيم القاعدة مرة أخرى إلى المشهد جاء عقب الانشقاقات الحالية التي يمر بها تنظيم الدولة الإسلامية عقب هزائمه في سوريا والعراق،فالاختلافات المنهجية بين الطرفين وصلت إلى حدّ الصدام المُسلح، فالقاعدة تستهدف نقاطًا عسكرية وترفض قتل المدنيين عكس ولاية سيناء التي تسرف في القتل، ويُشتبه بأنها هي من نفذت مذبحة بئر العبد، ومن المتوقع أن يقف الجيش بعيدًا عن هذا الصراع مثلما يحدث في كل مرة، وهو أحد أسباب إطالة الحرب في سيناء.

3- الجيش فشل في وقف عمليات «ولاية سيناء»

التنظيم أجبر  120 أسرة مسيحية على الرحيل من العريش بالرغم من تواجد الجيش

عقب الحادث الإرهابي الأخير الذي استهدف المصلين في مسجد الروضة، وقتل 235 وجرح 109 آخرين، ظهر الرئيس المصري في كلمة بثها التلفزيون الحكومي بعدما أعلن الحداد 3 أيام، وتعهد برد غاشم على الإرهابيين، ثم أكد أن القوات المسلحة والشرطة المدنية ستقوم بالثأر للشهداء واستعادة الأمن والاستقرار خلال الفترة القليلة القادمة، وبعدها بعدة ساعاتٍ سُمع هدير طائرات إف 16 في سماء العريش، ثم  أعلن المتحدث العسكري أن القوات الجوية قامت بالقضاء على عدد من البؤر التى تتخذها العناصر الإرهابية كقاعدة انطلاق لتنفيذ أعمالها الإجرامية، والسؤال الذي يطرح نفسه لماذا طالت عمليات الجيش في سيناء 4 سنوات، دون أن تنتهي؟

في أكتوبر 2013، أعلن اللواء أحمد وصفي، قائد الجيش الثاني الميداني وقتها والمسئول عن العمليّات العسكريّة في سيناء آنذاك، انتهاء العمليات العسكريّة بنجاح، وإعلان الجيش السيطرة الكاملة على سيناء، وحصل القائد العسكري وقتها على لقب «أسد سيناء»، ولم تمضِ عدة أسابيع حتى عادت الهجمات من جديد، والتي تسببت بإقالة الرجل وتعيين اللواء محمد الشحات بدلًا عن وصفي، لكنّ الشحات الذي يعمل حاليًا مدير المخابرات الحربية أظهر أرقامًا غير واقعية للأوضاع، حتى جاءت «هجمات العريش» في يناير (كانون الثاني) عام 2015، والتي استهدفت عدة أماكن عسكرية أبرزها الكتيبة (101) العقل المدبر للجيش لمسرح العمليات في العريش، حيث أطلقت «ولاية سيناء» قذائف الهاون التي تبعها انفجار سيارة مفخخة قرب أحد مخازن السلاح بالكتيبة، وأدَّت إلى مقتل نحو 30 أغلبهم من الجنود.

الرئيس السيسي وقتها قطع زيارته من القمة الإفريقية، وعاد ليترأس مجلس الدفاع الوطني، وقرر تخويل مهمة مكافحة الإرهاب في سيناء إلى تشكيل «القيادة الموحّدة لشرق القناة»، والتي يعمل تحتها الآن كل من الجيش الثاني والثالث الميداني، بدلًا عن الجيش الثاني فقط، لكنّ التنظيم عاد هذه المرة بعملية أكثر قسوة في نفس المكان، ففي يوليو (تموز) 2015، استهدف التكفيريون 19 كمينًا في الوقت نفسه باستخدام عربات الدفع الرباعي المُمحملة بالمدافع المضادة للطائرات، وبدا أنّ الكمائن المنتشرة على الأرض، وأن طائرات الأباتشي المُحلقة غير قادرة على القضاء على الكابوس، بالرغم من استمرار فرض قانون الطوارئ الممتد، والسطور السابقة هي فقط عدد صغير من العمليات.

نشر موقع «ميدل إيست مونيتور» البريطاني حديثًا مع أحد الضباط المشاركين في العمليات في سيناء، والذي رفض ذكر اسمه، وقال «منذ بدء الحرب على الإرهاب في أغسطس (آب) 2013، تغيّرت عشرات القيادات والضباط المسؤولين في سيناء، سواء كان كقيادات رفيعة المستوى أم كقيادات حملات ميدانيّة، ولكنهم حتى الآن لم يستوعبوا ماذا يحدث في سيناء.. المشكلة في تغيير عقليّة الأشخاص وفي وضع استراتيجيّات محترفة للتصدّي للإرهاب».

4- حرب الوكالة.. «فرق الموت» لم تنتصر!

فكرةٌ جديدة التقطها الجيش المصري من الجيش العراقي، فبعض المناطق الجغرافية بشمال ووسط سيناء محظور على الجيش دخولها؛ لأنها تقع ضمن النطاق المباشر للعناصر المتشددة، لذلك يستعين الجيش ببعض العناصر المدنية االمُلثمة التي تحمل سلاح الجيش «الميري» والمعروفة باسم «فرق الموت 103» أو ما أطلق عليها «صحوات سيناء» والتي تقوم بتشكيل نقاط للتفتيش في ظاهرة تشبه «الصحوات» التي تشكلت في العراق لمساندة السلطة، وهؤلاء المجهولون – يساعدون الجيش في القبض على العناصر المطلوبة، أو الإبلاغ عن المُشتبه بهم، لذلك واجهت جماعتهم الموت بالفعل حين أصبحوا أهدافًا حية لتنظيم الدولة.

(أحد مسلحي فرقة الموت 103 في شارع بالشيخ زويد بشمال سيناء ) المصدر: الجزيرة

في الوقت نفسه الذي برز فيه اسم «فرق الموت»، فإن أعضاء تنظيم ولاية سيناء قاموا بنصب كمائن ثابتة ومتحركة للقبض على المتعاونين مع الجيش، كما قاموا بتوزيع منشورات على أهالي الشيخ زويد – شمال شرق سيناء – تحذرهم فيها بذبح كلُّ من يتورط في التعامل مع قوات الأمن، وهو ما جعل عناصر «فرقة الموت» في حالة خوف دائم من انكشاف هوياتهم، وقد نشر التنظيم الفعل عدة مقاطع مُصورة أظهرت ما يسميه بعمليات «إعدام جواسيس»، بالذبح أو الرمي بالرصاص أو الشنق، والعناصر المسلحة لا تترك الهاربين خارج سيناء بعد افتضاح أمرهم، ففي بيان لولاية سيناء،أظهر نجاح التنظيم في العثور على «متعاون» هرب إلى محافظة الشرقية، لكنهم لم يتمكنوا من الإيقاع به، وهي حادثة مريبة تدعو للتساؤل حول قدرته الاستخباراتية في جمع المعلومات.

حادثة أخرى تكرَّرت في منتصف الشوارع الرئيسة بالعريش، ففي نهار 10 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وصلت سيارتان إلى ميدان المحافظة، ثم خرج منهما 5 رجال مسلحين، وسحبوا رجلًا في الأربعينات من عمره مقيّد اليدين، هو تاجر أثاث معروف، ثم هتفوا «الله أكبر» وأطلقوا الرصاص على رأسه، وقد تحدثت «فورين أفيرز» الأمريكية لأحد أقرباء الضحية، فقال: إنّ التاجر «يملك شركة أثاث، وتولى تزويد وحدات الجيش في العريش بالأثاث المكتبي. لم يرشد التاجر الجيش إلى أحد رجال تنظيم الدولة، بل كان يتاجر معه فقط، لكن عقابه كان التصفية في الطريق في وضح النهار»، ولم يتحرك الجيش للقبض على الجناة حتى الآن.

وفي النهاية، لم تنتصر فرق الموت في عملها، فبعض القبائل أعرضت عن تقديم المساعدة للجيش حتى يكونوا بمأمن عن عقاب التنظيم الأكثر شراسة، وبعد خروج الدعوات التي رحب بها الجيش بتسليح القبائل لمواجهة التكفيريين، فإن هناك أصواتًا عارضت الفكرة، وعلى رأسهم رئيس اتحاد قبائل سيناء،الشيخ إبراهيم المنيعي، الذي رأى فيها مجالًا لحدوث اقتتال داخلي، والإيقاع بالقبائل في حربٍ ليست لها.

لذلك ففرق الموت، حتى وإن كانت على الجانب الأمني تقوم بالتصدي للجماعات التكفيرية في البؤر الخطرة، إلا أنها فشلت في حسم المعركة بالمعنى العسكري، وهو أحد الأسباب التي أطالت الحرب.

اقرأ أيضًا: «لا حماية لأحد».. التعاون مع الجيش التهمة التي تذبح عليها «ولاية سيناء»

5- إرث الكراهية.. قبائل سيناء في مرمى النيران

حرب الدولة على ما تسميه الإرهاب شمل مخالفة كبيرة للقوانين دون محاسبة المسئول، وشملت الانتهاكات قصف بيوت عن طريق الخطأ، واعتقال مئات من أبناء القبائل خلال حملات القبض العشوائي، أو في الكمائن، إضافة لعمليات الاختفاء القسري، وتنفيذ إعدامات خارج إطار القانون، وبحسب مؤسسة «هيومان رايتس ووتش»، فإن الجيش نفذ عمليات إعدام في سيناء، مؤكدة على أن أعمال القتل – التي وصفتها بالبشعة – تؤكد أن حملة مكافحة الإرهاب المصرية في سيناء خرجت عن السيطرة، كما دعت الدول التي تقدم مساعدات عسكرية لمصر بتجميد مساعداتها.

وبالرغم من حالة التعتيم الإعلامي التي فرضها النائب العام المصري بحظر النشر عن سيناء، إلا أن إرث الكراهية الذي حمله أهل رفح للسلطة منذ عام 2014 ازداد عقب ترحيلهم لإقامة منطقة عازلة بعرض 1.7 كيلومتر من الحدود وبطول 14 كيلومترًا، وتُتهم الحكومة بعدم تقديم تعويض عادل للسكان الذين حذروا بقية أهل سيناء من قيام الحكومة بسياسة إخلاء سيناء، وهو ما ظهر بالفعل في الدعوات البرلمانية التي طالبت بتهجير أهالي مدن رفح والشيخ زويد والعريش بزعم مواجهة العناصر المسلحة بعد الفشل الأمني، وهو ما قوبل بالرفض، بالرغم من ترويج الإعلام لها.

ربما أحد أكبر الأسباب التي تُطيل الحرب، هو رفض معظم قبائل سيناء التوحُّد مع الجيش لقتال التنظيم؛ إضافة للتعاطف الذي تكسبه الجماعات المسلحة بسبب انتهاكات الجيش، والذي يتحوَّل أحيانًا إلى انضمام فعلي، وتدورُ الدائرة ولا تنتهي حتى الآن.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد