عادت من جديد الاحتجاجات في المدن اللبنانية، غير عائبة بفيروس كورونا الذي حصد ملايين الضحايا، متمسكة بمطالبها بإطاحة الوجوه القديمة في الحُكم، التي انتهت بالبلاد لهذه الأوضاع الاقتصادية الصعبة، والإعلان رسميًّا عجزها عن سداد ديونها الخارجية.
رافق هذه العودة هجوم قوي كالعادة ضد حاكم المصرف المركزي رياض سلامة، كما رافقها هذه المرة اشتباكات أكثر عنفًا، وتدخل بالرصاص من جانب قوات الجيش اللبناني، التي أسقطت أول ضحية للانتفاضة اللبنانية، في طرابلس أفقر المدن اللبنانية. يحاول التقرير التعرف إلى خلفيات عودة الاحتجاجات من جديد، وتحول المصارف اللبنانية لهدف للتدمير من جانب المحتجين، وارتباط ذلك بالخلاف بين رئيس المصرف اللبناني رياض سلامة، ورئيس الحكومة حسان دياب، المدعوم من حزب الله.

1- ما الذي أشعل الأحداث إلى هذا الحد في ظل أزمة كورونا؟

الصعود الهستيري للدولار أمام الليرة اللبنانية، وتفاقم سوء الأوضاع الاقتصادية، وندرة بعض المواد الغذائية الأساسيَّة في الأسواق، أعاد المئات من المتظاهرين للشوارع من جديد في مدينة طرابلس، إحدى أفقر مدن لبنان. لكن ما فاقم الأوضاع في المدينة الساحلية هو لجوء قوات الجيش اللبناني لاستخدام الرصاص الحي ليسقط نحو 39 جريحًا، وشاب فقد حياته هو فواز السمان (27 سنة). وقد تفاقمت الأوضاع الاقتصادية مع فرض تدابير العزل لمحاولة احتواء تفشي فيروس كورونا المستجد الذي سجل 721 إصابة، بينها 24 وفاة.

سياسة

منذ 8 شهور
التظاهرات تصل الشارع اللبناني.. هل يلحق لبنان بركب الربيع العربي؟

موت الشاب اللبناني أثار غضب المدينة التي انتفضت بأعداد كبيرة من سكانها في الأيام التالية لموته، لتحاول قيادة الجيش اللبناني احتواء غضب هؤلاء بالإعلان في بيان لها أنها ستفتح تحقيقًا في حادثة طرابلس التي أودت بحياة فواز السلمان، معلنة في الوقت ذاته عن إصابة 81 عسكريًّا وتوقيف 20 شخصًا خلال تنفيذ «مهمات حفظ الأمن في البلاد». غير أن هذا البيان أشعل الغضب من جديد، وفشل في تحقيق هدفه الرئيسي، واستمر المتظاهرون في الشوارع يقتحمون مصارف عدة، ويكسرون زجاج محال وسيارات وبوابات المصارف.

الشاب اللبناني فواز السمان هو مرآة لحال آلاف الشباب اللبنانيين؛ فهو من أوائل المحتجين الذين خرجوا في تظاهرات لبنان منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2019، احتجاجًا على سوء الأوضاع الاقتصادية. الشاب اللبناني الذي فقد حياته برصاص قوات الجيش اللبناني متزوِّج وله طفلة، وكان يعمل في تصليح الدراجات النارية، ويسكن في أسواق طرابلس.
ومع تدهور الأوضاع، وجد فوَّاز نفسه بلا عمل، وكان الشارع خياره الوحيد، غير أن الرصاص أنهى حياته سريعًا. ليصير بعد موته أيقونة للمجموعات الاحتجاجية في لبنان، يهتفون باسمه، ويطالبون بمُحاكمة قاتله.

2- «يسقط يسقط حكم المصرف» .. لماذا أصبحت المصارف هدفًا للمتظاهرين؟

أصدر مصرف لبنان المركزي عددًا من الإجراءات التي شملت قيودًا على سحب الودائع والامتناع عن إعطاء مبالغ بالدولار، حتى لو كانت ودائع العميل بالعملة الأمريكية، بعدما ارتفعت المديونية الخارجية، وعجزت البلاد عن السداد. وقد أدت هذه القيود إلى إغلاق مجمعات تجارية وفنادق عريقة، وشركات صغيرة ومتوسطة أبوابها، ليفقد عشرات الآلاف مورد رزقهم أو جزءًا من رواتبهم خلال الأشهر الستة الماضية.

الربيع العربي

منذ 7 شهور
الجنوب اللبناني الذي لا نعرفه.. «مَن ضد مَن» في المظاهرات اللبنانية؟

وتُشير تقديرات رسمية، إلى أن نحو 45% من اللبنانيين حاليًا تحت خط الفقر. أمام هذه القيود، توجه آلاف اللبنانيين نحو أعمال شغب وإحراق مصارف، وعدد من الصرافات الآلية. هذا الغضب يعكسه ما كشفته مسودة خطة إنقاذ عن خسائر القطاع المصرفي هذا الشهر الذي قدرته بنحو 83 مليار دولار.

3- من هو رياض سلامة الذي يهتف المتظاهرون برحيله؟

«حرامي حرامي، رياض سلامة حرامي» هذا هو الشعار الأكثر رواجًا في تظاهرات لبنان التي تحتج على سياسات رياض سلامة، حاكم المصرف المركزي اللبناني منذ أكثر من 25 عامًا، المسؤول الأول عن السياسة النقدية، ومُهندس سياسة لبنان الاقتصادية، الذي تحول لهدف رئيسي للمتظاهرين.
في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية، أصبح رياض سلامة عراب استقرار الليرة لعقود في مرحلة ما بعد اقتتال الطوائف اللبنانية. خريج الجامعة الأمريكية في لبنان، الذي تدرج في العمل بكبرى الشركات المالية، عُين للمرة الأولى في عام 1993 في أول حكومة بعد الحرب الأهلية اللبنانية، بعدما تعرف إلى رفيق الحريري، خلال عمله بشركة ميريل لانش الماليَّة الأمريكيَّة، ونال إعجاب الأخير.
وأعيد تعيين سلامة لأربع ولايات متتالية في 1999 و2005 و2011 و2017؛ ليُسجل بذلك رقمًا قياسيًّا جديدًا لأطول فترة يتولى فيها الشخص نفسه إدارة الشؤون النقدية والمصرفية.
في ولايات سلامة الأولى لإدارة المصرف المركزي، نجح في تحقيق الاستقرار المالي والحد من التضخُّم، قبل أن تسوء أحوال المصارف في سنوات ولايته الأخيرة. وتركزت سياسات سلامة في سبيل تحقيق هذا الاستقرار على دعم السوق العقارية.

4- ما أسباب الدعوات التي تُطالب برحيل سلامة؟

السبب الرئيسي للمُطالبة برحيله هي القيود التي وضعها على المصارف اللبنانية، غير أن توجيه التظاهرات نحو سلامة بشكل شخصي، هو تسريب وثيقة تكشف عن أن ثروته أكثر من ملياري دولار مودعة في مصارف في باناما، وجزر الفيرجين البريطانية، وسويسرا. وكشفت الوثائق عن تأكيد قيام الحاكم بتحويلات مالية إلى الخارج، وقد أثيرت ضجة عارمة حولها على وسائل التواصل الاجتماعي.

عربي

منذ 3 شهور
رئيس الحكومة اللبنانية الجديد.. مرشح حزب الله «الأخف ضررًا» حتى عودة الحريري

الأهم هو ما ذكرته الوثيقة التي نشرها موقع درج اللبناني، من صور وأرقام حول إدارة سلامة، مودعة باسم شقيقه رجا، الذي كان على مدى سنوات، على ما تذكر الوثيقة، واجهة له، مثله مثل ماريان الحويك مديرة مكتب الحاكم، التي حولت، بحسب المستندات، أكثر من 400 مليون دولار من حسابات تملكها إلى حسابات كل من الشقيقين سلامة.
تزامن تسرب هذه الوثيقة حول حجم ثروة سلامة، مع فقدان العملة اللبنانية أكثر من نصف قيمتها منذ أكتوبر؛ إذ تراجعت بشكل كبير في سوق موازية عن سعر الربط الرسمي البالغ 1507.5 ليرة. وزادت حدة نزولها على مدار الأسبوع الأخير، لتبلغ أكثر من 4 آلاف ليرة مقابل الدولار.
أحد الدوافع وراء ارتفاع حدة الهجوم أيضًا هو توسع سلامة في سياسة الاستدانة التي قامت بها الحكومات المتعاقبة، إلى أن بلغت ديون لبنان 92 مليار دولار؛ ليترتب على ذلك إعلان الحكومة الشهر الماضي توقفها عن سداد ديونها الخارجية، في إطار إعادة هيكلة شاملة للدين.

5- ما الخلاف بين حكومة حسان دياب والمصرف برئاسة رياض سلامة؟

الخلاف دار حول الخطة المُقترحة من جانب كُل جهة لحل الأزمة الاقتصادية التي يعيشها لبنان. ففي حين يرى حسان أن إجبار المودعين على تحمل خسائر هي الطريقة لتخفيف العبء، دون اللجوء إلى برنامج من صندوق النقد الدولي، يرفض رياض هذه السياسة، ويراها سياسات ترقيعيَّة.

سياسة

منذ سنتين
«استقالة الحريري» بين المفاجأة والتخطيط.. هل تبدأ من هنا الحرب ضد إيران؟

طُوِّر الخلاف لانتقادات من رئيس الوزراء، المدعوم من حزب الله، إلى حاكم مصرف لبنان، ويُحمله مسؤولية أزمة العملة وزيادة خسائر القطاع المصرفي، ونقص الشفافية والتنسيق. ليرد الأخير عليه مدافعًا عن سياساته، غير مبالٍ بانتقاداته.
ولهذه الأزمة خلفية ترتبط بسماح المصرف بتحويل 2.3 مليار دولار خلال آخر شهرين من عام 2019 للخارج، بعد اندلاع احتجاج شعبي غير مسبوق ضد الطبقة السياسية المتهمة بالفساد وتدهور الوضع الاقتصادي. وتمت العمليات حينها رغم منع التحويل إلى الخارج.

6- ما أوراق قوة سلامة التي تجعله يتحدى المتظاهرين والحكومة؟

في أزمة الاحتجاجات الأخيرة، كان سلامة هدفًا مشتركًا للهجوم عليه من ثلاثة أطراف رئيسية في المشهد اللبناني، هُم المحتجون وحسان دياب رئيس الحكومة اللبنانية، وحزب الله اللبناني ذو السطوة على القوى الأمنية، والجيش اللبناني.
غير أن هذا الهجوم لم يُضعف سلامة، أو يُجبره على الاستقالة من منصبه، أو حتى الاعتذار عن سياسته والتعهد بمراجعة خطط المصرف؛ فقد ظهر في خطاب بثه التلفزيون واستمر لنحو ساعة، مدافعًا عن سياسته، ومتوعدًا خصومه، وقال سلامة الذي يتولى منصبه منذ 1993 «البنك المركزي موَّل الدولة نعم، ولكن ليس هو من صرف الأموال. هنالك من صرف الأموال». وقال إنه يجري استهدافه من خلال «حملة ممنهجة».

الثقة والسطوة التي تبدو في حديث سلامة، غير المبالي بحملات الهجوم عليه، تعود، بشكل أساسي إلى نفوذه عند دول الخليج، أكبر داعمي لبنان ماليًّا، وقد كان الرجل دائمًا وثيق الصلة بسعد الحريري، الذي كشفت وثائق في وقت سابق عن تقديم سلامة هدايا له بقيمة 575 مليون دولار بين عامي 2013 و2016.

العامل الثاني في تعزيز هذه السطوة والصلاحيات المفتوحة، صلاته الوثيقة مع كبار رجال الأعمال في لبنان وخارجها، حيث أصبح يُمثل مصالح المصارف والرأسمال الريعي. أما العامل الثالث فهو علاقاته مع المؤسسات الدولية، وابتكاره طرقًا للتعاطي مع العقوبات التي وضعتها أمريكا على كيانات داخل لبنان، كما يملك المصداقيَّة في التعاطي مع الأطراف الدوليَّة.
وبحسب الخبير الاقتصادي ورئيس قسم الاقتصاد السابق في الجامعة اللبنانيَّة الأمريكية، غسان ديبة، في تصريحات لموقع «المدن» اللبناني، أن سلامة مثَّل خلال المرحلة السابقة مصالح المصارف والرأسمال الريعي، كما مثَّل نقطة الترابط بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف. بالتالي، بقاؤه الآن في مركزه يعني تلقائيًّا «تمديد» هذا التقاطع.

7- بعد إعلان عجز لبنان عن سداد الديون.. ما الذي ينتظر البلاد؟

في المرحلة المقبلة، ستكون الحكومة أمام خيارات إلزامية تشمل  الدخول في مفاوضات مع الدائنين، والمرافعات في المحاكم الأجنبيَّة، وصولًا إلى إعادة هيكلة شاملة للدين العام، وسيتزامن ذلك مع استمرار التظاهرات في ظل عدم تحسن متوقع الفترة المُقبلة. وبحسب تحليل لوكالة رويترز الإخبارية، فإن خطة إنقاذ من صندوق النقد الدولي هي الحل الأكثر منطقية لأزمة لبنان الاقتصادية، التي تجد اعتراضات من حزب الله والحكومة؛ بسبب الإجراءات التقشفية التي ستنطوي عليها الخطة.

المصادر

تحميل المزيد