أحداث التاريخ تقول إن غياب التعاطف من المشهد يعني أن الأرض صارت تربةً خصبة لكل أنواع الوحشية والشر، فالتعاطف من أهم الصفات التي من المفترض وجودها في 98% من البشر، أما النسبة الباقية منعدمة التعاطف فتتمثل في النرجسيّين، وذوي الأمراض النفسية، والذين يعانون من التوّحد. لكن المفاجأة أنه حتى المصابين بالتوّحد نلحظ أن لديهم قدرة على التعاطف أكبر أحيانًا من باقي البشر.

علاقات

منذ 3 شهور
احترس من «الطيبة المُضرَّة».. الجانب المظلم من التعاطف

القول إن تلك الفئات لا تشعر بالتعاطف ليس عنصريًا، بل لأنهم فقط لا يستطيعون الارتباط عاطفيًا بالآخرين، بالتالي لا يشعرون بالتعاطف تجاههم، إذًا فالفكرة بأكملها تدور حول أن تُحب الآخر، أو أن تشعر بمأساته، فالتعاطف هو القدرة على فهم الأشياء من منظور شخص آخر، ثم تبنيّ مشاعره تجاه الأشياء وتفهم عواطفه.

في رواية «مزرعة الحيوانات» يُظهر لنا جورج أوريل كيف يبدأ التعاطف في التراجع حتى يصبح فعلًا انتقائيًا يُمارس مع فئة معينة وتُحرم منه فئة أخرى، ففي البداية أعلنت الحيوانات أن «جميع الحيوانات متساوية»، لكن لاحقًا عدّلوا الجملة لتصبح «كل الحيوانات متساوية، لكن هناك حيوانات أكثر مساواة من غيرها»، فباتت المساواة العامة أمرًا رئيسًا توجد تحته مساواة فرعية متدرجة.

جون دون، الشاعر الإنجليزي المُتوفى عام 1631، كتب قائلًا: «مقتل أي إنسان يحط من قيمتي؛ لأنّي أؤمن بالجنس البشري كوحدة واحدة»، لكن واقعنا الحالي لا يوافق دون، فهناك من مراكز متفاوتة في لعبة التعاطف، هناك رابحون يحوزون تعاطفنا بالكامل، وهناك أبناء المركز الثاني الذين يحوزون تعاطفًا أقل، وهناك الخاسرون الذين لا يفوزون بأي شيء.

لا نتعاطف لأننا لا نعرف.. فلماذا لا نعرف؟

بالتأكيد تذكر حريق كاتدرائية نوتردام في فرنسا، وانفجار مرفأ لبنان، وأي حدث إرهابي يحدث في دولة أوروبية، لكن هل تعلم تفاصيل أكثر عن فيضان السودان الحالي، أو أن جماعة بوكو حرام النيجيرية قتلت عشرات الآلاف حتى الآن، فضلًا عن المعاناة الجماعية التي تعيشها بلدان كاملة في العالم؟

Embed from Getty Images
ربما لا تتعاطف بشكل كافٍ لأنك لا تعلم ما يحدث ولا حجم الكوارث التي يواجهها أهل بعض البلاد بينما تعرف جيدًا حجم الكوارث الأخرى. السودان تحديدًا عانى من تلك التفرقة مرتيّن، الأولى حين بدأ الرئيس المخلوع عمر البشير إجراءات تقشفية ضخمة سلبت من السودانيين أساسيات الحياة، ومن اعترض منهم كان مصيره العقاب القاسي، لكن تزامن ذلك مع حريق كاتدرائية نوتردام الفرنسية، فلم يحظ السودان بالتغطية إطلاقًا مقارنةً بالكاتدرائية، والثانية حاليًا في أثناء الفيضانات المنسية إعلاميًا التي تبعت انفجار مرفأ بيروت الذي حاز تعاطفًا عالميًا وعربيًا واسعًا.

لذا يكون السؤال: لماذا تعرف البعض ولا تعرف البعض الآخر؟ الإجابة ستكون بالطبع أن هذا الحدث تنقله وسائل الإعلام بكثرة، بينما الآخر لا يشغل حيزًا إعلاميًا كبيرًا. يمكن أن يكون السر هذا التحيز الإعلامي أن الأفراد لهم قيمة ما، تخيل بأن قيمة البشر مساوية لقيمة عملة بلادهم، فالدولار الأمريكي يساوي تقريبًا 56 جنيهًا سوادنيًا، هذه القيمة تعني أن موت مواطن أمريكي سيغطيه الإعلام الغربي والعربي كأن 56 شخصًا ماتوا، بينما وفاة 10، أو 30، أو 50 من المواطنين الآخرين لا يستدعي تغطيةً إعلامية كبيرة؛ لأنهم لم يقاربوا حتى أن يساووا قيمة فرد واحد في دولة كبرى.

في دراسةٍ أجراها ويليام سي آدامز الأستاذ بجامعة جورج واشنطن استمرت 13 عامًا حول رد الفعل الإنساني تجاه الكوارث، خلصت الدراسة أنّه ليست شدة أو خطورة الكارثة هما من يحددا رد الفعل، بل درجة اهتمامك بالمواطن الذي يتعرض للكارثة. فمثلًا أرسل الأمريكيون عبارات التعاطف والمواساة لألف شخص قتلوا في إيطاليا، ولم يبالوا بزلزال قتل 4 آلاف إنسان في جواتيمالا. خلص آدامز من تلك الدراسة إلى أن البشر يميلون إلى التعاطف نحو الأقرب منهم في الخبرات، أو يرون فيه انعكاسًا لشخصياتهم، دون أن يرتبط ذلك بالجغرافيا بشكل أساسي.

الآخر ليس إنسانًا.. أو إنسانًا كاملًا على الأقل

لا يعني ذلك خللًا في المعايير أو القواعد التي يؤمن بها المجتمع، بل القواعد واضحة وصالحة، لكن فهم الأشخاص لها هو الخاطئ. عام 1946 تحدث ألبرت آينشتاين عن مسألة التعاطف البشري مع بعض القضايا فقال: إن معظم قوانين أمريكا الشمالية مبعثها قائم على التعاطف والرغبة في المساواة، كما توجد قوانين كثيرة عن حقوق الإنسان ومراعاتها، المعضلة أنهم ببساطة يؤمنون أن الإنسان هو الرجل الأبيض فحسب، ولا يتصورون أن السود بشر كاملون لكي تشملهم تلك الحقوق.

إذًا فنحن نتعاطف مع من نعرفه، من نراه، من نشعر أنه يتشارك معنا في أي صفة من الصفات الإنسانية، بالتالي هم مثلنا، هم نحن، لكن من لا نعرفه أو نراه أو نظن أننا نفضله في الثقافة، أو الثروة، أو الطبقة، فلا يحصل على تعاطفنا لأنه ليس منّا، بل هو بالنسبة لنا «آخر»، والآخر ليس إنسانًا كاملًا، وليس بشريًا تمامًا.

هذا الفعل العنصري، التعاطف الانتقائي، يأتي من إيماننا بأن البشر لا يحصلون على لقب البشرية أو الإنسانية لمجرد كونهم من بني آدم، بل نرى أنه لا بد أن يكون الإنسان مكونًا من أشياء إضافية، هذه الأشياء الإضافية هي عدد لا نهائي من لون البشرة، والدين، وطريقة اللبس، واللغة.

أضف إلى ذلك أننا بصورة غير واعية قد نثّبط شعورنا بالتعاطف عبر توهم أن هذا الآخر يعتاد الشقاء، بل خُلق له، فنتوهم أنه يمتلك من الصفات الخارقة ما يُعينه على تحمل الشقاء، بالتالي لا يستحق تعاطفنا، فالأم المسكينة التي تكافح الفقر كي توفر الطعام لأبنائها، لا تصورها لك وسائل الإعلام كامرأة ضحية مقهورة، بل تصوّرها امرأة قوية مكافحة وُجدت في ظروفٍ ما، واستطاعت التأقلم معها، فيصل المشاهد إلى مرحلة أنه قد يحسدها على صبرها أو كفاحها، وبالطبع لن يتساءل أبدًا عن المتسبب في الظروف الصعبة التي تعيش فيها تلك المرأة.

فحين تعرض وسائل الإعلام إلى الآن الشعب الياباني، لا تعرضه كضحية قنبلة نووية، ولا تعرضه شعبًا خسر آلاف الأحباب في لحظة، بل تراه ناجيًا من القنبلة النووية، فتوصل رسالة بأن هؤلاء اليابانيين أقوى نفسيًا من أغلب البشر، بالتالي لا يستحقون الكثير من التعاطف معهم، وكأنهم خلقوا قادرين على تحمل القنبلة النووية.

والفلاح المسكين الذي يبتسم بعد كدح يوم طويل في الشمس، والفتاة الصغيرة المبتسمة التي تبيع بعض الأطعمة في الشارع، والمرأة التي تعمل في أعمالِ شاقة وبالرغم من ذلك تبتسم، تلك الصور التي تشاهدها على مواقع التواصل الاجتماعي تجعلك بصورة غير مباشرة لا تتعاطف معهم؛ لأنهم بالنسبة لك «آخر»، مخلوق بطريقةٍ مختلفة عنك، ومنزوع منه الضعف، والخوف، والإحراج، والشعور، بالقهر.

العالم والاقتصاد

منذ أسبوعين
الفيضان الأسوأ خلال قرن.. ماذا يحدث في السودان؟

لذا فأول طرق إعادة التعاطف لعقلك وقلبك أن تدرك ببساطة أن كل البشر سواء، وأن كل البشر مثلك، لا يقدرون على التواجد في الحر الشديد طويلًا، ولهم قدرة عضلية محدودة، ويشعرون بالإحراج، والبرد، والجوع.

ما لا يُدرك كله لا يُترك جلّه

انتقاد التعاطف الانتقائي لا يعني انتقاد التعاطف في ذاته، بل انتقاد الانتقائية، فنحن لا نرفض التعاطف مع الكلاب الضالة، بل نثّمن أدوار الجمعيات الأهلية التي ترعى الكلاب التي يُسئ أصحابها إليها أو يلقونها في الشارع، لكن ألا يبدو غريبًا بالنسبة لك أن تتعاطف مع الكلاب التي تتعرض للأذى، ولا تتأثر بصورة مشابهة مع النساء اللواتي يتعرضن للإساءة الزوجية أو الاغتصاب.

ارتفعت الأصوات التي تطالب مسؤولي الدول بالتدخل لإنقاذ المسنين في دور الرعاية من احتمالية الموت بجائحة كورونا التي تهددهم، لكن خفتت الأصوات بشدة حين تعلق الأمر بالنداء لعلاج أو وقاية المساجين، جنائيًا أو سياسيًا، من نفس الوباء، لذا فالحل ليس ترك التعاطف إجمالًا كي لا تُتهم بالتعاطف الانتقائي، بل الحل أن تطور تعاطفك مع الوقت لتصل إلى درجةٍ من التعاطف لا تعرف حدودًا.

المفاجأة أن التعاطف غير المشروط والمتجاوز للحدود هو النوع الذي نُولد به جميعًا، إنه التعاطف العاطفي. حين يسمع طفل صغير طفلًا آخر يبكي فإنه يبكي معه، لا يعرف الطفل الثاني سبب بكاء الطفل الأول، لكنّه يبكي مشاركةً للأول، وليضيف لنحيب الأول قوةً إضافية كي تستجيب مطالبه بشكل أسرع.

لكن حين نكبر ونتقدم في العمر يتنحى التعاطف العاطفي، ويحل محلّه التعاطف المعرفي، هذا النوع من التعاطف مُجهد ويحتاج وقتًا ومجهودًا كي تتبنى بنفسك المنظور الضيّق الذي سوف تحدد به مع من سوف تتعاطف ومع من لن تتعاطف. التعاطف المعرفي يجعلك تتضامن مع شخص آخر لأنك تقول إنّك تشعر بما يشعر به، فأنت وهو سواسية لدرجة أنك تضع نفسك مكانه، وتتخيل كمية الألم التي يشعر بها، بالتالي تتعاطف معه بشكل واعٍ وبقرارٍ واضح منك.

التعاطف قد يصبح سوط الحكومات

المشكلة في التعاطف المعرفي أنّه كلما زاد عدد الضحايا كلما قلّ التعاطف، فحين تجد أن المأزق الذي مر به صديقك قد مر به 10 أفراد آخرين تقرر أنك لن تتعاطف معهم، فتُخلف بذلك إيمانك بأنك تتعاطف مع الموقف المجرد مهما يكن من يمر به، وتصبح الحقيقة أنك تتعاطف مع الموقف المعيّن حين يمر به المقربون منك فحسب، فتصبح المعادلة في ذهنك أنّك تتعاطف مع نفسك ومع من أمامك فقط.

كما أن اتساع رقعة الضحايا يجعلك تشعر بأن أعمالك لا قيمة لها، هناك فيضان السودان يُشرّد آلاف الأسر، فتقول في نفسك: ماذا ستفعل أنت وحدك للتخفيف عن عشرات الآلاف من البشر إثر سيول جارفة لم تشهد الدولة مثلها منذ 100 عام.

هذا الشعور يدفعك إلى القول إنك لست مسؤولًا عما يحدث، ولا يمكنك التخفيف من نتائج الكارثة أو مساعدة الضحايا، بالتالي لا تكسب من تعاطفك سوى الألم والحزن، فالحل إذًا ليس أن تتحرك لمساعدتهم، بل أن تتوقف عن التعاطف كي تفر من شعورك بالألم.

لكن أيضًا يُعتبر التعاطف كارثة من الكوارث، تخيّل أنك تضع نفسك في مكان كل ضحايا الكوكب في كل لحظة، لا يمكنك احتمال هذا الكم من الألم، لذا فالحل هو الوصول لحالة من التعاطف العقلاني الوسط بين الانتقائي والمبالغ فيه. لأنك ببساطة بشر، ولن تستطيع أبدًا أن تتعاطف مع الغرباء بنفس درجة تعاطفك مع أولادك، وبدلًا عن جلد ذاتك أو السماح لكلمات المُدوّنين بجلدك لأنك تبتسم بينما السودان يغرق، عليك أن تتبنى التعاطف العقلاني. لأن التعاطف المفرط يمكن أن يصبح سلاحًا فتاكًا تستخدمه الحكومات لتوجيه غضبك وكرهك لفئة ما كي تحصل منك على مباركة سحقها.

الرحمة بالإنسان مسؤوليتك تجاه نفسك

كلمة الرحمة، كما يعرّفها القاموس الأمريكي، هي الوعي العميق بمعاناة شخص آخر، مقرونًا بالرغبة في تخفيفها. القاموس يقول الوعي ليس المشاركة، فلا يُطلب منك أن تسير على الشوك لتبدو متعاطفًا مع من جُرحت قدماه، هنا يأتي التعاطف العقلاني.

أن تدعو للمبدأ الأخلاقي في ذاته، أن تنادي بقدسية الإنسان، أي إنسان، وتطالب بالكرامة للجميع، كل الجميع، أن تدعو للحلول الجزئية والشاملة لأية مأساة يمر بها أي كائن حي. أن تقول إن قمع مظاهرات السود أمر خاطئ، حتى لو خرّب بعض السود المحال أثناء التظاهرات، وأن ترفض ضرب المرأة تمامًا، حتى لو أن المرأة المضروبة قد أزعجتك ذات مرة، وأن تؤكد أن ترك الناس عزلًا في مواجهة وباء قاتل ليموتوا أمر شنيع، حتى لو ارتكبوا جرائم سياسية أو جنائية.

الأمر أشبه بالتعليم اليهودي القائل: «لست مطالبًا بإتمام مهمة إصلاح العالم، لكنك لست حرًا في التوقف عن المحاولة»، كما لا يجب أن تفكر في التعاطف مع الآخرين باعتبارها منحة تُهديها لمن هم أقل منك، بل تأكد أن القدرة على التعاطف الشامل هي علامة نضج ونمو صحيّة لك.

تطوير التعاطف لا دليل إرشاديّ له، لكن يمكنك ببعض الأمور البسيطة تنميته، أولها أن تقرأ، فقراءة الروايات على سبيل المثال تجعلك تشعر أنّك قد دخلت عالمًا جديدًا فتبدأ تلقائيًا في التماهي مع البطل أو مع الخصم، المهم أنّك تتماهى مع شخص لا تعرفه وتتبنى مشاعره.

حقوق إنسان

منذ سنة واحدة
مترجم: لماذا لا يحصل السود على التعاطف واهتمام الإعلام في الكوارث الإنسانية؟

واقتراح الروايات تحديدًا لأن الخيال الأدبي يمنحك القدرة على فهم أفعال الشخصيات من وجهة نظرهم الداخلية، فالكاتب يُبحر بك في مواقفهم وعقولهم ودوافعهم بدلًا عن النظرة الخارجية المُسبقة. بعبارة موجزة: نحن لا نتمكن عادةً من الوصول إلى أفكار شخص آخر، لكن يمنحنا الأدب نافذة على الأفكار الداخلية للآخرين.

ثاني خطوة هي أن تستمع، استمع للآخرين وهم يشتكون، أو يصفون معاناتهم، ضع هاتفك إلى جوار تصوراتك النمطية، وتجاهل الاثنين، وركزّ في الاستماع للآخر، حينها ستفهمه جيدًا، وستعرف أنه بشر مثلك، وما لا تتحمله أنت لا يتحمله هو، فلا داعي أن تراه أقل بشريةً منك فتبغضه فلا تتعاطف معه، أو تراه بشرًا خارقًا فتُقدّسه فلا تتعاطف معه كذلك.

المصادر

تحميل المزيد