default-avatar
هيثم سليماني

18

default-avatarهيثم سليماني

18

1,474

أحيا الأوروبيون في شهر مارس (آذار) الماضي الذكرى الستين لاتفاقية روما التي وضعت حجر الأساس للاتحاد الأوروبي، إذ تمّ بموجبها تشكيل المجموعة الأوروبية الاقتصادية الأولى «CCE» والتي نصّت على إنشاء سوق أوروبية مشتركة وإقرار حرية انتقال السلع خصوصًا الفحم والحديد بين الدّول المُوقّعة وهي إيطاليا وفرنسا وألمانيا وهولندا وبلجيكا ولكسمبورج.

هذه الاتفاقية البسيطة في مُحتواها كانت مدخلًا لتعميم التجربة حتى شملت جميع مناحي الحياة الاقتصادية والمالية وحتى السياسية على مدى الأعوام الخمسين الماضية، فتم التّدرّج في التوسّع والانفتاح على دول أخرى، فانضمت بريطانيا وأيرلندا والدنمارك في السبعينيات، وتبعتها إسبانيا والبرتغال واليونان في بداية التسعينيات قبل أن يتم إلحاق عدد كبير من دول وسط وشرق أوروبا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي السابق ليبلغ عدد الدول المنضوية تحت لواء هذا الاتحاد 28 دولة قبل البريكسيت.

اقرأ أيضًا: 7 أسئلة تشرح لك قصة «الخروج العظيم» لبريطانيا من الاتحاد الأوروبي

لم تقف الاتفاقية عند حدود حرية انتقال السلع ولكنها تطوّرت بإلغاء التأشيرات فيما بينها عندما أقرّت حرية انتقال البشر عبر اتفاقية الشنجن، ثمّ تأسيس البرلمان الأوروبي بدايةً من أول انتخابات برلمانية أوروبية نظمت عام 1979، قبل أن يتم توحيد العملة بين الدول الأعضاء واعتماد اليورو منذ عام 1999.

بالمُقابل؛ شهدت الضفة الجنوبية للمتوسّط فشل العالم العربي في أغلب أو كل التجارب الوحدوية التي جرت على أراضيه رغم أنه كان سبّاقًا في تبني فكرة بناء تكتُّل دولي، وسبق الأوروبيين بعشر سنوات كاملة عندما تشكّلت جامعة الدّول العربية عام 1945، إلا أنّ العرب ورغم سبقهم هذا لم ينجحوا في أن يبنوا قوة سياسية فاعلة ومُؤثّرة، وما المواقف العربية المنفردة أو مجتمعة في هذه الجامعة من الأحداث التي يشهدها المسجد الأقصى هذه الأيام إلا دليل على حالة الموت السريري.

تجارب وحدوية عربية لم تُعمّر طويلًا

تُعتبر تجربة جامعة الدّول العربية أهم تجارب الالتقاء بين الدّول العربية بالنظر لعدد الدّول المنضوية فيها، إلا أنها تجربة ضمن تجارب أخرى بعضها كان ثنائيًا وبعضها تجاوز ذلك، بعضها أُعلن عن انتهائها وبعضها الآخر لا يزال يُراوح مكانه.

1- الوحدة بين مصر وسوريا في نهاية الخمسينيات

أُطلق على هذه الوحدة بين مصر وسوريا اسم الجمهورية العربية المتحدة وكانت بداية لتوحيد الدول العربية. تمّ الإعلان عن هذه الوحدة في 22 فبراير (شباط) 1958 بتوقيع ميثاق الجمهورية المتحدة من قبل الرئيسين السوري شكري القوتلي والمصري جمال عبد الناصر وتم تنصيب عبد الناصر رئيسًا لهذه الجمهورية عبر آلية الاستفتاء واعتماد القاهرة عاصمة لها.

تواصلت عملية صهر الدّولتين في السنوات اللاحقة إذ تم توحيد برلماني البلدين واعتماد برلمان واحد مُشترك أطلق عليه اسم «مجلس الأمة» عام 1960، بالإضافة لإلغاء الوزارات القُطرية لفائدة وزارات مُوحّدة تشرف على الجمهورية الجديدة.

فيديو توقيع الميثاق ويبرز عملية الاستفتاء.

انتهت التجربة بعد ثلاث سنوات على إثر انقلاب عسكري في دمشق يوم 28 سبتمبر (أيلول) 1961، استهدف التجربة التي «لم تكن عادلة في حقّ السوريين» وفق نظر ضباط الجيش الذين خطّطوا ونفّذوا الانقلاب الذي أعلن عن قيام الجمهورية السورية. وربما يُمكننا تلخيص أسباب فشل هذه الوحدة في النّقاط التالية:

  • قيام  عبد الناصر بتأميم البنوك الخاصة والمعامل والشركات الصناعية الكبرى والتي كانت مزدهرة من غزل ونسيج وأسمنت وهو ما لم يستسغه السوريون وبخاصة الطبقة النافذة.
  • نشوء حركة هجرة للعمالة المصرية نحو الإقليم الشمالي (سوريا) وهو ما سبب خللًا في توازن قوى العمل.
  • ديكتاتورية الجنوب (مصر) وسعيها لتدمير السياسة السورية التقليدية من خلال حل الأحزاب السياسية وإزالة كوادر البعث السوري من المناصب ذات النفوذ وإضعاف الضباط السوريين عبر إرسالهم إلى أماكن بعيدة داخل مصر أو إحالتهم على التقاعد وتعيين مصريين مكانهم.

2- الاتحاد العربي الهاشمي

حاولت الأردن والعراق أن ترد على فكرة اندماج مصر وسوريا باندماجٍ ثنائيٍّ آخر بين الدّولتين خاصّة بعد أن حملت الجمهورية العربية المُتّحدة أفكارًا مُعادية للملكية وحسابات سياسية ودبلوماسية مُغايرة لهما.

وفي 14 فبراير (شباط) 1958، تم الإعلان عن تأسيس «الاتحاد العربي الهاشمي» بنظرة كونفدرالية غير اندماجية، مُستفيدًا من انتماء حاكمي الدّولتين، الملك فيصل الثاني والملك الحسين بن طلال إلى العائلة ذاتها وهي الأسرة الهاشمية.

ونص دستور الاتحاد على أن الاتحاد يتكون من «المملكة العراقية والمملكة الأردنية الهاشمية وعضويته مفتوحة لكل دولة عربية ترغب في الانضمام إليه بالاتفاق مع حكومة الاتحاد»، وعلى احتفاظ «كل دولة من أعضاء الاتحاد بشخصيتها الدولية المستقلة وبنظام الحكم القائم فيها».

ونصّ أيضًا على أن «ملك العراق هو رئيس الاتحاد وأن مقر حكومة الاتحاد يكون بصفة دورية ستة أشهر في بغداد وستة أشهر في عمّان». وتمت المصادقة على الاتفاقية من قبل مجلسي الأعيان والنواب العراقيين بعد ثلاثة أيام من الإعلان، قبل أن يتم تشكيل أول حكومة للاتحاد يوم 19 مايو (أيار) 1958.

ولم تدم التجربة سوى ثلاثة أشهر، إذ شهد العراق انقلابًا عسكريًا يوم 14 يوليو (تموز) 1958 أسقط النّظام الملكي وأسقط الاتحاد العربي الهاشمي، وأُعلن عبد الكريم قاسم رئيسًا جديًدا للوزراء، والذي أعلن عن حل الاتحاد بعد يومين فقط من الانقلاب، معتبرًا أن التجربة لم تستهدف مصلحة الشعب في القطرين، وإنما تأسست «لتدعيم النظام الملكي الفاسد ولتمزيق وحدة الصف العربي المتحرر، ولتحقيق مصالح زمرة من الحاكمين لم يأتوا الحكم عن طريق الشعب»، وفق تعبيره.

3- «اتحاد الجمهوريات الثلاث» الذي لم يرَ النور

اتّحاد الجمهوريّات العربية ويُعرف أيضًا باسم اتحاد الجمهوريات الثلاث هو اتحاد نشأ بين سوريا ومصر وليبيا، بين الأول من يناير(كانون الثاني) لعام 1972 وحتى مارس (آذار) لعام 1977 وإثر توقيع اتفاقية سبتمبر (أيلول) 1971 من طرف كل من معمر القذافي وأنور السادات وحافظ الأسد.

وانطلق التأسيس من خلال تمتين العلاقات بين هذه الدّول ثنائيًّا، من خلال اتحاد كونفدرالي بين مصر وليبيا بدايةً، ثم بين مصر وسوريا، كما كانت هناك مُقترحات مُقدّمة لضمّ جمهورية السودان أيضًا، لكن لم تنجح أيٍّ من الروابط سابقة الذكر.

ويعود سبب حل الاتحاد إلى انسحاب ليبيا عام 1977 عقب توقيع مصر لاتفاقيّة كامب ديفيد مع الاحتلال الإسرائيلي، الأمر الذي اعتَبره الليبيون والسوريون تطبيعًا للعلاقات مع الاحتلال الإسرائيلي.

فيديو إعلان السادات عن اتحاد الجمهوريات العربية.

4- «الجمهورية العربية الإسلامية» أو دولة الـ24 ساعة

في 12 يناير 1974، وخلال زيارة مفاجئة للرئيس الليبي الراحل، العقيد معمر القذافي، إلى تونس، وتحديدًا في جزيرة جربة، وُلدت فكرة إنشاء وحدة بين البلدين تقرّر أن يكون اسمها «الجمهورية العربية الإسلامية»، يرأسها الحبيب بورقيبة وينوبه القذافي الذي تُعهد له مسؤولية قيادة الدّفاع والجيش.

لم تتواصل هذه الفكرة وتم التراجع عنها بالسّرعة ذاتها التي وُلدت بها. وتقول الرّواية الرّسمية إن سبب العدول يعود لما تمّ الاتفاق حوله من إجراء استفتاء شعبي في البلدين لإضفاء شرعية لهذه الوحدة، في الوقت الذي لم يكن الدّستور التونسي يطرح فرضية الاستفتاء ولا كيفية تنظيمه، فتم التأجيل قبل أن يتم العدول عنه نهائيًّا.

لكن، وبحسب ما كشفته بعض الشهادات التاريخية، لم يكن موضوع الاستفتاء سوى منفذ للتهرّب والتراجع من طرف بورقيبة الذي عدل عن الفكرة بعد مُعارضة عدد من السياسيين التونسيين لهذه الخطوة وبعد أن حذّروه من مغبة الاطمئنان للقذافي الذي قد يستفيد من قيادته للجيش لإزاحته لاحقًا.

تجارب وحدوية قائمة تصارع من أجل البقاء  

بالإضافة إلى التّجارب المذكورة أعلاه والتي أصبحت اليوم مُجرّد محطّات تاريخية، عرفت تجارب أخرى تواصلًا بغض النّظر عن تقييم أدائها وقياس أثرها في المنطقة:

1- اتحاد المغرب العربي

سبقت الفكرة استقلال الدّول المغاربية وتزامن أوّل بروز لها مع مُؤتمر الأحزاب المغاربية الأوّل والذي احتضنته طنجة المغربية في شهر أبريل (نيسان) 1958، وضمّ المُؤتمر وقتها ممثلين عن أحزاب الاستقلال المغربي والدستوري التونسي وجبهة التحرير الجزائرية.

وتواصلت جهود تنضيج الفكرة بعد استقلال هذه الدّول وتم إنشاء عدد من اللجان مثل «اللجنة الاستشارية للمغرب العربي» عام 1964 بهدف تمتين الروابط الاقتصادية بين البلدان المغاربية بالإضافة إلى عدد من المُعاهدات وبروتوكولات التعاون الثنائية مثل معاهدة جربة بين تونس وليبيا – التي أفرزت فكرة الجمهورية العربية الإسلامية – و«معاهدة مستغانم» بين ليبيا والجزائر ومعاهدة الإخاء والوفاق بين الجزائر وتونس وموريتانيا سنة 1983.

كان هذا قبل أن يجتمع قادة المغرب العربي في «زرالده» الجزائرية سنة 1988 ليُصدروا بيانًا عُرف بـ«بيان زرالده» أوضحوا فيه رغبة القادة في إقامة الاتحاد المغاربي وتكوين لجنة تضبط وسائل تحقيق وحدة المغرب العربي. وأُعلن عن قيام اتحاد المغرب العربي في 17 فبراير 1989 بمدينة مراكش من قبل خمس دول وهي المغرب والجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا.

وبعد أكثر من ثلاثة عقود، تذهب أغلب الآراء إلى فشل هذا الاتحاد في تحقيق الآمال التي كانت وما زالت مُعلّقة عليه، فباستثناء الاسم، تعرف هياكله حالة من الشلل التام خاصّة إثر تجميد المغرب لعضويته سنة 1994 في علاقة بملف البوليساريو الذي يُعدّ أبرز معوقات تفعيله، وتشكيك الرئيس الموريتاني في جدواه في موفى (نهاية) 2015.

2- مجلس التعاون الخليجي

مجلس التعاون لدول الخليج العربية أو كما يعرف باسم مجلس التعاون الخليجي هو منظمة إقليمية سياسية واقتصادية عربية مكونة من ست دول أعضاء تطل على الخليج العربي هي السعودية وعُمان والإمارات والكويت وقطر والبحرين وتأسس في 25 مايو (أيار) 1981 إثر اجتماع انعقد في مدينة الرياض السعودية.

وعلى عكس اتحاد المغرب العربي، مضى المجلس في خطوات من العمل المشترك أهمّها:

  • إنشاء «درع الجزيرة المشتركة» وهي قوات عسكرية مشتركة لدول مجلس التعاون الخليجي وتم إنشاؤها سنة 1982 بهدف حماية أمن الدول الأعضاء.
  • السوق المشتركة وتم إطلاقها في أول يناير (كانون الثاني) 2008. وسبق أن تم الانطلاق في إنشاء الاتحاد الجمركي سنة 2003 وتم تركيزه بالكامل في بداية سنة 2015.

وفي مُقابل ما يعتبره مُراقبون نجاحًا نسبيًا في بناء منظومة العمل الخليجي المُشترك، تجتمع جملة من الشواهد لتُثبت أنه لن يكون مُتاحًا التقدّم أكثر في هذا المسار. قبل ست سنوات من الآن، دعا الملك السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز، قادة الدول الخليجية في قمّتهم الـ32، إلى «تجاوز مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد في كيان واحد يحقق الخير ويبعد الشر»، وهو ما مثّل إعلانًا عن مشروع جديد يُطوّر مجلس التعاون في مُحاكاة لتجربة الاتحاد الأوروبي.

ورغم المسافة الزمنية الفاصلة بين الإعلان عن فكرة الاتحاد ولحظة كتابة هذه الأسطر، ظلّت الفكرة مُجرّد تنظير لم يُواكبه تقدّم فعلي على الأرض، ويعود هذا التّعثّر إلى جملة من الأسباب أهمّها:

  • تباين الأنظمة السياسية للدّول الأعضاء، فرغم التماثل النّظري بين أنظمة الحكم باعتبارها ملكيات وراثية، تلوح فروق في نوعية هذه الملكية تُعسّر من إمكانيات ولادة هذا الاتحاد المُنتظر، بعض الملكيات دستورية والأخرى شمولية وبالإضافة إلى النّظام السلطاني في حالة سلطنة عمان.
  • يُضاف إليها الاختلافات التطبيقية على مُستوى الحكم فيما يتعلّق بمنسوب الحريات الفردية والمدنية وحقوق الإنسان وحرية التعبير، كل هذا يجعل من الصّعب تصوّر بناء نظام اتحادي قادر على التعامل مع كل هذه الاختلافات على مُستوى منظومات وثقافات الحكم المُختلفة.
  • حضور العلاقات الثنائية على حساب العلاقات الجماعية بالتوازي مع هاجس بروز دور دول على حساب دول أخرى داخل المجلس خاصة مع تباين الأوزان والأحجام (ديمغرافيًا واقتصاديًا وسياسيًا).
  • سطوة الحضور الأجنبي وأثره حتى على العلاقات بين الدول الأعضاء فيما بينهم، وغياب التنسيق على مُستوى العلاقات الخارجية.

وفي ظل الأزمة الخليجية الأخيرة؛ ذهبت عديد القراءات لتوقع تقهقر مشروع التعاون الخليجي في الوقت الذي كان يُنتظر فيه تقدّمٌ.

اقرأ أيضًا: زلزال سياسي يضرب الخليج العربي.. ملف «ساسة بوست» عن أزمة الخليج

3- جامعة الدّول العربية.. الحلم الأول المتوقِّف

جامعة الدول العربية هي منظمة إقليمية تضم دولًا في آسيا وأفريقيا ويعتبر أعضاؤها دولًا عربية، وينص ميثاقها على التنسيق بين الدول الأعضاء في الشؤون الاقتصادية، ومن ضمنها العلاقات التجارية، الاتصالات، العلاقات الثقافية، الجنسيات ووثائق وأذونات السفر والعلاقات الاجتماعية والصحة. وينص القانون الأساسي للجامعة على أن لكل دولةٍ عضو صوتًا واحدًا في مجلس الجامعة، ولكن القرارات تلزم الدول التي صوتت لهذه القرارات فقط.

شعبيًّا؛ ورغم أنها الإطار الإقليمي الأكبر والأشمل في المنطقة العربية، تواجه جامعة الدول العربية العديد من الانتقادات من معظم الشعوب العربية بسبب أنها فشلت في حل الكثير من القضايا العربية ولعل أبرزها الصراع العربي الإسرائيلي واحتلال الأراضي الفلسطينية سنة 1948 ثم سنة 1967 والكثير من القضايا مثل الأزمة السورية واحتلال العراق وغيرها من الملفات التي تعاملت معها الجامعة بسلبية.

إذًا.. لماذا نجح الاتحاد الأوروبي وفشلت الاتحادات العربية؟

إذا ما جمّعنا أهم التّجارب الوحدوية العربية، المُنتهية منها والتي لا تزال قائمة، وإذا ما دقّقنا في أسباب التّعثّر والفشل التي رافقتها، وإذا ما قارنا تفاصيلها بالتفاصيل ذاتها التي حفّت بتجربة تشييد الاتحاد الأوروبي، نخلُص إلى أن العرب ورغم وحدة اللسان والتاريخ والعرق، لم يصلوا إلى ما وصل إليه الأوروبيون الذين ليسوا بمثل هذا التجانس، لهذه الأسباب:

1- فوقية الفكرة وغياب التدرج

فكما يقول أنس المرزوقي – الباحث في القانون الدولي والعلوم السياسية، «تعتبر الوحدة الأوروبية أولًا وقبل كل شيء مشروعًا فكريًا تبلور في أذهان مفكرين وحكماء وفلاسفة وفقهاء ورجال قانون ومصلحين اجتماعيين، قبل أن يتحول إلى مشروع سياسي تسهم في بنائه مؤسسات تحظى بدعم رؤساء الدول والحكومات وقطاع كبير من النخب السياسية والاقتصادية والاجتماعية في مختلف الدول الأوروبية. هذا المشروع لم يظهر فجأة في صورة نص متكامل قابل للتطبيق على أرض الواقع، وإنما تبلور تدريجيًا، وعلى مدى قرون طويلة، من خلال رؤى فكرية في البداية، تباينت دوافعها وأهدافها كما تباينت مضامينها وما انطوت عليه من وسائل وآليات لحل الإشكاليات والعقبات المتوقعة على طريق الوحدة».

وعلى النّقيض تمامًا، كانت كل التجارب الوحدوية العربية مُجرّد قرارات فوقية يتخذها الزّعماء في فترة ما بناء على تصوّرات وقناعات شخصية، ولم يتم الاشتغال نظريًّا من أجل تهيئة ظروف هذه الوحدة شعبيًا ومُؤسساتيًا، فكان تاريخ زوالها أو توقّف نموّها بالتّسرّع ذاته الذي أطلقت به.

2- شمولية الأنظمة وغياب الدّيمقراطية

تتميّز الدّول الأوروبية بأنها دول ديمقراطية رغم اختلاف أنظمتها السياسية (رئاسي/ برلماني/ ملكي دستوري). ومن هذا المُنطلق كانت الحكومات تعبيرًا عن إرادات الشعوب وترجمة لتطلّعاتها، وهو ما منح لتجربة الوحدة مددًا شعبيًا ساهم في تغذية نموّها. العكس تمامًا هو الموجود في الدّول العربية مع استثناءات قليلة.

3- تغليب المصالح الشخصية والقطرية على المصالح العامة والقومية

وتعتبر هذه النّقطة من أبرز معوقات العمل المُشترك أيًا كان الإطار. فتاريخيًا؛ غابت روح العمل من أجل المصلحة العُليا لدى الزعماء العرب وعندما لم يتم تغليب المصلحة الجمعية تبرز الاختلافات بقدر اختلاف الحسابات.

4- سياسة عدم الإلزام

على عكس الاتحاد الأوروبي الذي يلزم الدول الأعضاء باحترام ما يقره من قوانين وضرورة الالتزام بها؛ اعتمدت وتعتمد الاتحادات العربية سياسة عدم الإلزام في معظم قراراتها، وهو ما حوّل أغلب مُداولات الاجتماعات مكانًا للحديث الذي لا يُتبع ضرورة بالتنفيذ.

5- سعي الدول الكبرى للهيمنة على الدّول الصغرى

عوض البحث عن التكامل وتقوية كل الأفراد بما يعود بالنفع على المجموعة، تسعى الدّول الكبرى للهيمنة والسيطرة على الدّول الصغيرة، الأمر الذي يُحوّل الوحدة إلى وضع سلبي بالنسبة لها.