بدا أن تلك الموجة التي انطلقت من تونس مطلع العقد الثاني للقرن الحادي والعشرين لن تهدأ قبل أن تجرف واقعًا رسخ في الشرق الأوسط لعقود، ثورات وانقلابات وحروب أهلية، احتجاجات سلمية واشتباكات مسلحة، صعود قوى جديدة وانحسار أخرى احتلت الخريطة ردحًا من الزمن، تغيرات اجتماعية وسياسية تدفع بموجات من المجتمع إلى شواطئ الجهاد أو الإلحاد وما بين هذا وذاك وحوله وضده، الكل يبحث عن سؤال الوجود، «قل لي أنت أنا إيه؟ اختر لي بر وانا أرسى عليه!».

ووسط هذا المحيط العربي المضطرب ظلت إسرائيل ثابتة، لا يشغلها على ما يبدو سوى معركتها الأصلية، انتزاع المزيد من الأراضي – والأرواح – الفلسطينية، تاركة جيرانها من العرب يثيرون التساؤل عن موقعها وسط تلك الاضطرابات ويطرحون الأجوبة، كل بحسب موقعه من الصراع، فتارة هي المتآمرة المدبرة للربيع العربي، وتارة أخرى هي الداعم أو المستفيد الأول من الثورات المضادة والأنظمة الرجعية، وثالثة تكون هي واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط فلا يحتاج شعبها لمثل هذه الاضطرابات.

لم لا نبحث عن الإجابة لدى دعاة الثورة في إسرائيل نفسها؟ وقبلما ترتفع النظرة دهشة والسؤال استنكارًا لنبدأ بالقول أن هؤلاء «الثوريين الإسرائيليين» يتواجدون بالفعل، ربما يناسبنا أن نبدأ التعرف عليهم بمفارقة  أن خلال فترات نشاط وتأثير هذا التيار لم يسلم أنصاره من مهاجمة الإعلام الإسرائيلي لهؤلاء «المخربين عملاء حركة فتح»، كان ذلك في وقت سابق أيضًا اعتادت فيه فتح تولي زمام المقاومة لا المفاوضات والتنسيق الأمني.

وما ننبشه بحثًا عن الإجابة في هذا التقرير هي دراسة بعنوان «الطبيعة الطبقية للمجتمع الإسرائيلي» كتبها ثلاثة مفكرون كانوا أعضاء في «المنظمة الإشتراكية الإسرائيلية» في سبعينات القرن الماضي، حاييم هانجبي وموشي ماشوفر وعكيفا أور، وما نعرضه في سبيل الإجابة لا يتعلق بكشف خفايا ولا يهدف لتغيير حكمك أو صورتك العامة، وإنما يسعى فقط لسبر أغوار تلك الصورة ورسم تفاصيل أكثر وضوحًا.

«أنت المقاومة ولو كنت وحدك».. 4 نماذج تبرز العداء الشعبي المصري لإسرائيل

«فسيفساء» التيارات السياسية في إسرائيل

ما هي المنظمة الاشتراكية الإسرائيلية التي أصدرت الدراسة محل اهتمام هذا التقرير؟ قد تُدهش للإجابة، ولكن تجدر الإشارة أولا إلى أن المنظمة نفسها قد انفرط عقدها وتم حلها منذ الثمانينيات، كما تجدر الإشارة أيضًا إلى أنها تكونت أصلًا من مجموعة من الأعضاء المنشقين عن «الحزب الشيوعي الإسرائيلي»، الذي مازال قائمًا حتى اليوم.

تنتمي المنظمة والحزب إلى من يصفون أنفسهم بتيار اليسار الإسرائيلي المعادي للصهيونية، وهو تيار يضم اليسار الراديكالي في إسرائيل، يطالب أنصاره بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، يرون الصهيونية أداة استعمارية للإمبريالية العالمية، وحجر عثرة في طريق تحرر الشعوب العربية والشعب العبري على السواء، يرفضون القومية اليهودية لإسرائيل، يعتبرون المعركة الأصلية هي المعركة بين الاستعمار وأداته، الصهيونية، وبين المضطهدين: فلسطينيين كانوا، أو عربًا إسرائيليين، أو يهود مشرقيين، وعمالًا إسرائيليين وغيرهم، وربما يكون الحل لديهم في تصوره النهائي يضم دولتين لا تشبه فيه إسرائيل ما عليه الحال الآن من جذوره، من فكرة الوطن القومي لليهود نفسها وتبعاتها، دون إغفال أو الصدام مع حقيقة أن تواجد شعبها بصورته الحالية على تلك الأرض قد أصبح أمرا واقعا. 

اعتبرت المنظمة الاشتراكية الإسرائيلية أن الإطاحة بالصهيونية هي المهمة الأولى للثوريين في إسرائيل، وكان النضال ضد الصهيونية هو الأولوية التي تخضع لها كافة القضايا الأخرى مثل نضال الطبقة العاملة الاقتصادي، ومن ثم فقد وجهت المنظمة خطابها داخل إسرائيل للمتضررين من الطبيعة الصهيونية للنظام، الفلسطينيين الذين يعيشون تحت حكم إسرائيل، والشباب الإسرائيلي الذي تدعوه دولته لشن «حرب أبدية فرضها القدر»، ضمت المنظمة في عضويتها عربًا كذلك، كما امتدت جسور الحوار بينها وبين بعض المنظمات والرموز اليسارية الفلسطينية والعربية ورأت إمكانية توحيد نضال الطبقات العاملة ضد الصهونية والإمبريالية، وإمكانية تعايش دولة إسرائيل في أجواء عربية داخلية ومحيطة بها.

ربما يتطلب الأمر لمحة سريعة عن التيارات السياسية في إسرائيل لمزيد من الإيضاح، فبغض النظر عن تلك الأقلية اليسارية المعادية للصهيونية، هناك بشكل أساسي – كما هو الحال في أغلب الدول – اليمين واليسار، وهما في حالة إسرائيل بالطبع صهاينة قائمون على الإيمان بيهودية الدولة، يضم تيار اليمين الإسرائيلي أحزابًا أشهرها «الليكود» و«إسرائيل بيتنا»، وتتعلق أفكاره بشكل رئيسي بشقين، شق رأسمالي يرتبط بتشجيع سياسات السوق الحر والخصخصة ورفع يد الدولة عن الاقتصاد، وشق قومي يتدرج موقفه من الصراع بين القبول بحل الدولتين على مضض أو يتطرف فلا يقبل بوجود دولة للفلسطينيين أو حتى بوجود الفلسطينيين أنفسهم، كما يؤمن هذا التيار أساسًا بالغزو العسكري بدلًا عن الاستعمار الاستيطاني، والذي كان استراتيجية اليسار الصهيوني.

بالنسبة لليسار الصهيوني، الذي يعتبر «حزب العمل» أهم أحزابه، فهو التيار الذي سيطر على الحكم في معظم الدورات الانتخابية طوال عمر دولة إسرائيل، ورأى هذا التيار أن يهودية الدولة لها الأولوية على تحقيق مصالح الطبقات العاملة، ومن ثم فالمصالح الطبقية خاضعة للمصالح الصهيونية داخل المجتمع اليهودي نفسه، وتبنّى اليسار الصهيوني سياسة ما أسماه «غزو العمل» التي دعت أصحاب العمل اليهود من قبل حتى إنشاء دولة إسرائيل إلى إحلال العمالة اليهودية محل العمالة العربية، رغم أن الأخيرة كانت أكفأ وأكثر إنتاجية وأقل أجرًا.

وقع اليسار الصهيوني في تناقضات مع أفكاره النظرية حيث اتضح من البداية أن النضال ضد الإمبريالية العالمية والتعاون مع الحركات الاشتراكية الأخرى يتعارض مع الطموحات الصهيونية، ونتج عن ذلك تحالف اليسار الصهيوني مع الإمبريالية في كل الصراعات بينها وبين القوى المعادية لها في الشرق الأوسط، واعتبر أن مصلحته في استمرار النفوذ الإمبريالي في المنطقة وأن كل انتصار للقوى المعادية لها يشكل تهديدًا لإسرائيل، وبالتالي فقد اقتصرت هويته اليسارية على بعض الإصلاحات الاقتصادية.

لماذا لا يثور الإسرائيليون؟

تختلف الطبيعة الطبقية للمجتمع الإسرائيلي عن غيره، وفقا لتحليل الدراسة، فبينما يحتوي – مثل أي مجتمع – على مصالح طبقية واجتماعية متناقضة تولد صراعًا طبقيًا داخليًا من شأنها تثوير الطبقة العاملة، إلا أن احتمالات قيام ثورة في المجتمع الإسرائيلي تظل ضئيلة، ليس فقط لانخراطه طوال عمره القصير في صراع خارجي يهدد وجوده من الأساس، وإنما لعوامل أخرى داخلية وبنيوية تجعل ملامح هذا المجتمع الاقتصادية والاجتماعية فريدة لدرجة أن محاولة تحليلها من خلال تطبيق النظريات المتماشية مع المجتمعات الأخرى ستكون هزلية.

وبدلًا عن ذلك ترصد الدراسة الخصائص المحددة للمجتمع الإسرائيلي من خلال تاريخه وبنيته الخاصة والفريدة، مجيبة عن سؤال لماذا لا يثور الإسرائيليون؟ لماذا لا تتوحد الطبقة العاملة وضحايا إسرائل خلف المصالح المشتركة في مواجهة النظام الرأسمالي؟ ويمكن فهم ذلك من خلال العوامل التالية:

1- مجتمع من المهاجرين

أول خصائص المجتمع الإسرائيلي أنه تكون بالكامل وعبر مراحل مختلفة من مجموعات من اليهود المهاجرين، والهجرة تنتج خبرة وعقلية أن المرء قد فتح صفحة جديدة في حياته، فيسعى لتغيير مجال عمله ودوره الاجتماعي وطبقته، وبخاصة إذا كان المجتمع الجديد تشغله أصلا مجموعة سابقة من المهاجرين احتلوا أبرز المواقع؛ مما يحفز طموح المهاجر الجديد في تسلق السلم الاجتماعي، ومن ثم فلا يمكن لطبقة عاملة أن تلعب دورًا ثوريًا في مجتمع ما؛ بينما يرغب كل عضو فيها بشكل منفرد في تحسين أوضاعه في إطار الوضع القائم.

فحينما لا ترى الطبقة العاملة نفسها كطبقة اجتماعية مستقرة لها مصالحها الجماعية ومنظومتها القيمية الخاصة، ولكنها بدلًا عن ذلك تتكون من مجموعات من المهاجرين الذين غيروا مكانتهم الاجتماعية والسياسية، فإن الدافع لإحداث تغيير شامل للمجتمع لا ينشأ بسهولة حينئذ.

بالطبع يختلف الحال في زمننا عن زمن نشر الدراسة المذكورة، فلم تعد موجات الهجرة تتدفق إلى إسرائيل، والأجيال الجديدة إسرائيلية المولد، وهو ما يدفع بإمكانية نمو وعي طبقي موحد للطبقة العاملة، وبالتأكيد فإن تأثير الهجرة على المجتمع الإسرائيلي وطموحات أفراده قد خفت بنسبة كبيرة، لكن الهجرة أنتجت خاصية أخرى للمجتمع الإسرائيلي لا يقل تأثيرها أهمية وهي التنوع العرقي.

2- التنوع العرقي للمجتمع

تضرب الدراسة مثالًا أنك إذا سألت عاملًا إنجليزيًا عن أصوله فسيجيب تلقائيًا: أنا من الطبقة العاملة، وسيعرف سلوكه وعلاقاته تجاه الآخرين بمصطلحات ومفاهيم طبقية مشابهة، لكن العامل الإسرائيلي سيجيبك وفق تصنيفات عرقية وإثنية، بولندي مثلا أو مشرقي، وسيقيم نفسه وعلاقاته بالآخرين وفقًا لأصولهم العرقية والجغرافية كذلك، وهذا الوعي الاجتماعي من شأنه أن يعيق لعب الطبقة العاملة لدور مستقل، ناهيك عن دورٍ ثوري.

وبما أن غالبية الشرائح المستغلة في الطبقة العاملة الإسرائيلية هم من المهاجرين ذوي الأصول الآسيوية والأفريقية، فقد عزز ذلك الوعي الاجتماعي الذي يصنف شرائح المجتمع على أساس عرقي بدلًا عن الطبقي، حيث يوجه العمال المنتمون لتلك الأعراق غضبهم إلى كونهم مشرقيين لا إلى كونهم عمالًا، أي أنه يفكر أنه مستغل ويتم التمييز ضده لأنه مشرقي وليس لأنه عامل.

هذا فضلًا عن أن سياق المجتمع الإسرائيلي يجعل وضع العمال المشرقيين بالمقارنة بالفلسطينيين والعرب مثل وضع الفقراء البيض في أمريكا إبان عصر العبودية، وقد كان نتيجة ذلك هو محاولة النأي بأنفسهم عن هؤلاء العرب من خلال الانحياز إلى العناصر الأكثر شوفينية وعنصرية في الدولة الصهيونية.

كانت تراهم عملاء لإسرائيل.. لماذا سمحت الرياض لـ«عرب 48» بالعمل في أراضيها؟

3- مجتمع من المستوطنين

يقول كارل ماركس: إن «الشعب الذي يقهر شعبًا آخر لا يمكن أن يكون هو نفسه حرًا»، وقد تشكل المجتمع الإسرائيلي، بما في ذلك طبقته العاملة، من خلال عملية استيطان لم تنفذ في الفراغ، وإنما في بلدٍ مأهول بشعب آخر، محطمًا الأسطورة الصهيونية حول «جعل الصحراء تزهر» والتي ربما بنيت على اعتقاد ساذج أن «أرض الميعاد» كانت دومًا بانتظارهم صحراء خالية كما تركها بنو إسرائيل قبل آلاف السنين.

 وفي سياق ذلك فقد اعترف موشي ديان، بحسب ما تنقل الدراسة، أن «الفلسطينيين لديهم قضية جيدة جدًا، لقد زرعنا حقولهم أمام أعينهم»، ومن ثم فإنه في مجتمع يقهر حكامه شعبًا آخر تصبح الطبقة المستغلة التي لا تعارض هذا القهر شريكة فيه، وتميل في هذه الحالة إلى تذيل حكامها بدلًا عن تحديهم، خاصة عندما لا يمارس هذا القهر في بلد بعيد، وإنما بالداخل، حيث يشكل قهر وطن ومصادرته شرطًا من شروط نشأة ووجود المجتمع القامع، لذا فإنه طالما هيمنت الصهيونية سياسيًا وأيديولوجيًا وشكلت الإطار المقبول للسياسة فليس ثمة فرصة لأن تصبح الطبقة العاملة الإسرائيلية طبقة ثورية.

4- مجتمع ذو امتياز.. تدفق رأس المال

يتمتع المجتمع الإسرائيلي بامتياز فريد، وهو تدفق الموارد المادية من الخارج بما لا يضاهى بغيره، بحسب وصف الدراسة التي تسجل أن إسرائيل في عام 1968 تلقت وحدها 10% من إجمالي المعونات التي تلقتها الدول النامية في العالم، وعلاوة على ذلك فإن الإمبريالية تمول إسرائيل دون أن تستغلها اقتصاديًا، وإنما فقط لخدمة أغراضها السياسية مقابل دعم دولتهم أو للقيام بدور «كلب الحراسة» كما وصفته جريدة «هآرتس» الإسرائيلية ذات مرة. 

وقد خلصت الدراسة من خلال تحليل أرقام المعونات والتبرعات الخارجية لإسرائيل أن نمو الاقتصاد الإسرائيلي قد تأسس بالكامل على تدفق رأس المال من الخارج، كما أن الاعتماد على المنح الأجنبية جعل الصراع بين الطبقة العاملة الإسرائيلية وأصحاب الأعمال لا يدور حول فائض القيمة، وإنما حول حصة كل منهم من من هذا الدعم الخارجي.

من المنطقي إذًا افتراض أنه في حالة تبني إسرائيل لسياسة مبدأية ومعادية للإمبريالية فإن هذا يهدد ذاك التدفق السخي للأموال الذي يعد أبرز أسباب الرخاء والنمو الاقتصادي للمجتمع الإسرائيلي، ولذا فعلى الرغم من وجود صراعات طبقية داخل هذا المجتمع إلا أنها مقيدة بحقيقة أن المجتمع ككل مدعوم من الخارج.

5- القبضة القوية لاتحاد العمال

سيطر اتحاد العمال الإسرائيلي المعروف بـ«الهستدروت» على قطاع كبير من الاقتصاد والطبقة العاملة في إسرائيل، حيث كان الاتحاد مسؤولًا عما يزيد عن ربع الدخل القومي لإسرائيل، وضم في عضويته أكثر من ثلث الشعب الإسرائيلي (أو ما يعادل ثلثي القوة العاملة)، ويعتبر «الهستدروت» كما تصفه الدراسة هو مفتاح القبضة التي تحكمها بيروقراطية الدولة الإسرائيلية على طبقتها العاملة.

وفقًا للمبادئ الأساسية للهستدروت فإن المصلحة القومية لها الأولوية على المصالح الاقتصادية والاجتماعية، لذا فقد لعب دورًا أساسيًا في عملية الاستيطان والاستعمار الزراعي وتطبيق شعارات «غزو العمل» و«غزو الأرض»، وكانت المصالح الصهيونية همّه الأول على حساب دوره كاتحاد عمال.

كما وُضعت آلية بيروقراطية أخضعت تنظيم الاتحاد بالكامل لإدارة ورؤساء منتمين طوال الوقت لأحزاب سياسية، صهيونية بالطبع، مما أفقد الاتحاد أي استقلال، وقد كان هو وسيلة العمال الإسرائيليين للحصول على حقوقهم الاقتصادية وأهمها التأمين الصحي، ومن يخرج من جنته – بإضراب أو اعتصام أو غيره من الاحتجاجات العمالية – فإنه قد يحرم مما يبدأ بتلك الحقوق وربما يصل أحيانًا إلى الإجبار على ترك إسرائيل.

نبوءة «الربيع الإسرائيلي» التي لم تتحقق

تزعزعت الثقة بين العمال الإسرائيليين و«الهستدروت» في عدة محطات، وتحصر الدراسة ما يزيد عن الألفي إضراب للعمال الإسرائيليين خلال 20 عامًا الأولى من عمر الدولة (1948 – 1968)، تراوح عدد المضربين فيها بين 5 آلاف إلى 90 ألف عامل، وقد تعاملت الدولة إزاء هذه التحركات العمالية بالمحاكمات أو بالقوات الأمنية أو بإجبار «الهستدروت» للعمال على العودة للعمل، إلا أن الأمر لم يستمر دومًا على نفس المنوال.

في منتصف تسعينات القرن الماضي تعرض الهستدروت للضربة الأكبر في تاريخه؛ إذ تم فصله عن صندوق المرضى العام الذي كان يكفل التأمين الصحي لأعضائه، والذي كان في الواقع السبب الرئيس لانضمام القطاع الأكبر منهم، وبفصله عن «الهستدروت» انفصل معه مئات الآلاف من الأعضاء، حاول الاتحاد إثر ذلك استعادة قواه حتى بالصدام مع الحكومة أحيانًا وتنظيم إضرابات عمالية واسعة.

وكان أبرز خصوم الاتحاد هو بنيامين نتنياهو إبان توليه لوزارة المالية مطلع الألفية والذي وصف قيادات «الهستدروت» ذات مرة بـ«القتلة» المتوحشين وحملهم المسؤولية عن الأزمة الاقتصادية في إسرائيل، لكن النظر إلى ما يمثله اتحاد العمال الإسرائيلي اليوم يكشف لنا أنه لم يعد يضم أكثر من 6% من الشعب الإسرائيلي (13% من القوة العاملة).

احتجاجات إسرائيلية تستلهم شعارات الربيع العربي

مع تراخي القبضة القوية للـ«هستدروت» قد يطرح هذا سؤالًا حول مدى إمكانية تساقط الموانع الأخرى من قيام الثورة الإسرائيلية، عندما يصل الأمر لنقطة «الثورة الإسرائيلية» ترمي الدراسة الكرة في ملعب العرب، إذ يرى مؤلفوها أن قيام حراك ثوري في العالم العربي قد يغير من الوضع الداخلي لإسرائيل، في البداية سيتم استخدام إسرائيل لوأد الحراك الثوري العربي، ولكن عندما تفشل محاولتها سيتغير ميزان القوى، وهو ما سيغير بالتبعية من دور إسرائيل العسكري والسياسي ويحجم نفعها للإمبريالية، وبانتهاء هذا الدور والمزايا المتصلة به، سيصبح النظام الصهيوني – المعتمد على تلك المزايا – عرضة للتحدي من داخل إسرائيل نفسها.

والواقع أن الظروف سمحت أخيرًا باختبار عملي سريع لتلك النظرية وإن لم تكن الحياة وردية بما يكفي لحصد ثمارها، ففي عام 2011 الذي أظهرت فيه الجماهير العربية إقدامًا غير مسبوق واستعدادًا نادرًا للتضحية في سبيل حريتها وحقوقها، امتدت تلك الموجة في الواقع لتغمر الشعب الإسرائيلي نفسه -قبل حتى أن يفقد النظام الصهيوني مزاياه- بأكبر حراك جماهيري في تاريخه، والذي طالب بتحقيق العدالة الاجتماعية خلال احتجاجات امتدت لأكثر من شهر ونصف، وقارب عدد المتظاهرين فيها نصف المليون لشعب لم يبلغ أفراده آنذاك 8 مليون نسمة.

لم يكن الحراك الإسرائيلي منفصلًا عما دار حوله من ثورات عربية، فقد استلهم المتظاهرون لافتة «ارحل» الشهيرة التي توسطت ميدان التحرير في الثورة المصرية، ورفع بعضهم لافتة تحمل عبارة «امش مثل مصري»، كما تكررت خلاله مشاهد ترديد المتظاهرين لهتافات الربيع العربي والتنديد بطغاته جنبًا إلى جنب مع نتنياهو، لكن لم يتغير ميزان القوى كما أملت الدراسة، وإنما نجحت القوى القديمة في أغلب بلدان الربيع العربي في استعادة توازنها والسيطرة على المشهد من جديد أو على الأقل إفساده على الجماهير الطامحة للتغيير، ومن ثم بقي وضع إسرائيل أيضًا على ما هو عليه.

معركة «أصحاب السبت» في إسرائيل.. هل ينتصر الشيكل على التوراة؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد