تبرز مقولة «الاعتراف سيد الأدلة» عند اعتراف أحدهم بجريمة ما، لكن الاعتراف ربما لا يكون صحيحًا في كثير من الأحيان، حتى وإن كان بإرادة حرة.

يرى البعض أننا لا نحتاج أكثر من اعتراف المتهم حتى نتيقن تمام اليقين وبما لا يدع مجالًا للشك أنه نفذ بالفعل التهم المُوجهة إليه، حتى وإن لم تكن هناك أدلة مادية كافية تؤكد قيامه بما هو منسوب إليه، لا يهم، الأهم أنه اعترف.

وربما نشك في مدى بطلان الاعتراف، فقط إذا عرفنا أن المتهم تعرّض لتعذيب بدني أثناء التحقيق جعله يعترف بما لم يفعل، لكن الأمر لا يقتصر على ذلك، فهناك العديد من الأسباب الأخرى التي تجعل المُتهم يعترف بأشياء لم يرتكبها، حتى وإن لم يتعرض لأي عنف جسدي.

تاريخ

منذ 6 شهور
هانس شارف.. المستجوب النازي الذي استخدم «الود» في استجواب أسراه

كان الصبي الأمريكي بيرتون لا يتجاوز السادسة عشر من عمره حين اعترف بقتل والدته، وفي الواقع هو لم يقم بهذا.

بعد ساعات من استجوابه، أخبر الصبي الشرطة بما يريدون سماعه. عمل محامون من عدّة منظمات لأكثر من عقد من الزمان لتبرئته. وقدموا وقائع تتعارض مع الاعترافات، وأظهروا أدلة على سوء سلوك النيابة، لكن بالنسبة لمكتب المدعي العام لمقاطعة برونكس، فاق اعتراف بيرتون جميع الأدلة الأخرى.

لم يكن بيرتون الحالة الوحيدة؛ إذ ظهرت مئات الحالات الأخرى لمتهمين قدّموا اعترافات كاذبة تُدينهم، ففي عام 1819 اعترف رجل بارتكاب جريمة قتل، ونجا بصعوبة من الشنق عندما عُثر على ضحيته المُفترضة على قيد الحياة في نيو جيرسي.

ما سبب اعتراف الشخص بجريمة لم يرتكبها؟ هذا هو السؤال الذي حاول بعض علماء النفس تقديم إجابته.

1. الضغط النفسي الشديد

شاول كاسين هو عالم نفس في كلية جون جاي للعدالة الجنائية في مدينة نيويورك، ويُعدّ أحد الخبراء العالميين البارزين في الاستجواب، وقضى سنوات في دراسة تقنيات الاستجواب لدى الشرطة، ومنها أسلوب «ريد» للاستجواب، وهو الأسلوب شبه العالمي الذي يُدرس للشرطة.

استُخدم هذا الأسلوب لأول مرة في عام 1962 من قِبل جون ريد، وهو محقق سابق في شيكاغو وخبير في كشف الكذب، وأستاذ القانون في جامعة نورث وسترن. يقول كاسين عن هذه الطريقة للاستجواب: «لقد شعرت بالرعب بسببها».

يبدو استجواب ريد مختلفًا. في البداية، يبدأ بتقييم سلوكي، فيطرح الضابط أسئلة بعضها غير ذي صلة، والبعض الآخر استفزازي، فقط لمراقبة ظهور أي علامات للخداع لدى المتهم، مثل النظر بعيدًا أو التراخي أو عقد الذراعين.

ثم ينتقل المحقق إلى المرحلة الثانية، الاستجواب الرسمي، فيكثف الاستجواب، ويتهم المُشتبه به مرارًا وتكرارًا، ويصرّ على سماع التفاصيل، ويتجاهل كل الإنكار.

في الوقت نفسه ربما يُقدّم المحقق التعاطف والتفاهم، ويُقلل من البُعد الأخلاقي – وليس القانوني – للجريمة ليُسهل الطريق إلى الاعتراف. مثال: «لم يكن هذا ليحدث أبدًا إذا لم تكن تلك المرأة ترتدي ملابس مثيرة»، أو «قطعًا أنت كنت تقصد الخير، لكن الأمور سارت هكذا رغمًا عنك».

Embed from Getty Images

اشتبه كاسين في أن كل هذا الضغط ربما يؤدي في بعض الأحيان إلى اعترافات كاذبة.

أخبر محقق آخر كاسين أنه لا يكذب على المتهم بشأن الأدلة الموجودة أثناء الاستجواب، لكنه يقول له إنه يتوقع ظهور أدلة جديدة ربما تدينه. فمثلًا، ربما يُخبر المحقق المشتبه فيه أنه ينتظر نتائج المختبر على الحمض النووي من مسرح الجريمة.

ربما تعتقد أن القيام بذلك سيجعل الأبرياء ينكرون الجريمة بشدة لأنهم يتوقعون أن النتائج ستبرئهم. ومع ذلك، أجرى كاسين مقابلات مع رجال نالوا البراءة، قالوا: «إن إعلان المُحقق لاحتمال ظهور أدلة جديدة تدينهم كان له تأثير مفاجئ لهم، ودفع هذا بعضهم للاعترف فقط للخروج من الموقف الضاغط والمُجهد نفسيًا».

2. استخدام جهة التحقيق لأساليب الخداع

في جزء من أسلوب ريد السابق ذكره، تستخدم جهات التحقيق أحيانًا أساليب خادعة عند استجواب المشتبه بهم.

في بعض الحالات، يكذب المُحققون ويدّعون أنهم جمعوا بالفعل أدلة جنائية مهمة لإثبات ذنب الشخص، على الرغم من أنهم لا يملكون أي دليل على الإطلاق.

مثلًا يخبرون المشتبه به أنهم وجدوا الحمض النووي الخاص به في مكان الحادث، عند مواجهة المتهم لمثل هذه الادعاءات، يمكن أن يشعر الشخص البريء بسهولة بالضغط الشديد الذي يدفعه للاعتراف.

كذلك في كثير من الحالات تُخبر الشرطة المُشتبه بهم أن الأدلة التي جُمعت ضدهم قوية للغاية لدرجة أنهم حتمًا سيُدانون، ولكن إذا قدّموا اعترافًا، فسيحصلون على حكم أكثر تساهلًا، بسبب هذا، وحتى في حالة عدم وجود هذه «الأدلة القوية»، يشعر الفرد أنه ليس لديه خيار سوى الاعتراف من أجل تجنب عقوبة السجن المُطولة أو عقوبة الإعدام، حتى لو لم يكن الاعتراف صحيحًا.

Embed from Getty Images

3. الهشاشة النفسية للخاضعين للتحقيق

بعض الناس أكثر عرضة لخطر التأثر بأساليب التحقيق المتلاعبة أكثر من غيرهم، ومنهم أولئك الأكثر قابلية للإيحاء أو الذين يهدفون إلى إرضاء الآخرين، على سبيل المثال.

من المُرجح أن يتفق هؤلاء الأشخاص مع رواية الضابط للحدث، أو يغيرون الإجابات بناءً على التعليقات التي يتلقونها من المُحقق. كذلك يمكن أن يؤدي تدني الثقة بالنفس وحتى الحرمان من النوم إلى زيادة احتمالية الاعتراف الكاذب.

ربما يكون الشباب وذوو الإعاقات العقلية هم الأكثر عُرضة لحدوث هذا، فربما يكون لديهم تقدير أقل للعواقب، أو أنهم يركزون فقط على المكافأة قصيرة المدى، وهي إنهاء هذه المقابلة.

وفقًا للسجل الوطني الأمريكي للتبرئة، فإن 49% من الاعترافات الكاذبة التي برأتها أدلة الحمض النووي كانت من أشخاص تقل أعمارهم عن 21 عامًا. علاوة على ذلك فإن الأشخاص الذين يُعانون من الإجهاد، أو الاضطرابات النفسية، أو يمرون باضطراب ما بعد الصدمة أثناء التحدث مع الشرطة هم أكثر عرضة للإدلاء باعترافات كاذبة.

يجب عدم الاعتماد على اعتراف هؤلاء فقط عند استجوابهم، وأن يُجرى فحص دقيق للأدلة التي ربما تنفي اعترافهم هذا من الأساس.

علوم

منذ سنتين
من أجل الحصول على المعلومات.. هل ينقذنا تعذيب المتهمين من الأعمال «الإرهابية»؟

4. تمسك المتهم البريء بالأمل

يؤدي زيادة الضغط والإرهاق على المشتبه به أثناء الاستجواب إلى دفعه للاعتراف كذبًا، بالرغم من إدراكه أحيانًا لعاقبة اعترافه التي قد تصل به إلى حبل المشنقة، إلا أنه يفعل هذا فقط للخروج من الموقف، أي الخروج من غرفة الاستجواب، معتقدًا أنه سينال البراءة بسهولة لاحقًا بمجرد ظهور المزيد من الحقائق.

يحدث هذا لأن المشتبه به البريء غالبًا ما يحاول التمسك بالأمل، فيُخبر نفسه أن الحق سيظهر، سواء بالقانون أو بعدالة السماء، وما عليه سوى الصبر، معتقدًا أنه نظرًا لأنه غير مذنب، فسيطلق سراحه في النهاية، لذلك فهو يعتبر اعترافه اعترافًا «مؤقتًا» إلى أن يتحقق له ما يأمل به.

5. محاولة حماية شخص آخر

ربما يكون المُتهم مُدركًا تمامًا لاعترافه، ويستطيع الصمود والتمسك بأنه بريء، لكنه لا يفعل؛ لأنه يُحاول حماية شخص آخر، وربما يكون هذا الشخص فردًا من أفراد أسرته يخشى أن يطاله سوء، وربما يعترف أيضًا بما لم يفعل؛ لأنه يُحاول أن يُزيل أصابع الاتهام عن شخص آخر يهمه أمره.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد