هيمنت أنباء اغتيال السياسي الروسي المعارض، بوريس نمتسوف، على وسائل الإعلام في الفترة الأخيرة. وقد غدا من الصعب تخيل أن شخصية بارزة ذات كاريزما مثل بوريس، الذي دخل المعترك السياسي إبان فترة حكم يلتسين؛ ستغيب عن الحياة السياسية دون أن تعاني المعارضة الروسية من أن يكون لها صوتٌ مسموع في الكرملين. لكن نمتسوف كان في الحقيقة قوة يصعب التعامل معها. فرغم انفتاحه على بوتين وآرائه الجريئة التي أدلى بها في حديث إذاعي قبل موته بساعات، لم يكن شخصية هامة. فقد كان طرفًا هامشيًا في السياسة الروسية، لأن الغالبية العظمى من الروس تدعم رئيس البلاد، فلاديمير بوتين.

أظهر استطلاع للرأي، أجرته وكالة أبحاث سوق روسية لا تهدف للربح في فبراير الماضي وشمل 1600 روسي من أعمار مختلفة ومن 46 منطقة في روسيا، أن 54% من المستطلعة آراؤهم يعتقدون أن روسيا تمضي في الاتجاه الصحيح. وأن 86% يعتبرون فلاديمير بوتين رئيس روسيا، وعندما طُلب منهم ذكر أسماء خمسة أو ستة سياسيين أو مسئولين حكوميين يثقون بهم، رد 59% باسم بوتين.

دعونا نستبعد فكرة تزوير استطلاعات الرأي، لأنه من الصعب افتراض أن شعبية بوتين زائفة. يحظى بوتين بالاحترام إن لم يكن بالتقديس. فهو يشار إليه باسم “batyushka” أو “الأب المقدس”. وقد غضب العديد من الروس بعد مقتل نمتسوف، لأن أصابع الاتهام الغربية اتجهت صوب بوتين. فهم يعتقدون أن قتل نمتسوف محاولة لزعزعة استقرار روسيا وإشعال العداء بين الكرملين والغرب. “مع كامل الاحترام لذكرى بوريس نمتسوف، فبمصطلحات سياسية، لم يكن يمثل أي تهديد للقيادة الروسية الحالية أو لفلاديمير بوتين” قال ديمتري بيسكوف السكرتير الصحفي للرئاسة. وواصل: “إذا أجرينا مقارنة على مستوى الشعبية، فإن بوريس نمتسوف كان أكثر من مواطن عادي بقليل مقارنة ببوتين والحكومة”.

تقول الكاتبة إنها أرادت فهم سبب حب ودعم الروس للرئيس. لذا تحدثت إلى عدد من الأشخاص من أعمار متفاوتة، والذين ساعدوها على استنتاج الأسباب التالية لحبهم لبوتين.

1- بوتين قائد قوي

لطالما تحسنت أحوال روسيا مع القادة الأقوياء ولكنْ الدكتاتوريين والقمعيين. أما القادة الهرمون والمرضى والمترددون أمثال غورباتشوف، الذين حاولوا إسعاد الجميع، فلم يحظوا بالثقة أو الاحترام. فصورة الرئيس العامة تعزز من سلطته. “إن بوتين بلا شك هو أقوى سياسي في روسيا، فهو متحدث عبقري لبق، ويتحكم في كل الحوارات ويجيد التخطيط الإستراتيجي، في حين أن نظراءه يكتفون بردود الفعل فقط”.

2- بوتين هو من بنى الطبقة الوسطى في روسيا

ثمة اعتقاد شائع بأن الروس إما شديدو الثراء أو يغرقون في الفقر المدقع. فأنت لست في حاجة إلى السفر إلى موسكو لترى أن العديد من الروس يمتلكون الآن سيارات لائقة، ويسافرون إلى الخارج ويرتدون ثيابًا أنيقة ويتحملون شراء أي ما يشير إلى وجود الطبقة المتوسطة. فمنذ قدوم بوتين إلى السلطة، ارتفع الناتج القومي الروسي بالنسبة إلى رأس المال من 49800 روبل عام 2000 إلى 461300 في عام 2013.

3- ساهم بوتين في تحسين مستوى الرفاهية

تحدث مدير مبيعات شاب عن الإصلاحات التي أدخلها بوتين، وعن زيادة المعاشات والاستثمار في التعليم والصحة والبنية التحتية وقوانين الأمن الاجتماعي، التي سعت إلى تشجيع العائلات على الإنجاب ومعالجة تناقص معدل الزيادة السكانية.

4- أعاد بوتين إلى روسيا هيبتها

خلال المدة التي قضاها في السلطة، أظهر بوتين إخلاصه في إبراز القيم التي يهتم بها الروس وهي: وحدة بلادهم وقدرتها على التأثير في العلاقات الدولية، وأيضًا قدرتها على تحدي إملاءات الولايات المتحدة. ربما يكون هذا العنصر المحوري في شعبية بوتين. تقول سيدة في الثلاثينات من العمر: “لا يتعلق الأمر بالاقتصاد أو الرفاهية، وإنما يتعلق بالتفكير على نطاق أوسع عالميًا”. لقد أعاد بوتين بناء صناعة الدفاع الروسية وجعل منها أولوية إستراتيجية، وباستيلائه على شبه جزيرة القرم، يكون قد حمى قاعدة الجيش الروسي في البحر الأسود، وقد كان ذلك مسلكًا هامًا في خضم تصاعد النبرة العدائية من أميركا والناتو. لقد استعاد الروس احترامهم لذاتهم، وتجاوزوا الأزمة المالية التي ضربت روسيا في التسعينات واستعادوا الشعور بالفخر الوطني.

5- ليس هناك بديل لبوتين

وأخيرًا، ليس هناك مرشح بديل لبوتين يمكن لروسيا التعويل عليه. فبناء معارضة ذات مصداقية سيتطلب بعض الوقت، على الرغم من أن الأوضاع هناك بالكاد تسمح بذلك. بل إن حتى الداعمين المعتدلين لبوتين يوافقون على أن قادة المعارضة الحاليين غير مقنعين ويفتقرون إلى القدرات. كما أن لبوتين سجلاً حافلاً من تحقيق الاستقرار الاقتصادي. إن الروس معتادون بشكل كبير على فساد المسئولين الحكوميين، لذا فإن الاعتقاد السائد حول تغير السلطة هو أن شاغل الوظيفة الحالي هو “الأقل سوءًا”. تقول سيدة في الستينات: “ما مشكلة بوتين؟ على الأقل هو يحافظ على وحدة البلاد. انظري إلى ما حدث في أوكرانيا وكيف غدت مجزأة، وشعبها تعدى مرحلة اليأس”.

نجا الشعب الروسي من العديد من المحن منذ الغزو المنغولي في القرن الثالث عشر، وهو ما دمر السلام والاستقلال والثقافة والمدن. وربما يكون هذا التاريخ المبكر فضلاً عن الحرب الأهلية التي تلت الثورة البلشفية، والمجاعة التي تلتها والحرب العالمية الثانية والقمع الذي مارسه ستالين، هو ما يؤشر على تحمل الروس للمحن أكثر من الغرب. لا يبحث الروس عن الازدهار بل عن الاستقرار. فهم يكترثون بشكلٍ أقل بالحرية الفردية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد