ترجمة: الخليج الجديد

مثل رحلات الحج في السابق إلى الصين والاتحاد السوفيتي، فإن هجرة الغربيين للانضمام إلى مجموعة «الدولة الإسلامية£ تشير إلى تقاطع كل من التنافر وأمل المدينة الفاضلة.

في كتابه «حجاج سياسيون» فضح عالم الاجتماع «بول هولاندر» وعرّى في الوقت ذاته العقلية من نوع معين للمثقف الغربي، والذين هو على استعداد لتمديد التعاطف لأي نظام سياسي منافس فعليا.

يتحدث الكتاب عن رحلات المفكرين الغربيين في القرن العشرين إلى الاتحاد السوفيتي والصين وكوبا، وكيف كان هؤلاء المسافرون السياسيون قادرون على العثور في هذه الدول القمعية على نموذج «المجتمع الصالح»، والذي يمكنهم فيه استثمار أمالهم البراقة. وثائق «هولاندر» بطريقة اتسمت بالقسوة وفصّلت كيف أن ما يحرك دافع المدينة الفاضلة هو الاستياء العميق من مجتمعاتهم، والذي قاد هؤلاء إلى إنكار أو اختلاق الأعذار عن العيوب الأخلاقية الضخمة من الأماكن التي زاروها.

ولكن أهمية حجيج السياسة تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك، ورؤيتها السياسية قد تساعد في إلقاء الضوء على عقلية هذه المجموعة الحديثة والمقلقة من الحجيج، أعني أن المهاجرين الغربيين إلى «الدول الإسلامية» الذين هجروا ونفروا من مجتمعاتهم يمكنهم خلق نموذج ما يسمى بـ«الدولة الإسلامية» وجعله أولوية لهم، غاضين النظر عن انتهاكاتها الفظيعة لحقوق الإنسان

وتشير التقديرات إلى أن حوالي 4000 شخصا تركوا منازلهم في الغرب للهجرة إلى تنظيم «الدولة الإسلامية». العديد منهم أصبحوا مجاهدين على أمل واضح متمثل في تحقيق الشهادة. عدد كبير من النساء يزيد عن 550 امرأة، يبدو أنهن ذهبن ليصبحن أمهات للجيل القادم من «أسود الجهاديين». والبعض قد ذهبن للمساهمة بالخبرة الطبية، وآخرون للمساعدة بما يقدرن عليه. دوافعهم مختلطة تماما كما هي خلفياتهم. وفي الواقع، فإن الحقيقة المدهشة عن هؤلاء الحجيج الجدد إنها لا تناسب أي تعريف. إنهم يمثلون طيفا واسعا من البشر، من مغني الراب السابق، وعصابات الشوارع إلى الشيوخ والطلاب الموهوبين.

وفي ظاهر الأمر، هما يشاركان القليل من القواسم المشتركة مع المثقفين السريين للحجيج السياسيين. وما زال نفورهم من المجتمع الغربي وقوة إيمانهم في نظام بديل أفضل بكثير من ذلك، وذلك يتضح في المقابلات التي قدموها، وغيرها من الشهادات الشخصية، وتشير إلى أنهم يتقاسمون بعض الاستياء والحساسيات الموجودة في دراسة «هولاندر».

من بين الأمثلة التي لا تعد ولا تحصى من الحماقة التي ذكرها «هولاندر» في كتاب« سيدني وبياتريس ويب» عن الشيوعية السوفياتية، «أهي حضارة جديدة؟»، والذي يمدح فيه النظام الجنائي السوفياتي لروحه التقدمية. في وقت كان فيه النظام «في أسوأ مراحله القاتمة ومنطويا على الإرهاب».

كيف أن عائلة «ويب» وغيرهم مثلهم كانوا مخطئين جدا؟ لقد كانوا حمقى بشكل واضح، لكنهم لم يكونوا أغبياء. ويكتب «هولاندر» إنه في الواقع هناك العديد من المثقفين في المسح الذي قام به حظوا بالتبجيل على نطاق واسع لذكائهم القوي وشكوكهم الحية. ويدعي «هولاندر» بدلا من ذلك أنهم أرادوا أن يُخدعوا بشأن الفشل وعمليات النهب من المجتمعات التي تمت زيارتها. وهذا كان بدوره لأنهم،  من الناحية النفسية، كانوا حتاجون للإيمان بوجود نظام اجتماعي مثالي لا يمثل فقط مُثلهم العميقة، ولكنه أيضا يتيح التعبير عن شكوكهم إزاء مجتمعاتهم.

وكتب عالم الاجتماع «كارل مانهايم» إن «التفكير الرغبي موجود دائما في الشؤون الإنسانية. عندما لا يجد الخيال أي ارتياح في الواقع القائم، فإنه يسعى إلى ضالته في الأماكن والفترات المشيدة بناء على الرغبة». ويستنسخ «هولاندر» هذا الاقتباس مستحسنا إياه في مقدمته لكتاب «حجاج سياسيون» وأحد المزايا الكبيرة لكتابه هي الوضوح الذي يصاحبه القوة، ما يدل على مدى الرغبة التي يمكن أن تحل محل التفكير النقدي.

الهجرات الأخيرة للدولة الإسلامية، تماما مثل رحلات الحج السياسية في السابق، ما تزال مجرد شهادة على قوة التفكير الرغبى وكيف يمكن أن تكون الرغبة هي السبب.

في وقت سابق من هذا الشهر، وردت تقارير تشير إلى أن عائلة لندنية مكونة من 12 فردا، وفقا لهيئة الإذاعة البريطانية، بينهم طفل واثنين من الأجداد قاموا برحلة إلى سوريا. وكانت هذه هي العائلة الثانية التي يعتقد أنها غادرت المملكة المتحدة إلى «الدولة الإسلامية» منذ مايو/أيار. هل أرغمت الأسرة على الذهاب إلى هناك أم أن هناك من الأقارب من نجح في التلاعب بالأسرة كلها لتذهب إلى سوريا؟ إنها ليست فرصة، إذا كان هناك بيان صحفي من العائلة موثوق به. لقد حصلت شبكة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» على بيان صادر عن فرد يدعي أنه مقاتل ضمن صفوف «الدولة الإسلامية»، على الرغم من أن المؤسسة الإعلامية لم تتمكن من التحقق من صحته.

لقد قال: «لم نجبر على فعل شيء خارج إرادتنا»، واصفا أرضا «خالية من الفساد وظلم القانون الوضعي … فيها يعيش المسلم بلا قهر عند ممارسة دينه، وفيها لا يخاف الأب والأم على أولادهم من الفجور، فيها يعيش المرضى وكبار السن لا يعانون، ليس فيها تحيز لعرق أو لطبقة اجتماعية». كما أشار بسخرية إلى ما يسمى بـ «الحرية والديمقراطية» في الدول الغربية.

ويخدم البيان، كما أشار الباحث «شيراز ماهر»، بوضوح غرضا دعائيا، وأنه يمكن أن يكون إلى حد كبير افتراء. ولكنه أيضا يعكس بدقة المشاعر التي عبر عنها المهاجرون الغربيون الآخرون الذين قاموا بالرحلة إلى سوريا، والذين سخروا في منشورات وسائل الإعلام الاجتماعية من فكرة أنها ربما يجرى لهم «غسيل دماغ» يجعلهم يسارعون بالانضمام إلى «الدولة الإسلامية». وعلاوة على ذلك، فإنه يتمخض عن موضوعين مرتبطين ارتباطا وثيقا لا غنى عنهما لفهم عقلية المهاجرين الغربيين: النفور وأمل المدينة الفاضلة.

مشروع «خلافة الدولة الإسلامية»، لأنه يوفر بديلا مثاليا للمجتمع العلماني الغربي، يتحدث مباشرة إلى أولئك الذين يشعرون أن حياتهم لا قيمة لها، وانتهت من الناحية الروحية، وباتت مملة فارغة خالية من أي هدف، والذين لا يرون أي قيمة في مجتمعاتهم . إنها تعد، وباختصار، بالخلاص وبالهدف النهائي من خلال الالتزام الكامل بقضية مقدسة. وقال أحد الجهاديين البريطانيين في شريط فيديو «لا أعتقد أن هناك ما هو أفضل من العيش في أرض الخلافة. خال التهنئة من أرض الخلافة». «أنتم لا تعيشون في ظل القمع. … أنتم لا تعيشون تحت حكم الكافرين. … نحن لسنا بحاجة لأي نظام ديمقراطي. … كل ما نحتاجه هو الشريعة».

وهناك مواضيع مماثلة تظهر بقوة في تقرير صدر مؤخرا عن المهاجرات الغربيات. واستنادا إلى منشورات وسائل الإعلام الاجتماعية للمهاجرين الذين عرّفوا بأنفسهم بعد ظهورهم داخل الأراضي التي تسيطر عليها «الدولة الإسلامية»، وجد الباحثون أن التنافر من المجتمع الغربي والغضب من المظالم المعروفة والمشهودة ضد المسلمين في جميع أنحاء العالم، جنبا إلى جنب مع الإحساس القوي بالنداء الباطني والإيمان الذي لا يتزعزع في الخلافة الناشئة حديثا، تشكل أساسا لماذا هؤلاء النساء يرتحلون للانضمام إلى «الدولة الإسلامية».

من هذا، فمن الواضح أن رحيلهما راجع بشدة إلى الفساد المستشري والقمع في الداخل نظرا للرغبة في رؤية «الدولة الإسلامية» كمجتمع خيالي من أي من هذه الانحرافات العلمانية. ولعل هذا يفسر أيضا كيف أن المهاجرين الغربيين إلى الخلافة يمكنهم تجاهل أو إهمال كما كبيرا من أدلة الاتهام ضد «الدولة الإسلامية»، على الرغم من كل الأدلة الجلية، والمخاطرة بكل شيء لأجل الانضمام إليها.

وفي بريطانيا، حيث قدم رئيس الوزراء البريطاني «ديفيد كاميرون» هذا الأسبوع استراتيجية مكافحة الإرهاب في إطار ما وصفه بــ «نضال جيلنا»، والذي أثار جدلا حول «الدولة الإسلامية» وأساليبها فيما يتعلق بموضوع التجنيد. فعلى جانب واحد هؤلاء، بما في ذلك المسؤولون البريطانيون  الذين يصورون مجندي الدولة الإسلامية بـ «الضعفاء » أو الشباب سريع التأثر، الذي على الرغم من نواياه الإجرامية فهم في الواقع ضحايا. وعلى الجانب الآخر هناك هؤلاء، في كثير من الأحيان الأكاديميين والناشطين في مجال حقوق الإنسان، الذين يقولون بالمثل إن من تجندهم الدولة الإسلامية ضحايا، ولكنهم ضحايا السياسات والإجراءات الحكومية القمعية أكثر من سائسي الجهاديين الأشرار. المشكلة مع كل خطوط الحجة هي أنها تنكر وكالة أولئك الذين ينضمون إلى «الدولة الإسلامية»، وتطمس المثالية الدينية التي تحفزهم.

واحدة من أكبر التحديات المرتبطة بجهود الرسائل المضادة ضد «الدولة الإسلامية» هي طريقة الطلب من المهاجرين إعادة النظر في تصوراتهم الايجابية عن الجماعة والدولة التي أعلنتها بنفسها. لأنه من الممكن أن يرغب المهاجرون المحتمل انضمامهم إلى «الدولة الإسلامية» في أن يكونوا مخدوعين بشأن عمليات النهب التي تقوم بها على نطاق واسع. وكما لاحظت كريستينا نمر – مستشار مكافحة الإرهاب السابق للولايات المتحدة – في الآونة الأخيرة أن الناس تدفع بمعلومات التهديد «بعيدا لأجل معلومات تؤكد معتقداتهم الخاصة».

ومن الصعب بما فيه الكفاية السيطرة على أولئك الذين لم يرتبوا عقولهم وأفكارهم حتى الآن بشأن تنظيم «الدولة الإسلامية»، وهم الذين نسميهم بـ«الجالسين على الحياد». ولكن من الصعب أكثر السيطرة على أولئك الذين يريدون أو يحتاجون إلى رؤية الأفضل في «الدولة الإسلامية»، بسبب مثاليتهم ونفورهم عن مجتمعاتهم.

المصدر | سيمون كوتي، ديفنس وان
عرض التعليقات
تحميل المزيد