بالرغم من أن آخر أزمة مالية عالميّة كان مصدرها الولايات المتحدة الأمريكية؛ إلا أنه خلال السنوات الماضية، بات التركيز العالمي في الجانب الاقتصاديّ يدور حول أوروبا وآسيا، على اعتبار أن القارّتين مرّوا مؤخرًا بأزمات اقتصادية عدة: سواء أزمة اليونان، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وأخيرًا الأزمة الإيطالية التي طفت على السطح على المستوى الأوروبي بسبب الأحداث السياسية التي تمر بها البلاد، أو أزمة تباطؤ النمو الصيني، وديون اليابان على مستوى آسيا. لكن في الواقع هناك مشاكل اقتصادية في أمريكا تحتاج إلى مزيد من الاهتمام العالمي وذلك لخطورتها الكبيرة، لكن ما هي هذه المشاكل بالتحديد؟

Close up of stack of credit cards

على ما يبدو، فإن الأزمة المالية القادمة لن يكون مصدرها الجهاز المصرفي أو القطاع العقاري، فخلال السنوات الماضية تضاعفت ديون الشركات الأمريكية بشكل ملحوظ، حتى باتت تشكل أزمة كبيرة يمكن أن تنفجر في أي وقت، زيادة الديون تلك جاءت بقيادة ما يطلق عليها «الشركات الزومبي» التي لا تستمرّ إلا بفضل الديون، في ظل ضعف الاحتياطي النقديّ وقدرة الشركة على الاستثمار أو النمو، إذ تضخّمت هذه الديون منذ الأزمة المالية العالمية الأخيرة بعد خفض الفائدة، كما استفادت هذه الشركات من هذا الخفض الذي كان مناخًا مناسبًا لزيادة ديونها.

استقرار أسعار الفائدة عند مستويات منخفضة، شجّع هذه الشركات على التوسع اعتمادًا على مزيد من القروض، بالإضافة إلى أن مبادرات الإقراض التي تطلقها البنوك والتسهيلات المصرفية ساهمت في نفس الاتجاه، ناهيك عن انخفاض الضرائب، وكل هذه أسباب ساهمت في تضخم ديون الشركات الأمريكية، لكن الآن في ظل إنتاجية منخفضة، وتعافي النمو الاقتصادي، وارتفاع أسعار الفائدة، ما الذي قد يحدث لهذه الشركات؟

إلى أين وصلت ديون الشركات الأمريكية؟

في نهاية العام الماضي 2017، وصل إجمالي الديون التي أصدرتها الشركات الأمريكية غير المالية حوالي 6.1 تريليون دولار، وهو المستوى الأعلى منذ أن بدأ الاحتياطي الفيدرالي في تتبع البيانات في عام 1947، وبالرّغم من النمو الكبير في ديون الشركات؛ إلاّ أن التدفقات النقدية سجلت انخفاضًا ملحوظًا، خاصة في ديسمبر (كانون الأول) 2017، إذ ارتفعت نسبة ديون الشركات إلى التدفقات النقدية في عام 2017 مقارنة بالسنتين السابقتين، مع ظهور أنشطة الاندماج والاستحواذ للشركات واحتمال ارتفاع تكاليف الإقراض في المستقبل.

على الجانب الآخر لا تكمن المشكلة في الديون فقط، إذ هناك نحو 4 تريليونات دولار من هذه الديون تستحق على مدار الخمس سنوات المقبلة، بالإضافة إلى أن الشركات الأمريكية صاحبة أكبر معدل للتعثر عن سداد التزاماتها المالية مقارنة بمثيلاتها العالمية، وذلك بحسب تقرير لـ«ستاندرد آند بورز». ففي 2015 كان حوالي 60% من الشركات المتعثرة حول العالم هي مؤسسات أمريكية، مقارنة بـ55% في 2014.

Embed from Getty Images

وسجلت ديون الأُسر في الولايات المتحدة نموًا معتبرًا خلال الربع السنوي الأخير من العام الماضي، وهو أسعر نمو فصلي منذ الربع الرابع من عام 2007، وهو ما يعكس انتعاش مبيعات السيارات.

ومؤخرًا، كشف الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي عن أن ديون الأُسر قفزت بنسبة 5.2% خلال الربع الأخير من العام الماضي، على أساس سنويّ نتيجة الارتفاع في ائتمان المستهلكين بنسبة 7.8%، ونمو ديون الرهن العقاري بنسبة 3%، إذ وصلت صافي ثروات الأسر إلى 98.75 تريليون دولار بارتفاع بحوالي 2.08 تريليون دولار، وبشكل عام، تواصل الولايات المتحدة الأمريكية – الأولى عالميًا من حيث حجم الدين – فشلها في تحقيق فائض في ميزانيتها منذ عام 2001 وذلك بسبب زيادة الديون، إذ ارتفع الديْن إلى 20 تريليون دولار نهاية السنة الماضية بواقع 107% من الناتج المحلي الإجمالي.

فُقّاعة الديون.. الدَيْن العالمي بلغ 3 أضعاف الاقتصاد العالمي نفسه!

تعاظمت مخاوف المستثمرين من ديون الشركات الأمريكية، في يناير (كانون الثاني) الماضي، وذلك مع مطلع هذا العام عندما هبطت أسواق الأسهم العالمية بشكل حاد بقيادة وول ستريت، وذلك بصورة مفاجئة مما أثار الرعب داخل أسواق المال، إلاّ أن تفسيرات المحللين أكدت أن هذا الهبوط جاء ردة فعل على ارتفاع العوائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات من 2.4% في يناير (كانون الثاني) إلى أعلى 3%.

وبالتزامن مع هذه الزيادة، تشهد معدلات التضخم ارتفاعًا في الولايات المتحدة، الأمر الذي يدفع الاحتياطي الفيدرالي لزيادة وتيرة رفع معدل الفائدة، وبالتالي ترتفع تكاليف الاقتراض على الشركات وتقلل من أرباحها وقدرتها على سداد ديونها، ومع عجز الشركات عن السداد؛ تكون فرص حدوث أزمة مالية جراء هذه الديون واردة جدًا.

على الجانب الآخر يرى محلّلون أن الشركات الأمريكية قادرة على الوفاء بهذه الديون رغم ارتفاع الفائدة، بدعوى أن هذه الشركات قادرة على التغطية والالتزام بسداد هذه الديون، بفضل تدفّقاتها السائلة وقدراتها في التسعير والمبيعات، لكن من الصعب الحكم على صدمة أسواق المال في حال بدأت هذه الشركات بالتعثر.

Embed from Getty Images

وبحسب معهد التمويل الدولي، فقد ارتفع الدين العالمي إلى مستوى قياسي خلال الربع الثالث من 2017 ليتجاوز نحو 233 تريليون دولار، بزيادة 16 تريليون دولار عن نهاية 2016، وهو ما يعادل ثلاثة أضعاف حجم الاقتصاد العالمي، والنسبة الأكبر من هذه الديون يذهب للشركات غير المالية بواقع 68 تريليون دولار، تليها الحكومات بدين قدره 63 تريليون، ثم المؤسسات المالية بنحو 58 تريليونًا، والأسر بنحو 44 تريليون دولار.

وتشير الأرقام إلى الاعتماد المفرط على الديون خاصة من جانب الشركات، وفي ظل اتجاه العالم صوب الفائدة المرتفعة، ما ينذر بمخاطر إفلاس المدين وفقدان ثروة مفاجئ للدائن، وتكون كذلك مشكلة، عندما لا يستثمر المدين الأموال بطريقة مناسبة، وهو الأمر الذي يهدد بتكرار مخاطر أزمة الدين العالمية في 2008.

أسعار الفائدة قد تشعل الأزمة

لجأ البنك المركزي الأمريكي (الاحتياطي الفيدرالي) إلى خفض سعر الفائدة بشكل حاد إبان الأزمة المالية العالمي 2008، لكنه بدأ برفع الفائدة ببطء في السنوات الأخيرة مع تعافي الاقتصاد، إلاّ أنّ أعضاء البنك طالبوا برفع سعر الفائدة بوتيرة أسرع، بدلا من سياسة الرفع التدريجي التي انتهجها في السنوات الماضية، وذلك على افتراض توقّع نمو اقتصادي أعلى وتضخّم يتطلب خطوات أكثر دراماتيكية في المدى المتوسط.

ولكن سواء كان الرّفع حادًا أو تدريجيًا فهو بلا شك لن يكون في مصلحة الشركات الأمريكية، فقد يستفيد أصحاب المدخرات من إجراءات رفع سعر الفائدة، لكن يصبح الاقتراض أعلى كلفة، وهو ما قد يؤثر سلبًا على أغلب القطاعات الاقتصادية في البلاد، خاصة قطاعي الإسكان ومبيعات السيارات، بالإضافة إلى أن أسعار الفائدة المرتفعة تهدّد بعدم استمرار «شركات الزومبي» التي لا تستمرّ إلاّ من خلال الديون.

كيف يمكن أن يتضرّر العرب؟

على مستوى المنطقة العربية، غالبًا ما يتبادر إلى الأذهان تساؤل: كيف ستتأثر الاقتصاديات العربية؟ وفي الغالب يتأثر الاقتصاد العربي بأي أزمة مالية سواء كان مصدرها أمريكا أو أي دولة في العالم، ولكن بالنسبة لأمريكا غالبًا ما يكون الموضوع مختلفًا خاصة بالنسبة للدول العربية النفطية، فسعر النفط مرتبط بالدولار، بالإضافة إلى أنّ معظم عملات الدول العربية، خاصة الدول النفطية، مرتبطة بالدولار، وهو ارتباط يعزز من خسائر المنطقة حال تعرض الدولار الأمريكي إلى انتكاسة بسبب أزمة ديون الشركات الأمريكية، في حال حدث وتفاقم الوضع.

ارتباط الخليج بشكل خاص لا يتوقف على النفط، وربط العملة بالدولار ولكن لدى الخليج عشرات المليارات من الاستثمارات في أمريكا أي ستكون في قلب الأزمة، وعلى رأس هذه الاستثمارات حوالي 400 مليار دولار سندات في الخزينة الأمريكية، وبشكل عام ما يحدث في الولايات المتحدة ينعكس دائمًا على اقتصاديات العالم العربي، نظرًا للعولمة التي باتت تربط الشرق بالغرب، اقتصاديًا واجتماعيًا.

المصادر

تحميل المزيد