1,793

لا تكاد الأخبار تخلو يومًا من سقوط ضحايا جراء الحروب والصراعات، وتخبرنا تقارير الأمم المتحدة أن هناك الآن في العالم ما يقرب من 65.6 مليون نازح، قد يمكننا تخيل حياة فرد فيهم بآلامه وآماله إذا ما تم التركيز عليه بمفرده، لكن لماذا يصعب علينا تخيُّل ما يعانيه كل هؤلاء، لماذا نتجاهل المأساة حين تكون جماعية؟

لقد شغلت الإجابة عن هذا السؤال بول سلوفيك الطبيب النفسي في جامعة أوريغون، فبدأ بحثه عن الإجابة منذ 60 عامًا، متأملًا في البداية جانب من نظرية الاحتمالات لدانيال كانيمان وأموس تفيرسكي. يشرح كيف أننا نشعر بالفرق الكبير بين الرقم صفر ورقم 100، بينما يصغر هذا الفارق بين العددين 100 و 200، ويكاد لا يلاحظ بين العدد 5.800 والعدد 5.900، رغم أن الفارق بين العددين في كل مرة ثابت وهو 100، تحسب النظرية بالأساس قيمة الأشياء وتقدير الناس لها، لكن سلوفيك تساءل عما إذا كان الأمر ينطبق على قيمة الحياة أيضًا، ليجد الحقيقة المخيفة.

«الخدر النفسي»

يصيبنا بالفعل «خدر نفسي» يقودنا إلى اللامبالاة بالأرقام الكبيرة للضحايا، ويضيف إليه سلوفيك ما يطلق عليه «تأثير الفرد» إذ نذهب إلى أبعد الحدود لحماية حياة فرد واحد، قد نعرف عن معاناته من خلال إحدى الصحف، فتنهال عليه التبرعات، بينما لا نفعل الشيء نفسه حين يزداد العدد، حتى لو كان بإمكاننا تقديم الدعم.

تساعدنا صور الضحايا في تقريب الصورة وجعل تخيل المعاناة ممكنًا، وترتفع قدرتنا على التعاطف مع من ترمز إليهم الصورة الواحدة، مثلما حدث مع صور أطفال سوريا، عمران دقنيش وإيلان الكردي، لكن حين يتزايد العدد يقل مع الوقت تأثير الصورة، ويتسلل إلينا شعور بأن ما نفعله لن يكون كافيًا.

وقد أشارت دراسة إلى أن تناقص قدرتنا على التعاطف يبدأ من الحالة الثانية؛ حين تظهر حالة لطفل مثلا في حاجة إلى التعاطف والدعم يهرع الناس إلى مساعدته، لكن مع ظهور حالة أخرى مماثلة – طفل ثانٍ – لا يمكن تقديم الدعم لها، يقل الدعم المقدم للطفل الأول في بداية تسلل الشعور بالعجز ثم اللامبالاة.

الأرقام الضخمة أكبر من خيالنا

أشار سلوفيك إلى تجربة أجراها – ولم تُنشر بعد – على مجموعة من الأفراد طُلب منهم فيها تصور ما قيمته دولار أمريكي واحد في شكل بصري، ودعاهم للاختيار بين 100 سنت أو 10 دايم أو أربعة أرباع الدولار، واختارت الأغلبية تصور دولار واحد، ما يشير إلى أن العنصر الواحد أسهل في التصور، تمامًا مثلما يسهل التواصل والتعاطف مع فرد واحد وتخيل ما يحدث له، أكثر من التواصل والتعاطف مع مجموعة أكبر.

Embed from Getty Images
أحد مخيمات اللاجئين السوريين

ما يؤكده سلوفيك أنه حتى في الحالات الفردية، فإن الناس لا يتفاعلون إلا حين يعرفون الطريق لذلك، وأن هذه الحالات إذا ما أُحسن توظيفها، يمكن أن تفيد في معرفة الناس للواقع، ويمكن بذلك جمع الدعم لجماعة كبيرة، مثلما حدث مع صور الطفل إيلان الكردي التي لفتت أنظار العالم إلى معاناة اللاجئين السوريين، وسجلت تبرعات الصليب الأحمر السويدي على سبيل المثال التي كانت معدلاتها حوالي 8 آلاف دولار شهريًا ارتفاعًا بلغ 430 ألف دولار هذا الشهر، وعلى هذا النحو، فإن القصص الفردية يمكنها إفاقة الناس من الخدر فقط حين يكون هناك إجراء يمكن اتخاذه.

كما أظهرت إحدى التجارب التي قام بها سلوفيك أن الناس كانوا أقل إقبالًا على التدخل لإنقاذ 4.5 ألف لاجئ في مخيم يبلغ إجمالي اللاجئين فيه 250 ألف لاجئ، بينما كانوا أكثر إقبالًا على التدخل لإنقاذ العدد نفسه حين كان مجموع اللاجئين في المخيم 11 ألف لاجئ فقط.

تفسيرات أخرى

هناك تفسير آخر تقدمه دراسة قام بها فريق من معهد ماكس بلانك للعلوم الإنسانية المعرفية، أوضحت أن هناك منطقة معينة في المخ تسمى «تلفيف سوبرا مارجينال الأيمن» هي المسؤولة عن شعور الفرد بالتعاطف مع الآخرين وتمييزه بين شعوره الخاص وشعورهم، يقيّم الفرد شعور الآخرين متخدًا من شعوره الخاص مرجعًا، وهذه المنطقة هي المسؤولة عن تصحيح هذه النظرة وخلق تصور مستقل لحالات الآخرين وشعورهم، وحين لا تعمل هذه المنطقة بالشكل الصحيح تقلّ قدرة الفرد على التعاطف مع غيره، فيفقد القدرة على الفصل بين مشاعره ومشاعر الآخرين، كما يحدث ذلك أيضًا حين يضطر لاتخاذ قرار سريع كما أوضحت الدراسة، وحين يكون الفرد في ظرف مقبول ومريح، فإن عقله يجد صعوبة في تصور الظروف السيئة للآخرين.

Embed from Getty Images
ضحايا المجاعات والفقر في جنوب السوادن

وأمام الأزمات الكبرى يحدد سلوفيك ثلاثة عوامل تحول دون تفاعلنا معها، الأول هو: الخدر النفسي الذي يصيبنا إزاء الأعداد الكبيرة. الثاني هو: شعورنا – الزائف – بعدم الكفاءة، وبأننا لا نساعد كل الناس ولا نحل سوى جزء من المشكلة، ويحكي سلوفيك هنا عن تجربة تم فيها نشر صورة لطفل يعاني من المجاعة ودعوة الناس للتبرع لمساعدته وتم جمع تبرعات بالفعل للطفل، تلا ذلك الجزء الثاني من التجربة؛ الدعوة نفسها لكن كُتب بجانب صورة الطفل، إحصاءات بعدد الأطفال الآخرين في مثل حالته، فانخفضت التبرعات إلى النصف، وتفسير هذا الانخفاض يعود إلى الشعور بعدم الكفاءة وعدم القدرة على حل المشكلة بالكامل، فلا يجد الناس جدوى من المساهمة في حل جزء منها طالما أنها ستظل قائمة.

أما العامل الثالث فهو: ميل الناس – لدى وجود خيارين أمامهم – إلى الخيار الذي يمكن الدفاع عنه، مثل أن يختار حاكم دولة ألا يستقبل لاجئين إعلاءً لمصلحة الوطن، وسبب إحجامه عن تقديم الدعم هنا يمكن الدفاع عنه، فدائمًا مصلحة الوطن مبرر لا يقبل النقاش.

ربما نجد في كتاب «عقل جديد لعالم جديد» لكل من روبرت أورنشتاين وبول إيرليش تفسيرًا آخر أيضًا لحالة الخدر النفسي، فقد أشارا إلى أن العالم تطور بشكل لم يمكن للعقول البشرية – التي قامت بتطويره على هذا النحو – استيعابه، فضلًا عن أنه لم يعد ملائمًا لها، إذ أننا بشكل ما أقرب لرجال ونساء الكهوف، يمكن لعقولنا مواجهة الأخطار المحدودة، لكننا نواجه حاليًا تحديات أكبر من قدرات عقولنا مثل الحروب النووية والإبادة الجماعية وتغير المناخ.  

حيلة تمكننا من مواصلة الحياة

كان العالم النفسي وربرت جاي ليفتون هو من طور مفهوم «الخدر النفسي» حين تحدث عن ضحايا هيروشيما، وهو ناتج عن الاضطرابات النفسية التي تسببها الصدمة، وتعد رد فعل طبيعي لعدم قدرة الناس على التعامل مع الأعداد الضخمة من الضحايا.

هذا «الخدر النفسي» حيلة يلجأ إليها العقل البشري أيضًا في مواجهة كم هائل من الأخبار القاسية والفظائع التي تُشعرنا دائمًا بأن العالم على حافة الانهيار بشكل لا يمكننا استيعابه يوميًا، ولننظر هنا إلى الجانب الآخر؛ التعاطف مع مئات من ضحايا المجاعات والحروب والمعاناة التي تحاصرنا بها وسائل الإعلام يوميًا لا يُحتمل، وأحيانًا تتدخل الظروف السياسية لتحول دون إمكانية تقديم المساعدة بأي شكل، ولهذا تلجأ عقولنا إلى الهرب منها باللامبالاة، لنتمكن من مواصلة الحياة.

من الأسرار التي يحتفظ بها المعالج النفسي أنه لا يتفاعل مع المشكلات اليومية بالقدر نفسه من التعاطف، وهكذا يمكنه العودة إلى منزله والاستمتاع بوقته في مشاهدة فيلم أو تناول طعامه المفضل. تظهر هذه الحيلة إذن حين تكون الفظائع أكبر من أن تُحتمل، فتسخّر عقولنا قدراتها في القمع والإنكار.

كيف يمكن استعادة قدرتنا على التعاطف مع الآخرين؟

في مواجهة الأرقام الضخمة تظهر الحاجة إلى التأكيد الدائم – من جانب الصحفيين والناشطين – على أهمية ما نفعله مهما كان ضئيلًا لإنقاذ اللاجئين والضحايا، ومحاربة شعور الناس بعدم الكفاءة وبأن شيئًا لن يتغير، وهذا هو ما يؤكد سلوفيك على ضرورته لمواجهة اللامبالاة التي يصابون بها، هذا إلى جانب توجيههم لحل عملي يمكنهم القيام به لاختراق حالة الخدر النفسي التي يصعب إخراجهم منها.

في النهاية يشير سلوفيك في حوار أجراه معه موقع vox إلى أنه مع اكتشافاته حول العقل البشري، كان يصيبه الإحباط من محاولة البحث لكل مشكلة عن حل، وأن ما رآه صوابًا في النهاية ليس البحث عن حل، وإنما زيادة الوعي بالمشكلة نفسها، ومشاركة أكبر عدد ممكن فيها لإيقاف حالة الخدر النفسي وليمكن إيجاد حل لها.

يدرس ليف جريفين أيضًا وهو أحد الباحثين في معهد رايت حالة «الخدر النفسي» إزاء التغيرات المناخية، وهو يؤكد أننا نعيشها في مواجهة ما يهددنا أيضًا، إذ لا يسعنا أن نيأس فنلجأ للخدر الذي يضمن لنا قدرة على التكيف مع الأخطار التي نعيشها وتهددنا.

ويتفق ليف جريفين مع سلوفيك في أن بداية الاستيقاظ من حالة الخدر النفسي تبدأ بالوعي بها، وهي عملية صعبة، لكن علينا الوعي بأن حالة الخدر تظهر بالأساس بديلًا عن اليأس والخوف الذي ينتابنا إزاء الأخطار، لذلك يحلو لنا الاستمرار فيها، إذ يعني الخروج منها عودة الشعور بالخوف واليأس إلى الواجهة، لكن جريفين يرى أن شعور الخوف يقود إلى شعور بالحزن وهو يتطور بدوره إلى الشعور بالحب، وهذا الشعور بالحب هو ما يقودنا إلى اتخاذ أفعال متواصلة نحو الحل.