7,499

نقلًا عن الخليج الجديد
ليس هناك شك في أن روسيا تصعد وجودها العسكري في سوريا لدعم الرئيس «بشار الأسد.».  وكان تقرير لوكالة رويتر ز في 9 سبتمبر/ أيلول قد وثق المشاركة الروسية في عمليات عسكرية في سوريا. وتقدم الصور التي تم نشرها في صحيفة «ديلي ميل» دليلا على أن القوات الروسية تتواجد على الأرض في سوريا على الأقل منذ أبريل/نيسان.

تقارير أخرى حول زيادة الحشد العسكري لموسكو ذكرت أن هناك شحنات إضافية من الأسلحة المتطورة تم تسليمها إلى «نظام الأسد» إضافة إلى فريق عسكري متقدم ووحدات سكنية مصنعة تم إرسالها إلى مطار قرب اللاذقية. صورة الأقمار الصناعية الجديدة التي حصلت عليها «فورين بوليسي» تؤكد حجم عمليات البناء أجل غرض استيعاب القوات الروسية الإضافية والطائرات. إذا كان هناك أي شك حول من أجج هذه الحرب، فإن موسكو الآن تخطط لتزويد «الأسد بـ200 ألف طن سنويا من الغاز المسال من خلال كيرتش، وهو ميناء في شبه جزيرة القرم، والذي ضمته روسيا من أوكرانيا في مارس/ أذار 2014

كما هو متوقع، فإن الكرملين لم يعلق على ما إذا كانت هناك قوات روسية تقاتل في سوريا، ولكن موسكو من الواضح أنها لا تخفي ذلك: في 9 سبتمبر/ أيلول قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية «ماريا زاخاروفا»: «لقد قمنا بتزويد سوريا بالأسلحة والمعدات العسكرية لفترة طويلة.. ولا نستطيع أن نتفهم سبب الهيستريا المعادية لروسيا بسبب هذا الأمر».

في الواقع، كانت موسكو الداعم الأقوى للأسد منذ بداية الانتفاضة السورية في مارس/ أذار من العام 2013. حيث كانت تدعم نظام دمشق بالأسلحة والمستشارين، والقروض، والغطاء السياسي في مجلس الأمن الدولي. لكن من الواضح أن هناك تغييرا يجري في شكل المشاركة الروسية في الحرب الأهلية السورية. والسؤال هو لماذا. وتتراوح الإجابات من كونها استراتيجية دبلوماسية جديدة لمقاربة السياسة الدولية إلى كونها ترجع لأسباب أخرى تتعلق بالشؤون الداخلية الروسية.

خلال الأسابيع القليلة الماضية، طرح الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين» خطته بشأن تشكيل ”ائتلاف موسع“ لمحارية «الدولة الإسلامية» وهي الفكرة التي جعلتها الصفقة مع إيران أمرا ممكنا  وفقا لكبار المسؤولين الروس. «الصفقة تزيل الحواجز، المصطنعة بشكل كبير، في طريق تحالف موسع لقتال الدولة الإسلامية والمجموعات الإرهابية الأخرى»، وفقا لوزير الخارجية الروسي «سيرجي لافروف» في يوليو/ تموز الماضي. حفظ «الأسد» في السلطة أمر أساسي لخطة «بوتين». خطابه في الجمعية العامة للأمم المتحدة في وقت لاحق من هذا الشهر من المرجح أن يتركز حول هذا الأمر.

إذا نجح «بوتين» في إقناع العالم بأن روسيا لا غنى عنها في الحرب ضد «الدولة الإسلامية»، فإن هذا يمكن أن يساعده على إنهاء عزلته الدولية التي أعقبت ضم شبه جزيرة القرم وأن يكسب «بوتين» الشرعية من خلال إعادة توجيه انتباه العالم نحو ما وصفه الرئيس الروسي «القتال ضد العدو الأكبر أهم من الخلاف مع الغرب حول أوكرانيا».

هذا هو القادم، محاربة «الدولة الإسلامية» هي الأولوية. ويبدو أن الخطة تعمل بنجاح، حيث أعرب الرئيس الفرنسي «فرانسوا هولاند» في وقت سابق عن أمله برفع العقوبات عن روسيا، وتزامن بيان «هولاند» مع إعلانه عن الاستعدادات الفرنسية لتوجيه ضربات جوية نحو تنظيم «الدولة الإسلامية» في سوريا. في مناخ حيث البعض في الغرب يبدو متعبا من العبء الاقتصادي الذي نتج عن العقوبات ضد روسيا، فإن «بوتين» يبدو مستعدا للإفادة من الأمر وتقديم شراكة مريحة تمهيدا لاستئناف الاتصالات مع جمهور قرر تجاوز الأحداث التي جرت في شبه جزيرة القرم قبل عام.

الحليف الاستراتيجي

يفقد «الأسد» المزيد من الأراضي في سوريا خلال الأشهر الأخيرة، ويحتاج إلى دعم عاجل. و«بوتين» يعرف جيدا، من تجربة أوكرانيا على وجه الخصوص، أنه إذا تعمق تورطه في الحرب، فإن الولايات المتحدة من المحتمل ألا تفعل شيئا على الإطلاق. روسيا لديها مصالح كثيرة في سوريا:استراتيجية وثقافية واقتصادية. وكان نظام «الأسد» أقرب حليف لموسكو في العالم العربي لأكثر من 40 عاما لأن سوريا كانت أساسية لنفوذ الاتحاد السوفيتي في الشرق الأوسط.  

خلال الحرب الباردة، فإن عشرات الآلاف من الروس انتقلوا إلى سوريا في حين درست النخب السورية في المدارس الروسية العليا. في وقت الانتفاضة السورية، ما يقدر بنحو 100.000 من المواطنين الروس كانوا يعيشون في سوريا. وكانت موسكو قد برزت أيضا باعتبارها المورد السلاح الأساسي لسوريا في السنوات التي سبقت اندلاع الانتفاضة السورية في مارس/ أذار 2011. وبحسب البيانات فقد استثمرت الشركات الروسية ما يقرب من 20 مليار دولار في سوريا. التخلي عن «الأسد» يترتب عليه أيضا التخلي عن هذه الاستثمارات. من الصعب أن نتصور أن أي حكومة جديدة قد تأتي في سوريا سوف تصبح صديقة لروسيا بهذا الشكل.

هناك أسباب استراتيجية مقنعة لموسكو لدعم «الأسد» الآن، أيضا. تعد سوريا أهم موطيء قدم لروسيا في المنطقة، وتطل على البحر الأبيض المتوسط، وكل من (إسرائيل)، لبنان، تركيا، الأردن، والعراق. جعل «بوتين» التوسع في قدرات القوة البحرية الروسية دعامة فترة رئاسية ثالثة له، وسيكون سقوط «الأسد» يعني فقدان القاعدة العسكرية الوحيدة لروسيا خارج الفضاء السوفياتي، وهي مركز إعادة تموين البحرية في ميناء طرطوس السوري. في سبتمبر/ أيلول 2014، أعلن «بوتين» عن خطط للتوسع الهائل للأسطول الروسي في البحر الأسود. والحفاظ على قاعدة طرطوس سوف يبرز أيضا مدى قوة بلاده في البحر المتوسط.

سياسة داخلية

الأكثر الأهمية من ذلك، فإن دعم «الأسد» يناسب خطط «بوتين» لاستعادة روسيا كقوة عظمى معارضة الغرب.. وبالنسبة للولايات المتحدة، فإن الدبلوماسية تدور حول سيناريوهات الفوز للجميع في حين أنها بالنسبة إلى روسيا محصلة صراعات صفرية. دعم «الأسد» يعني وضع إصبع الإبهام في عين البيت الأبيض. قد تزعم موسكو أنها تخوض حربا ضد الإرهاب عبر دعم «الأسد»، ولكن «بوتين» يسعى أيضا لتعزيز دعمه المحلي عبر جمع شعبه حول راية في مواجهة العدو الخارجي المتصور. في الواقع، اتبع «بوتين» نهجا مماثلا في أوكرانيا وأجزاء أخرى من الاتحاد السوفيتي السابق عندما ادعى الحاجة إلى حماية الأقليات الروسية. وقد أثبت هذا النهج فعالية على الأقل على المدى القصير بعد ضم شبه جزيرة القرم في مارس/ أذار 2014 حيث أظهرت التقييمات ارتفاع معدلات الرضا عن «بوتين» إلى ما يفوق 80%.

إنها ليست المرة الأولى التي يستفيد خلالها «بوتين» من قرار الذهاب إلى الحرب. دفعت مطالبات مكافحة الإرهاب «بوتين» إلى السلطة في عام 2000 بعد سلسلة من التفجيرات في سبتمبر 1999 في موسكو وعدة مدن روسية أخرى، وألقى «بوتين» باللوم بسرعة على الإرهابيين الإسلاميين من جمهورية الشيشان في شمال القوقاز.

ولكن على المدى الطويل، قد تنقلب سياسات «بوتين» بهزيمة ذاتية. موسكو قد ترغب في مشاركة محدودة، ولكنها يمكن أن تنجر إلى حرب حقيقية، بينما لا يمكنها أن تقاتل في سوريا وأوكرانيا معا، مع الحفاظ أيضا قوات في جميع أنحاء فضاء الاتحاد السوفييتي كما هو الواقع حاليا. في الواقع، فقد أشار بعض المحللين الروس بالفعل إلى أن «بوتين» يخشى أن تكرر روسيا في سوريا نفس أخطاء الاتحاد السوفيتي الأسبق في أفغانستان في الثمانينيات، وهي الحرب التي أسهمت بشكل كبير في سقوطه. الأوضاع الاقتصادية الصعبة في روسيا، تناقص عدد السكان، الإنفاق الدفاعي غير المستدام، وغيرها من المشاكل طويلة الأمد. ولكن هذه الاتجاهات يبدو أنها تغذي فقط عدوانية «بوتين». والواقع أنه كلما صارت روسيا أضعف كلما صارت أكثر خطرا.

المصدر | فورين بوليسي

تعليقات الفيسبوك