ترجمة الخليج الجديد

على مستوى ست دول تقريبا، تمت الإطاحة بطغاة حكموا بالحديد والنار، ما أطلق العنان لمنافسين بينهما من الخصومة والصراعات الدموية من أجل النفوذ ما يمتد قرونا في أغوار التاريخ، وتحاول الحرب الأهلية المروعة في سوريا الآن التسلل إلى داخل لبنان وتهدد الأردن وتركيا، في حين أن العراق قد تحولت فعليا – وليس بصورة رسمية – إلى ثلاث دول – واحدة شيعة، وثانية سنية، وثالثة كردية، وفي خضم هذه الفوضى، يوجد ورم سرطاني خبيث؛ والذي يتمثل بشكل خاص في تنظيم «الدولة الإسلامية» في العراق وسوريا، والذي نجح في السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي في سوريا والعراق.

وفي الوقت الراهن؛ اندلعت الحرب الأهلية في اليمن، وجذبت إلى خطوطها وميادينها قوات من المنطقة بأسرها، وينطوي كل صراع على العديد من الأسباب المحلية – بما في ذلك المنافسات القبلية المعقدة والصراع على النفط – لكن أقوى الأسباب الكامنة تتلخص في اللعبة الكبرى الجديدة من أجل الهيمنة والنفوذ بين السنة والشيعة، وتنشر أكبر دولة شيعية – إيران – نفوذها من خلال تمويل وتسليح المليشيات في جميع أنحاء المنطقة، في حين أن أكبر دولة سنية – المملكة العربية السعودية – تقف في المواجهة الآن من خلال إنشاء قوة دفاع عربية مشتركة من 40 ألف من قوات النخبة من الدول السنية، ومنذ إنشاء «إسرائيل» عام 1948، كانت المشكلة العربية الإسرائيلية تقريبا مرادفة لمشكلة الشرق الأوسط؛ بحسب الخبير السياسي «مايكل جونتر»، ويعتبر في الوقت الراهن الانقسام بين السنة والشيعة هو الحافز الرئيسي الذي يدفع وراء الأحداث.

لماذا تشتعل النيران الآن بين المتنافسين؟

لقد كان هناك ما يغذي هذا الصراع والقمع منذ فجر الإسلام في القرن السابع الميلادي، ولكن سُكب الزيت على النيران لتشتعل كان في عام 2003، وذلك عندما أطاحت الولايات المتحدة بنظام سني في العراق كان يرأسه «صدام حسين»، مارس «صدام» أقصى درجات القمع والوحشية ضد الأغلبية الشيعية في العراق، وكان سقوطه بمثابة تغيير جذري في مصير تلك الطائفة. وعملت الحكومة العراقية التي يرأسها «نوري المالكي» الشيعي على تهميش السنة في العراق، كما تحرمهم من أي صوت حقيقي داخل أي حكومة وطنية جديدة، لم يجد السنة سبيلا سوى التمرد، وانضم الكثير منهم إلى تنظيم «القاعدة» والجماعات السنية المتطرفة الأخرى في محاولة لتقسيم العراق، وتجري أنهار الدم على أرض العراق، ويبدو أنها لن تتوقف نتيجة الصراع بين السنة والشيعة؛ حيث إن الأعمال الوحشية التي تخطف أعمار عشرات الآلاف لا تتوقف، وتعميق العداء بين الطائفتين مستمر في تزايد، وأمسك الشيعة الفرس في إيران بتلابيب فرصة التحالف مع الشيعة في جنوب العراق، الأمر الذي أكسبهم نفوذا إقليميا كبيرا، وتلخص كل هذه الأحداث درسا قويا لجيران العراق العرب.

ما هو الدرس الذي تعلموه جيدا؟

لقد رأوا أنه حتى الطغاة الأكثر ترويعا وقمعا من الممكن أن يفقدوا السلطة، فمنذ عام 2010 ساعدت انتفاضات الربيع العربي في الإطاحة بالحكام المستبدين في تونس وليبيا ومصر، كما أدت إلى إشعال الحرب الجارية في سوريا، ولسوء الحظ فإن هذه الثورات لم تؤد إلى الديمقراطية والحرية، ولكنها  أدت إلى مزيد من الفوضى والقمع من قبل سماسرة السلطة الجدد، والنفوذ المتزايد لإيران.

ما الذي تتضمنه أجندة إيران؟

تحولت إيران منذ الثورة الإسلامية في عام 1979 إلى دولة ثيوقراطية شيعية، وسعت آيات الله لتقوية الأقليات الشيعية في العالم العربي، ويشكل الشيعة حوالي 15% من المسلمين في جميع أنحاء العالم، ولكن هم الأغلبية في المناطق الغنية بالنفط في إيران والعراق، كما توجد أقليات بأعداد كبيرة في المملكة العربية السعودية وسوريا ولبنان واليمن، ولقد أصبحت إيران شريكا فعليا في الحكومة العراقية التي يقودها الشيعة، وقامت بتدريب 100 ألف من المليشيات الشيعية للتصدي لتنظيم «الدولة الإسلامية» وغيره من المتمردين السنة، وتتدخل إيران أيضا في سوريا، وتوفر الدعم الحاسم لنظام «بشار الأسد» المنتمي للطائفة العلوية المنبثقة عن الشيعة أيضا، ولقد وصلت إيران الآن إلى مرحلة الاعتداء على الفناء الخلفي للمملكة العربية السعودية – اليمن – من خلال توفير التمويل وغيره من أشكال الدعم للطائفة الحوثية الزيدية الشيعية، ونظرا لانزعاجها من اتساع دائرة النفوذ الإيراني، فقد تدخلت السعودية في الأسبوع قبل الماضي من الحرب الأهلية في اليمن، وقصفت مواقع «الحوثيين»، وحشدت ما يزيد على 150 ألف جندي على الحدود، وقال «جون جنكينز» – المدير التنفيذي للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية الشرق أوسطية – «هذه أول الخطوات العملية من السعوديين لدحر التمرد الشيعي كمقدمة لدحر إيران».

ما هو الطرف الذي تدعمه الولايات المتحدة؟

يعتمد هذا على المكان، وكانت المملكة العربية السعودية منذ فترة طويلة حليفا رئيسيا للولايات المتحدة.

وفي سوريا؛ تقف الولايات المتحدة والسعوديون على نفس الجانب، ويوفرون بعض الدعم للمتمردين السنة ضد «الأسد»، وعلى الرغم من ذلك؛ فإنه في العراق ترى الولايات المتحدة نفسها متحالفة ضمنيا مع إيران، وذلك من خلال دعم النظام العراقي في حربه ضد «الدولة الإسلامية»، ويعيش السعوديين وغيرهم من السنة حالة من القلق الشديد من إدارة «أوباما» بسبب تقارب الأخيرة من إيران، خاصة إذا أدى الاتفاق النووي إلى رفع العقوبات، وتشعر دول الخليج بأن الولايات المتحدة تخلت عنهم؛ بحسب ما ذكره «مشعل القرقاوي» الذي يعمل كمعلق إخباري في دولة الإمارات العربية المتحدة، والتقى العاهل السعودي الملك «سلمان» مؤخرا مع رؤساء مصر وتركيا – الدولتين السنتين اللتين تتمتعان بعضلات عسكرية قوية – لمناقشة التوحد ضد التهديد الإيراني، ويبدو أن هناك لعبة جديدة رائعة قد بدأت للتو، وأن سنوات من الفوضى والصراع العنيف باتت لا مفر منها، «في القرن العشرين كان لكل دولة رجلها الوحيد. نحن في رحلة الآن إلى فصل من المجهول في منطقة الشرق الأوسط»؛ على حد وصف «عوزي رابي»، الخبير في شؤون المنطقة في جامعة تل أبيب.

«الدولة الإسلامية»: طائفة دينية بدون حلفاء

على الرغم من تحالف معظم الجماعات المتمردة في منطقة الشرق الأوسط مع المملكة العربية السعودية أو إيران، إلا إن تنظيم «الدولة الإسلامية» يقف وحيدا من دون حليف، لقد جذبت الخلافة المعلنة الكثير من المتطرفين تحت رايتها، وبادرت بقتل اليزيديين والمسيحيين على اعتبار أنهم ملحدون، وسوغت ذلك لنفسها بمبررات دينية، وتنظر إيران الشيعية – بطبيعة الحال – إلى «الدولة الإسلامية» على أنها تهديد مباشر لها ولأمنها ومصالحها، وحتى المملكة العربية السعودية السنية أصابها ذهول من بزوغ نجم تلك الجماعة الجهادية، وهي المفارقة الكبيرة بالنظر إلى أن بذور أيديولوجية «الدولة الإسلامية» بذرها في السابق السلفية الوهابية المتشددة التي تدعمها المملكة وتدرس كتبها في مدارسها، بل وظلت تصدرها على مدار عقود لبلدان أخرى.

ولا تروق السعودية لزعيم التنظيم المسلح «أبوبكر البغدادي»؛ وقد وصفها بأنها «رأس الأفعى وموطن الداء»، وهذا يعني أن قائمة أعداء «الدولة الإسلامية» تشمل: السعوديين وإيران وسوريا وتركيا ومصر والولايات المتحدة، ودول الاتحاد الأوروبي. وعن «الدولة الإسلامية» يقول «غريغوري غوز» من معهد «بروكينجز» إنه تنظيم لديه قدرة فريدة على توحيد معظم اللاعبين في الشرق الأوسط الجديد ضده، وعلى المدى الطويل  يجعل هذا المجموعة الإرهابية من غير المرجح أن تحيي الصراع من أجل السيطرة على المنطقة.

المصدر | ذا ويك

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد