منذ أن بدأ تفشي فيروس «كوفيد 19» في مدينة ووهان الصينية التابعة لإقليم هوبي الصناعي والشاهد الرئيسي هو معاناة قطاع الصحة في كل دول العالم، التي ضربها الفيروس في مواجهة هذا الوباء القاتل. كأنما العالم عالم متأخر لا يزال يقبع في العصور الوسطى من ناحية الاستعداد الصحي لمواجهة مثل هذه الكارثة. تزداد الغرابة خصوصًا إذا علمنا أن الدول سواء المتقدمة أو المتأخرة علميًا وصناعيًا تضع حكوماتها سيناريوهات متعددة لمواجهة كوارث لا تطرأ أحيانًا على عقل بشر قد تحيق بها على حين غفلة. والهدف من هذه السيناريوهات هو التنبؤ المسبق لما يمكن أن يحدث، ومن ثم الاستعداد لمواجهته.

كأنما لم يتوقع أحد إمكانية أن يجتاح العالم وباء يهدد الصحة مثل الكورونا، وبالتالي لم يستعد له بالرغم من الأعمال الأدبية مثل الروايات التي تنبأت بسيناريوهات مماثلة وأفلام اقتربت كثيرًا أحداثها مما يحصل اليوم. ومع ذلك يقف الكل مذهولًا من العجز البشري، أو لنقل من عدم الاستعداد لجائحة مثل جائحة هذا المرض التي خلّفت حتى الآن مئات آلاف من المصابين، وعشرات الآلاف من الضحايا في شتى دول العالم. فلماذا هذا العجز الإنساني أمام كورونا؟ 

أمريكا تستعد للـ«زومبي»!

بعد خروج الموسم الأول من المسلسل الأمريكي الشهير «The Walking Dead» عام 2010 الذي يتحدث عن نهاية العالم بسبب عدوى فيروسية حولت البشر إلى موتى متحركين «زومبي»، نشر مركز السيطرة الأمريكي على الأمراض والوقاية منها عام 2011 تقريرًا لأدميرال عسكري في الجيش الأمريكي يعطي توجيهات للمواطنين في كيفية التصرف في حال ضرب العالم وباء ما، وبتنا نشهد في الشوارع الموتى المتحركين أو ما يعرف بـ«الزومبي» وكيفية التعامل مع هكذا حالات، وحول سبل النجاة. 

قد يبدو الموضوع «غريباً ومثيراً للضحك»، إلا أن القارئ، كما يقول الكاتب وهو نائب مدير المركز الوطني الأمريكي للأمراض المعدية الناشئة والحيوانية، والخبير في العدوى الفيروسية، «سيكون سعيدًا بقراءة التوجيهات الواردة في التقرير لو حدث ذلك فعلًا لما سيوفره له من فرص للنجاة»، بغض النظر عن إمكانية حدوث نهاية عالمية كارثية بسبب الزومبي أو لا. التوجيهات الواردة في التقرير كانت صالحة بالطبع لكل أنواع الطوارئ الكارثية، سواء الطبيعية أو تلك التي يتسبب بها البشر بحسب الكاتب. ويبقى مثالاً على الحد الذي يمكن أن يذهب إليه العقل البشري في تخيل أو توقع نوع الكوارث التي قد تحصل ومن ثم وضع سبل مواجهتها للنجاة.

في الواقع لا يترك المخططون الاستراتيجيون في كل دولة دراسة أي سيناريو يمكن أن يؤدي إلى نهاية كارثية دون وضعه على طاولة البحث والدراسة لتصور كيفية مواجهته. بعض هذه الكوارث يمكن أن يكون محليًّا، وبعضها إقليمي والبعض الآخر قد يكون دوليًّا. لذا تحاول الدول والحكومات الاستعداد لها بحسب إمكاناتها إما للحؤول دونها، أو للتخفيف من آثارها وتبعاتها إلى أقصى حد ممكن، بحيث يسمح للدول أن تتمكن من النهوض وأن تستمر بعدها.

جمهورية كيريباتي الواقعة في أرخبيل في المحيط الهادي، على سبيل المثال، سعت لشراء أراضي على جزر فيجي في عام 2016 تحسبًا لغرق البلاد الواقعة على 32 جزيرة، والتي ترتفع أمتارًا قليلة فقط عن سطح البحر، ما يعرضها لخطر الغرق في أي لحظة نتيجة ظاهرة الاحتباس الحراري الذي يسبب ارتفاع منسوب المياه في البحار والمحيطات. لذلك فكر صنّاع القرار في الجمهورية الصغيرة بشراء أراض أكثر أمنًا لنقل السكان البالغ تعدادهم 100 ألف نسمة، في حال حدوث طارئ يهددهم بالغرق إلى مكان آمن.

وفي نفس السياق فاجأ رئيس جزر المالديف محمد نشيد وطاقمه الوزاري العالم عام 2009 خلال مؤتمر الأمم المتحدة حول الاحتباس الحراري في كوبنهاجن. فقد وقّع الاتفاقية من تحت الماء على عمق أربعة أمتار تقريبًا وهو يجلس إلى طاولة رئاسية ويرتدي بدلة غوص للتنبيه على ضرورة اتخاذ الإجراءات اللازمة للحيلولة دون كارثة بيئية عالمية يسببها الاحترار الجوي.

وهناك من الدول ما تتحسب استباقيًا لحدوث انهيار مفاجئ لها بسبب أزمة اقتصادية ما، فقد نشر السيناتور الأمريكى السابق «جيم دي منت» عام 2012 كتابًا يضع فيه تصوراته الخاصة لإنقاذ الولايات المتحدة في حالة انهيارها اقتصاديًا وانتشار الفوضى. ووضع تصوراته العملية لإنقاذ البلاد وتمكينها من النهوض من خلال توفير مقومات لذلك لقلة من نخبة السكان والمواطنين الذين بحسبه سيتكفلون بنهوض الولايات المتحدة الأمريكية بعد الانهيار العظيم، وعلى هذا الأساس كانت قد تقدمت مقاطعة واشنطن لمجلس الشيوخ بمشروع يمكنها من شراء طائرة عملاقة يمكن للناجين عليها سك عملة خاصة بهم، وإنشاء نواة جيش خاص كذلك قد يكونان نواة لإعادة الحياة للبلاد في حال حدوث كارثة اقتصادية هائلة تؤدي إلى فناء الولايات المتحدة. 

في الواقع، تذهب استعدادت الولايات المتحدة الأمريكية لأسوء الكوارث العسكرية التي يمكن أن تحدث إلى أقصى حد من الخيال البشري. فواشنطن لديها طائرة «E-4B» أو ما تعرف بـ«طائرة نهاية العالم» من طراز بوينغ 747 كلفت خزينة الدولة 223 مليون دولار. قادرة على الصمود في وجه هجوم نووي مباشر عليها. وقد صممت لتكون مركز مراقبة وقيادة العمليات العسكرية الأمريكية، ومقرًا لرئاسة البيت الأبيض، وكبار مسؤولي الدولة، وتعتبر أكثر أمنًا من البنتاغون الأمريكي في حالة الحروب.

لكن لم تكن هناك استعدادات بالمثل على المستوى الصحي لتستطيع منع إصابة قرابة السبعين ألف مواطن من الإصابة بفيروس كوفيد 19 بحسب بعض الإحصاءات، ووقوع ألف ونيف من الضحايا وعزل ثلاث من أهم ولاياتها تحسبًا لتفشي العدوى بوباء كورونا، والأهم من ذلك لم تستطع أن تضع سيناريوهات صحية تمنع ولاياتها من الوصول لهذا الاحتياج للكمامات والأجهزة الطبية الآن، وسط خطر منذر بعدم قدرة القطاع الصحي على الاستجابة للأزمة في لحظة قريبة.

على الرغم من وضع الدول تصورات وحلول لأكثر الكوارث تطرفًا مثل الانهيار الاقتصادي والحروب النووية المدمرة والانهيار البيئي بسبب الزلازل والبراكين وحتى التكنولوجي، يبدو العالم وكأنه لم يستعد لكارثة صحية كالتي يواجهها اليوم بسبب تفشي وباء الكورونا الذي اعتبرته منظمة الصحة الدولية جائحة، وهو أعلى تصنيف لديها للدلالة على خطر المرض الذي تواجهه البشرية اليوم. يبدو النظام العالمي غير مستعد رغم أنه في السنوات الأخيرة كان قد واجه أمراضًا شبيهة يمكن اعتبارها اليوم أنها كانت إنذارًا مبكرًا لما هو آت لو أعطيت الاهتمام اللازم مثل سارس وإيبولا. 

نظام الصحة الإيطالي.. كيف ظهر أحد أقوى الأنظمة في العالم بهذا الضعف

خلال أقل من ثلاث أسابيع فقط وقف نظام الصحة الإيطالي في الشمال، حيث المناطق الأكثر تضررًا شبه عاجز أمام الأعداد الهائلة من المصابين بفيروس كوفيد 19. في صورة توحي للعالم بما ينتظره إذا لم تتمكن دوله من احتواء تفشي المرض بالسرعة المطلوبة وتوفير العلاج والرعاية الضرورية للمصابين في سبيل «تسطيح المنحنى» لأعداد المتضررين. أي الوصول للنقطة التي يبدأ فيها عدد المصابين يقل، وعدد المتماثلين للشفاء يزيد على حساب عدد الضحايا. 

ذلك أن العاملين في قطاع الصحة، كما حدث في بعض المدن والبلدات الإيطالية الشمالية، سيجدون أنفسهم أمام قرارات يصعب عليهم اتخاذها بخصوص من يحظى بالعلاج ومن سيترك لقدره ومصيره. فالوضع يشبه «حالات الحروب» كما وصفه «ماسيمو بوتي» رئيس قسم الأمراض المعدية في مستشفى «نيجواردا» أكبر مستشفيات مقاطعة لومبارديا التي تضم مدينة ميلانو بؤرة تفشي المرض في الشمال، فالأطباء يحتاجون للوقت الذي لا يملكونه للحد من انتشار العدوى من جهة، ولفهم طبيعة وسلوك العدو الفيروسي القاتل حتى يتمكنوا من مواجهته من جهة أخرى. 

التجربة الإيطالية في تعاطيها مع الوباء أظهرت ضرورة أخذ الإجراءات الصارمة للحد من تأثير الفيروس بفرض الحظر والحد من حركة المواطنين، التي وإن جاءت متأخرة في الحالة الإيطالية إلا أنها أثبتت بما لا يدع مجالًا للشك بالنسبة لدول العالم الأخرى أهميتها. لكن من جهة اخرى أظهرت المستشفيات الميدانية، وخيام العلاج الطارئ، ونقص أجهزة التنفس الصناعي، والكمامات الواقية، ونقص الكوادر الطبية جانبًا آخر من القصة في مواجهة الوباء الذي يفتك بالمواطنين دون هوادة خلال الأسابيع الأخيرة.

صورة الممرضة إيلينا بالباريني، المصدر: tg24.sky.it

اجتاحت صورة الممرضة «إيلينا بالياريني» الممرضة في مستشفى «كريمونة» التي انهارت نائمة من التعب على طاولة الحاسوب في المستشفى والكمامة على وجهها بعد 10 ساعات متواصلة من العمل وسائل التواصل الاجتماعي والصحف العالمية. الصورة التي وشت بحجم المعاناة التي تواجه النظام الصحي الإيطالي. وبحجم الضغط الكبير على الكوادر الطبية المقاتلة على الخطوط الأمامية في مواجهة الوباء، وشت كذلك بالنقص الشديد والحاجة الملحة لمزيد من الأطباء والممرضين لخوض هذه المعركة الشرسة.

يقول خبراء الصحة العامة في البلاد أن النظام الصحي قد صمد حتى هذه اللحظة أمام هذا التحدي الكبير. وأن الآلاف الذين تم فحصهم، والحالات الطارئة التي تم علاجها، وكل من عولج في وحدات العناية المركّزة قد تم علاجهم بالمجان تماشيًا مع سياسة البلاد الصحية. 

إلا أن هذا الوضع الصحي الطارئ أثار جدلًا واسعًا في إيطاليا حول فعالية النظام الصحي للبلاد الذي يعتبر واحدًا من الأفضل على مستوى العالم إلى ما قبل تفشي العدوى. فقد انتقد كثيرون الإجراءات الصحية بعد انتشار الكثير من الأخبار والصور لظروف عمل الأطباء من داخل المستشفيات ومراكز العلاج، الذين توفي منهم حتى كتابة هذه السطور 31 طبيبًا وأصيب أكثر من ثلاثة آلاف ممرض وطبيب بالعدوى، وزاد الجدل خصوصًا بعد تصريح رئيس بلدية «بيرجمو»، الأكثر تضررًا من الوباء، «أن الفجوة بين الموارد الطبية والعدد الهائل للمصابين أجبر الأطباء على التخلي عن إنقاذ حياة كبار السن لمصلحة من لديهم فرصة أكبر في النجاة من صغار السن والشباب».

اعتبر كثيرون من المختصين الطبيين التصريح حقًا أريد به باطل. فرئيس بلدية بيرجامو محسوب على التيار اليميني التابع لوزير الداخلية السابق وزعيم حزب الرابطة المتهم دائمًا بالعنصرية ماتيو سالفيني. وفسروا تصريحه على أنه محاولة لاصطياد رئيس الوزراء المستقل في مياه الكورونا العكرة. لذا فقد صرّحت رئيسة الجمعية الإيطالية للتخدير والتسكين والإنعاش والعناية المركزة أن مؤسستها وزعت على الأطباء العاملين في الشمال لائحة «طب النكبات» التي يعمل بها في وقت الحروب. اللائحة تنص على أنه في الظروف الاستثنائية وفي ظل نقص الموارد تعطى العناية المكثفة لمن لديهم فرصة أكبر في النجاة. 

تنص التوجيهات كذلك على «أنه وفي سبيل المصلحة العامة لأكبر عدد ممكن من المواطنين، يمكن وضع محددات بخصوص من يمكنهم الاستفادة من وحدات العناية المركزة لتوفير أكبر قدر ممكن من الموارد الطبية. لذا يستفيد من هذه الخدمة الطبية بحسب اللوائح من لديهم احتمالية أكبر في البقاء، ومن لديهم أكبر عدد من سنوات الحياة المحتملة». وأضافت الطبيبة «فلافيا بيرتيني» أنه ومع ذلك «فقد قدمت الرعاية الصحية للجميع». لذلك ولمواجهة هذه الكارثة الصحية أعلنت الحكومة الإيطالية في الأيام الأخيرة عن حاجتها المستعجلة لتوظيف الأطباء والممرضين من حديثي التخرج لمد يد العون للشمال المنكوب.    

فتش عن الليبرالية

«الاقتصاد الليبرالي جعل من الربح غاية جميع السياسات ومنتهاها، وجعل الخدمات الصحية حكرًا على الأثرياء الذين يستطيعون توفير الأموال للتمتع بها» *الفيلسوف الفرنسي ميشال أونفري

لا تواجه إيطاليا هذه الأزمة الطبية منفردةً، بل تواجه معظم دول العالم المتقدم هذه الأزمة. إذ إنها تتهاوى أمامها الإمكانيات الطبية كصرح من ورق. ولا يمكن القول إنه في الحالة الإيطالية لو كانت هناك حكومة أخرى تقود المواجهة مع فيروس كوفيد 19 لكانت أنجح من نظيرتها الحالية. فالمسألة تتعدى هوى الحكومة السياسي وانتمائها الحزبي إلى السياسات المتراكمة التي اتبعتها دول العالم الغربي خلال العقود الأخيرة. التي فضلّت اقتصاد الربح السريع على حساب أساسيات الحياة مثل العمل والتعليم والطبابة في ظل الفلسفة الليبرالية التي تسيطر على النظام العالمي منذ عقود. 

يبدو أن الفيروس الحالي قد أيقظ النظام الليبرالي السائد من حلمه الوردي على اختبار جدي وحقيقي لصلاحيته ومدى فعاليته في مواجهة الكوارث العابرة للقارات والقوميات. إذ بينت أزمة تفشي الكورونا مدى بعد هذا النظام عن تحقيق المصلحة المجتمعية لحساب الربح. ما قد ينبئ بإمكانية أفوله بعد أن يتجاوز العالم محنته الصحية المستمرة منذ مطلع هذا العام. 

الاقتصاد العالمي الذي يعتمد بشكل كبير على أسواق المال والمضاربة والصناعات الاستخراجية مثل النفط والغاز وعلى السياحة يقف عاجزًا عن الدفاع عن نفسه أمام لكمات تفشي وباء الكورونا بين مواطنيه. والأخطر أن رافعته الأساسية «الخصخصة» والسوق المفتوح تقف أعجز عن أن تنقذ حياة ملايين البشر.  

مرد ذلك أنها، أي الليبرالية وصورتها الأحدث المعروفة بالليبرالية الجديدة، تقوم على مبدأ أساسي هو تخفيض الإنفاق العام على الخدمات الاجتماعية مثل التعليم والرعاية الصحية، وحتى على صيانة الطرق والجسور وإمدادات المياه، وتقليص شبكة الأمان للفقراء والطبقات الأدنى من أجل تقليص دور الحكومة وقصر يدها عن التحكم في الاقتصاد ومجريات السوق. وعن كل ما يمكن أن يضر بالأرباح بحسبها، بما في ذلك حماية البيئة وسلامة ظروف العمل إلى حد كبير.

من هنا تظهر الخصخصة، أي بيع الشركات التابعة للدولة والسلع والخدمات والمصارف والصناعات الرئيسية والسكك الحديدية والطرق والكهرباء والمدارس والمستشفيات وحتى المياه العذبة للمستثمرين والشركات الخاصة، ليديروها وكأنها طريق قاتل لاقتصاد الدول في الأزمات الكبيرة مثل كورونا، ويرى معارضو هذا النهج النيوليبرالي، أن وحدها مثل تلك الأزمات الكبرى تكشف العوار الكبير في هذا النظام الذي تعاني منه الشعوب، بحسبهم. 

تجد دول العالم اليوم نفسها في موقف صعب طبيًا بعد عقود من الخصخصة وبيع مقدرات بلادها. فما بقي للقطاع العام، أي ما تزال تملكه الدول، من مستشفيات ومرافق صحية لا يمكنه أن يلبي مثل هذه الحاجة الطارئة التي تجتاح العالم اليوم. وغالبية المواطنين في هذه المجتمعات لا تملك تكلفة العلاج. الأمر الذي دفع بكثير من الدول لإعادة وضع يدها على المنشآت الصحية التي يملكها القطاع الخاص، بكلمة أخرى أن الدول اليوم تسارع إعادة تأميم المرافق الصحية ووسائل المواصلات والاتصالات لمواجهة هذه الكارثة. وذلك يعني إنفاقًا حكوميًّا أكبر وناتجًا محليًّا أقل ومديونية أعلى بسبب توقف عجلة الإنتاج الليبرالي. 

في ديسمبر (كانون الأول) عام 2019 نشرت مؤسسة جيمبي الإيطالية «Fondazione GIMBE» التي تعنى بالشؤون الصحية تقريرها الربع سنوي الرابع لحساب مكتب الميزانية البرلماني الإيطالي قبل أسابيع من تفشي وباء الكورونا في إيطاليا. والذي على أساسه يقوم المكتب بتحديد الميزانية المخصصة لجانب الصحة في البلاد.

أظهرت بعض المؤشرات الواردة في التقرير كفاءة نظام الصحة الإيطالي. بمعنى كفاءة خدماته الصحية المقدمة للمواطنين بسعر تنافسي مقارنة بالدول الصناعية المنضوية تحت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية «OECD» والتي تعد روما عضوًا فيها. فالنظام الصحي الإيطالي من الأنظمة العالمية التي توفر تغطية صحية واسعة للمنتفعين منه بشكل شبه مجاني.

لكن التقرير يُظهر في الوقت نفسه تحت بند تقليص الإنفاق، أن هناك أزمة استدامة في الخدمات الصحية تترافق مع الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد، وتشهد كذلك انحدار منحنى التمويل العام للقطاع الصحي بشكل تدريجي، نتيجة للخيارات السياسية في السنوات العشر الماضية، أدت إلى تقلص كبير في الإنفاق على الرعاية الصحية، وهو أقل بنسبة 1.7% من مثيله في دول منظمة التعاون الاقتصادية والتنموية. ما يعني قدرة أقل على توظيف الطواقم الطبية الضرورية. ويشير التقرير إلى أن ذلك يدفع صانعي القرار إلى استثناء مفهوم الحالات الطارئة من حساباته الذي توكله الحكومة لجهاز الدفاع المدني للتعامل معه بدلًا من الاستثمار في البنية التحتية الصحية والكوادر الطبية، في سبيل التوفير على الميزانية العامة.

ويضيف التقرير أن الحكومات المتعاقبة لم تضع القطاع الصحي الإيطالي طوال أعوام تحت ما يعرف بـ«stress test» أو اختبار الإجهاد، لمعرفة مدى قدرته على مواكبة أي طارئ صحي. وهو اختبار تقوم به الدول لفحص مدى تحمل قطاعاتها الحيوية وبنيتها التحتية الاستراتيجية ومدى مقدرتها على الاستمرار في حالات الكوارث خصوصًا قطاعتها المالية والاقتصادية وتلك من الممكن أن تتأثر نتيجة الحروب. خلص التقرير حينها إلى أن الحكومة الإيطالية تنفق أقل من متوسط ما تنفقه دول منظمة «OECD» الأعضاء على قطاعاتها الصحية عموماً. 

وقد انخفض عدد الأطباء الموظفين في القطاع منذ عام 2001 حتى عام 2017 بشكل كبير، فبينما بلغ عدد العاملين في قطاع الصحة عام 2001 قرابة 688.378 طبيب وممرض، وصل عددهم في عام 2017 إلى 647.048. أي أن عدد العاملين في قطاع الصحة العام انخفض بنسبة -5.8%. ويشير التقرير للتدليل على هذا الانخفاض الهائل أن البلاد شهدت عام 2017 تسجيل 1615 طبيبًا جديدًا فقط، وهو أدنى رقم تم تسجيله في تلك الفترة على الإطلاق. كما أشار إلى انخفاض نسبة الأطباء العاملين بنظام العقود الدائمة بنسبة -6.2% لحساب عقود العمل المؤقتة. وهي نسبة عالية تشير إلى تراجعات خطيرة في السياسة الحكومية المتعلقة بالقطاع الصحي. 

أشار تقرير لمنظمة OECD كذلك إلى أن سياسة توظيف الأطباء في البلاد أثرت على متوسط أعمار الأطباء الإيطاليين، فقد لاحظ التقرير ارتفاعًا مستمرًا في متوسط أعمار العاملين في قطاع الصحة خلال السنوات الأخيرة نتيجة لخفض النفقات في سبيل التوفير على الميزانية العامة، وبالتالي توظيف أطباء أقل بنظام عقود العمل الدائمة. وفقًا لأرقام مكتب المحاسبة العام للدولة فقد ارتفع متوسط الأعمار للعاملين من 43.2 سنة عام 2001 إلى 47.2 عام 2009 إلى 50.7 عام 2017. وأضاف أن إيطاليا صاحبة أعلى نسبة أطباء عاملين تزيد أعمارهم عن 55 عامًا. فقد بلغت نسبتهم 54% عام 2017 من مجموع العاملين في البلاد مقارنة بـ26.5% عام 2005.

هذه الأرقام الجلية بسبب تقليص الإنفاق العام على قطاع الصحة تنعكس على البنية الهيكلية للقطاع الصحي وحجم توفيرها للخدمات الصحية كما يشير التقرير. يؤكد ذلك أرقام اليوروستات الخاص بإحصاءات مجموعة دول الاتحاد الأوروبي وأرقام مجموعة دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. إذ تشير إلى انخفاض عدد الأسرة لكل ألف مواطن في المستشفيات في عديد من الدول. فقد انخفض في إيطاليا من أربعة أسرة لكل ألف مواطن عام 2005 إلى 3.2 عام 2017. وفي ألمانيا من 8.3 عام 2006 إلى ثمانية فقط عام 2017. وفي النمسا من 7.7 إلى 7.4، وفي فرنسا من 7.1  إلى 6 لكل ألف مواطن.

وقد شهدت إيطاليا التي تحتل صدارة عدد حالات الوفاة بسبب فيروس كورونا في الإجمال انخفاضًا هائلًا في عدد الأسرة في المشافي خلال 20 عامًا نتيجة سياسات التوفير في القطاع الصحي. فمن قرابة 350 ألف سرير في عموم البلاد عام 1997 انخفض إلى 210 آلاف سرير بواقع 140 ألف سرير خلال عقدين. أي أن العدد المتوفر انخفض بنسبة 40%. 

أما فيما يخص أقسام الطوارئ والأسرة المتوفرة فيها تتوفر البلاد على أزيد من 5 آلاف سرير بقليل، موزعة على إقليم الشمال والوسط والجنوب بمعدل 8.7 سرير لكل 100 ألف مواطن في المستشفيات العامة والخاصة المعتمدة. في الأحوال العادية تمتد الإقامة في وحدات العناية المكثفة لمدة 14 يومًا. وكان معدل استخدام الأسرة، أي الأسرّة المشغولة فعليًا، بحسب أرقام 2017 الصادرة عن وزارة الصحة الإيطالية يبلغ تقريبًا 50%. هذا يعني أنه، نظريًا، في وقت انتشار فيروس كورونا، كان حوالي نصف أسرة العناية المركزة يشغلها مرضى يعانون من أمراض أخرى بالفعل.

أما فيما يتعلق بالمعدات الطبية الحيوية فقد أشارت أرقام وزارة الصحة لوجود قرابة 18 ألف جهاز تنفس رئوي عام 2017. موزعة على القطاع العام بنسبة 90%، والباقي يتوفر عليه القطاع الخاص المعتمد في البلاد. وبحسب الأرقام ذاتها فإن قرابة ثلاث آلاف جهاز أي 15% من المجموع العام كان من نصيب مقاطعة لومبارديا حيث بؤرة تفشي المرض، وحيث العدد الأكبر من المصابين فيه والضحايا بسببه. وألفي جهاز تنفس رئوي في كل من مقاطعتي فينيتو وإميليا رومانيا ثاني وثالث أكثر منطقتين متضررتين من الوباء في الشمال الإيطالي. تعني هذه الأرقام بنسبتها لتعداد السكان 30 جهاز تنفس رئوي فقط لكل 100 ألف مواطن على مستوى الدولة. 

عالم مليء بالأسلحة وخالٍ من الكمامات

في الوقت الذي تخصص فيه الدول الميزانيات الضخمة للدفاع والجيوش والإنتاج الحربي لحماية مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية داخل حدودها الوطنية أو حتى فيما وراء البحار، حيث تتركز مصالحها من مصادر الطاقة الضرورية لاقتصاداتها، تجد اليوم نفسها عاجزة عن استغلال إمكاناتها الضخمة لمواجهة فيروس الكورونا.

وفي الوقت الذي لا تتأخر فيه هذه الدول عن توظيف حتى كتّاب الخيال العلمي لأغراضها العسكرية، تتأخر عن تمويل المؤسسات الصحية والمراكز البحثية الطبية. فبلد كالولايات المتحدة التي خصصت قرابة 643 مليار دولار العام الماضي لميزانية الدفاع، بلغت ميزانية الرعاية الصحية فيها قرابة 580 مليار. ودول الاتحاد الأوروبي التي خصصت تحت مظلة الناتو 264 مليار دولار ميزانية للدفاع المشترك، خصصت 190 مليار دولار للشبكة الصحية المشتركة عام 2018. 

دولي

منذ 6 شهور
لماذا تلجأ أقوى جيوش العالم إلى توظيف كُتَّاب الخيال العلمي؟

يبدو مشهدًا خياليًّا امتلاء البحر الأبيض المتوسط بالجنود والسفن وحاملات الطائرات والغواصات والقواعد الحربية التابعة للناتو والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، في الوقت الذي لا يجد فيه المواطنون الكمامات الواقية، وأجهزة التنفس والمستشفيات والكوادر الطبية الكافية لإنقاذ حياتهم من الوباء. بل ويسطو بعضهم كالعصابات على المعونات الطبية الصينية المرسلة لبعض دولهم، فيما يراه البعض مشهدًا رسمته النيوليبرالية على مدى العقود الماضية، وسط حمى سباق التسلح. 

 

المصادر

تحميل المزيد