بعد الإعلان عن قيام انقلاب عسكري في تركيا، والتأكد من هذا الخبر، بعد سيطرة الانقلاب على القناة التركية الرسمية «تي آر تي»، لكن يفشل الانقلاب خلال ساعات بعد ذلك، وتعود السيطرة على مقاليد الحكم مرة أخرى لرئيس تركيا «رجب طيب أردوغان»، لعل أبرز ما في انقلاب تركيا هو لجوء الجيش إلى السيطرة على مبنى التليفزيون الرسمي لإذاعة بيان الانقلاب، ليعلن بذلك سيطرته على مقاليد الحكم، نفس الأمر حدث في تركيا في انقلاب عام 1971 وأطلق عليه «انقلاب المذكرة»، وقام الجيش بالسيطرة على مقاليد الحكم في البلاد والسيطرة على مبنى الإذاعة، وقراءة بيان الجيش في الإذاعة، مما جعل «سليمان ديميريل»، رئيس الحكومة في ذلك الوقت يقوم بتقديم استقالة.

وفي مصر يعود بنا هذا الأمر إلى حركة «الضباط الأحرار»، في 23يوليو (تموز)1952، إذ قامت الحركة بالسيطرة على الإذاعة المصرية، وكان المسئول عن ذلك هو «اليوزباشي أحمد المصري»، الذي وصل مبنى الإذاعة في تمام الساعة الرابعة والربع صباحًا؛ ليصدر بعد ذلك بيان الحركة بصوت الرئيس الراحل «أنورالسادات»، وفي 3يوليو (تموز) 2013 يحدث نفس الأمر، ويتولى الجيش زمام الأمور في مصر، ويُسيطر على مبنى «التليفزيون المصري»، ويلقي وزير الدفاع حينها – والرئيس المصري الحالي – «عبد الفتاح السيسي» بيان عزل الرئيس «محمد مرسي»؛ لتظل السمة الدائمة لأي انقلاب عسكري عند السيطرة على مقاليد الحكم، هو السيطرة على الإعلام الرسمي للدولة؛ لأنه الطريق الأسهل بالنسبة للحكم العسكري؛ للسيطرة على الشعب.

هل الهدف من الاستيلاء على تلفزيون الدولة السيطرة على السلطة في البلاد؟

في خلال حديث «الدكتور محمد ماهر قابيل» الكاتب والمفكر السياسي لـ «ساسة بوست»، يرى بأن ثمة اتفاق سائد على إدانة الانقلابات العسكرية في العالم ككل؛ لأن عملية الاستدارة بعهدة السلاح الرسمية إلى الداخل للاستيلاء على السلطة هي عملية مدانة بكافة المقاييس، وفتح هذا الباب، وإقرار ذلك السطو يفتح الطريق لكل المغامرين والطامعين في السلطة وطلاب الزعامة، لاستخدام عهدة السلاح الرسمية في الاستيلاء على السلطة، والاتفاق على إدانة الانقلابات العسكرية من حيث المبدأ هو اتفاق سائد في المشهد الدولي، وجاء نتيجة لتجربة واقعية أثبتت أن الانقلابات العسكرية تأتي دائمًا بنتائج سلبية على المجتمعات السياسية، التي يكون فيها استعمال عهدة السلاح الرسمية للاستيلاء على السلطة، حيث يكون الاتجاه الأول لهم هو السيطرة على أدوات الحكم، وفي مقدمتها وسائل الإعلام الجماهيرية؛ لأن السيطرة على وسائل الإعلام تعنى السيطرة على عقل الشعب، وبالتالي تحقق له انتحال الشرعية، وافتعال المشروعية لعملية الاستيلاء على السلطة.

صورة لسيطرة الجيش في مصر على مبنى ماسبيرو في يوليو(تموز)2013 حسب موقع العربية

وتابع قابيل بأن التليفزيون الرسمي هو رمز الدولة، وبالتالي، فالسيطرة عليه تشبه رفع العلم على مشهد سياسي معين، لذلك تظل له خصوصيته، إلا أن تطور وسائل الاتصال الجماهيري، وانتشار الشبكة العنكبوتية في العالم، أدي إلى وجود جو من الحقوق والحريات العامة؛ بسبب التطور التكنولوجي، حتى تغير المشهد الذي كان يعتمد في السابق فقط على القنوات الأرضية والصحف المحلية؛ إذ كانت وسائل الإعلام هذه هي الوحيدة المتاحة للشعب، وبالتالي كانت السيطرة عليها تعد سيطرة على الوعي الكامل للشعب، لكن الآن لم يعد ذلك ممكنًا؛ بفعل التطور في وسائل الاتصال، ولم يعد من الممكن تصديق الشعب لأي شيء، لكن على الرغم من ذلك، تظل لوسائل الإعلام الجماهيرية الحكومية، خصوصية في الظهور بمظهر السيطرة على السلطة؛ إذ يشبه الاستيلاء على تليفزيون الدولة بالاستيلاء على «قصر الرئاسة» أو مقر «قيادة القوات المسلحة»، بمعنى الاستيلاء على مفاصل السلطة في الدولة .

ويشير الدكتور «محمد حسين» أستاذ العلاقات الدولية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة» لـ«ساسة بوست»، عندما يسيطر الانقلاب العسكري على التليفزيون الرسمي للدولة فهذا يعطي انطباعًا بأن الانقلاب يحكم سيطرته على مقاليد الحكم، بالإضافة إلى دور التليفزيون في أنه يستطيع أن يصل لكل الجماهير في أي مكان؛ لأنه رمز للدولة وناقل مهم لرسائلها.

ويؤكد على هذا الكلام «وليد الشيخ» الصحفي المصري بألمانيا بأن لجوء القوات المسلحة للسيطرة على تليفزيون الدولة، في الانقلابات العسكرية، أمر طبيعي ومنطقي؛ ﻷنه صوت الدولة والمعبر عنها، كرمز لإثبات السيطرة على الدولة نفسها، واحتكار السلطة بقطع أي صوت آخر، من خلال الإعلام أهم أدواتها ووسائل التعبير عنها.

أيهم أهم السيطرة على التليفزيون الرسمي للدولة أم مواقع على التواصل الاجتماعي؟

في البداية ترى دكتور «ماجي الحلواني» عميدة كلية الإعلام جامعة القاهرة سابقًا، في حديث خاص لـ«ساسة بوست»، بأن التليفزيون الرسمي للدولة، هو الصوت والصورة الرسمية للدولة، لذلك يصبح الهدف الأول من أجل توصيل صوت الإدارة الجديدة للشعب عن طريقه، وهذا وضع طبيعي في حالة وجود أي أحداث يجب أن تكون الإذاعة والتليفزيون الرسمي للدولة تحت سيطرة الحكم الجديد؛ حتى يستطيع أن يتعرف الشعب عن الأخبار من خلالهم.

على الجانب الآخر يختلف الدكتور «محمد شومان» عميد كلية الإعلام بالجامعة البريطانية في الرأى من خلال تصريحه لـ «ساسة بوست»، بأن التليفزيون الرسمي للدولة، لم يعد يشكِّل خطرًا هذه الأيام، قديمًا كان للتليفزيون أهمية كبرى؛ حيث كان وسيلة الاتصال الوحيدة التي يستطيع الشعب أن يتعرف عن طريقها على مجريات الأمور في البلاد، وكان أول شىء يتم السيطرة عليه، لكن أول أمس عندما حدث الانقلاب العسكري في تركيا، كانت السمة الأهم والأكثر هي محاولة السيطرة على مواقع التواصل الاجتماعي، سواء بإغلاقها أو العمل على إبطاء سرعة الإنترنت، وهذا ما حدث بالفعل، ولعل الشىء الأبرز أيضًا أمس هو قيام المذيعة بإلقاء البيان العسكري، ولم يكن شخص عسكري هو الذي قام بإلقاء البيان كعادة الانقلابات العسكرية.

الانقلابات العسكرية تحاول السيطرة على وعى الشعوب التي لايوجد لديها ديمقراطية عن طريق التليفزيون الرسمي للدولة

من جانبه يقول «دكتور حسام عقل» عضو المكتب السياسي لحزب البديل الحضاري السابق لـ«ساسة بوست»، أنّ أي قوى تحاول أن تنقلب على إرادة الشعوب من الطبيعي أن تمكن قبضته من المصنع، الذي يصنع الوعي والمصنع الأساسي، الذي يصنع الوعي هو الإعلام، وبالتالي كل محاولات الانقلاب العسكري، حتى في أمريكا اللاتينية، سواء كانت في الأرجنتين أو البرازيل فيما مضى، أو حتى الانقلاب الفاشل في تركيا أول أمس، يكون التفكير أولًا في السيطرة على التليفزيون؛ لأنه المسئول عن تفريغ الوعى للرأى العام، لكن هذه الحيلة تأتي بنتائج أفضل مع الشعوب قليلة الوعي، التي يستطيع السيطرة عليهم عن طريق برنامج تليفزيوني، لكن هناك شعوب أخرى تتمتع بوعي فكري وثقافي كبير، ونشأت على التربية الديمقراطية لفترة زمنية طويلة؛ فهي تغربل الرسالة الإعلامية، وهذا كان سببًا في حسم الشعب التركي الأمر أمس؛ عندما تصدى للانقلاب العسكري؛ لأنه تَرَبَّى على الديمقراطية لفترة زمنية طويلة ، لذلك سنلاحظ أيضًا بأن جموع الشعب التي نزلت في تركيا توجهت هي الأخرى إلى مبنى التليفزيون؛ لتحريره من قبضة الانقلابين، وبالتالي فإننا أمام وعي مضاد، هزمه وعي شعب حقيقي تَرَبَّى في حضارة ديمقراطية.

مذيعة التليفزيون التركي التي قامت بإلقاء بيان الانقلاب العسكرى

ويشرح «عقل» بأن سبب السيطرة أولًا على التليفزيون الرسمي للدولة من جانب الانقلاب العسكري، على الرغم من أن مواقع التواصل الاجتماعي هي الأقوى الآن، بأن المجموعة المحدودة التي قامت بالحركة الانقلابية العسكرية في تركيا، هؤلاء الذين يحركون خيوط الانقلاب، ثقافتهم محدودة، ووعيهم باللحظة المعاصرة محدود، وخبراتهم بالحياة المدنية قليلة؛ فهم يعتقدون أن مبنى التليفزيون، لا يزال له نفس الأثر الذي كان له منذ ثلاثة أو أربعة عقود من الزمن، ويقوم الجنرال بإلقاء البيان وينتهي الأمر، لكن الآن تغيرت أولويات الإعلام، وأصبح إعلام «فيس بوك» أو ما نطلق عليه «الإعلام البديل» يتفوق على منابر الإعلام التقليدي لسنوات ضوئية، وأصبح هو الذي يقرر حركة الوعي للشعب.

عرض التعليقات
s