لماذا تتقدّم دول وتتخلف أخرى؟ هذا السؤال مطروح منذ عقود طويلة دون الوصول لإجابة وافية عليه، فهو ليس سؤالًا تقنيًا، بل أقرب لموضوع بحثي أسهمت فيه حقول مختلفة من العلوم الاجتماعية، بالإضافة إلى أنه ليس محض سؤال نظري، بل يتعلق بواقع تعيشه شعوب حقيقية ذات مؤسسات مختلفة لتنظيم مختلف مجالات الحياة فيها، وفيما حظي بعضها بثروات كبيرة في باطن الأرض، ابتليت شعوب أخرى بموارد قليلة جدا، فالجغرافيا قد تعطي بالمصادفة أفضلية لدول على أخرى حتى داخل إطار التخلف.

وقد ألف باحثان هنديان هما أوستا باتنايك وبرابهات باتنايك كتابًا بعنوان «نظرية في الإمبريالية Theory of Imperialism» يحاول الإجابة على هذا السؤال، ويضعُ الكتاب الإمبريالية في قلب الإجابة عن سؤال التنمية والتقدم في البلدان المتأخرة، ونستعرض في هذا التقرير أهم ما جاء في الكتاب. ولكن قبل ذلك علينا أن نُلمَّ باختصارٍ بأهم المساهمات الاقتصادية المتعلقة بالإجابة على سؤال التنمية والتقدم الاقتصادي.

هل يمكن أن تحقق الدول المتأخرة تنمية اقتصادية؟ 

بعد الحرب العالمية الثانية، ظهرت مدارس اقتصادية مختصة ببحث مسألة التنمية الاقتصادية، ترى أن للدول المتقدمة وغير المتقدمة خصائصُ مختلفة كليًا، على عكس ما كان شائعًا في السابق من ناحية تعميم القوانين الاقتصادية على البلدان جميعها مثلما لدى آدم اسميث وديفيد ريكاردو؛ ما يعني عدم إمكانية تطوير نظرية واحدة تنطبق على جميع الدول باختلافاتها الكثيرة.

Embed from Getty Images

آدم اسميث

إذ طوَّر اقتصاديون من مدارس مختلفة، نظرياتٍ في حقل التنمية الاقتصادية تختص بدراسة وضع الدول غير المتقدمة تحديدا، وطبيعة علاقتها بالدول المتقدمة، والفروقات الممكنة بين هذه الدول، ودراسة المجتمعات الأقل تنمية، وإن كانت داخل دول متقدمة.

ورغم أن المدارس التنموية تختلف في رؤاها للتنمية الاقتصادية بشكل كبير، إلا أن بعض هذه النظريات طُوّرت من قبل اقتصاديين غربيين، يفتقرون للمعرفة الشخصية بأحوال البلدان المتأخرة، لعدم عيشهم فيها، وتحيل المدارس الغربية المنشأ مشكلة التنمية الاقتصادية بالأغلب إلى بنية هذه الدول ومجتمعاتها، أو إلى تدخل الدولة في الاقتصاد وعدم كفاءة الدول والقطاع العام، كما ترى هذه المدارس في التجربة الغربية مسار التحديث الوحيد الذي يمكن أن تقتدي به البلدان المتأخرة لتحقيق التنمية، فما هي أهم مدارس التنمية الاقتصادية؟ وما أهم أفكارها؟ 

التنمية الاقتصادية.. رحلة في اتجاه واحد

في بداية الستينات طوّر الاقتصادي الأمريكي والت روستو نظريةَ «مراحل النمو الخطي – Linear Stages of Growth»، وتقول النظرية باختصار إنّ المجتمعات تتطور ضمن مراحل محددة وثابتة، وتحكم قوانين معينة سير هذه المجتمعات وتنقّلها بين هذه المراحل، فتبدأ بمجتمعات زراعية تعتمد نظام المقايضة، وبعد أن يتوسّع المجتمع في فهم العلوم واستغلال التكنولوجيا، وظهور نظام مصرفي بدائي، وبدء مراكمة رؤوس الأموال، يدخلُ المجتمع في المرحلة الممهدة للصعود. 

ثم في مرحلة الصعود يبدأ الاقتصاد باستبدال الطرق القديمة للإنتاج بالطرق الحديثة؛ ما يدفع معدلات النمو في بعض القطاعات للأمام، ويبدأ تنظيم عمليات الإنتاج في المجتمع، وصولًا إلى مرحلة النضوج، وفي هذه المرحلة تنمو أغلب القطاعات الاقتصادية، ويتجه الاقتصاد حينها لتنويع قطاعات إنتاجه، ليختتم المجتمع رحلته صعودًا إلى مرحلة الاستهلاك الكثيف.

فبفضل ارتفاع العوائد نتيجةً لتقدم العلوم والتكنولوجيا واستخدامهما في المجتمع، يحصلُ أفراد هذا المجتمع على الرفاه، وتوزَّعُ العوائد بشكل عادل؛ إذ يفترض روستو أن هذا النمط الخطيّ هو المسار الحتميّ للتقدم، ولكنه يرى أن المجتمعات قد تَعلقُ في إحدى المراحل وتعجز عن تجاوزها. 

وتركزُ نظريات النمو الخطيّ كثيرًا على ضرورة مراكمة رأس المال، وترى أن ذلك أساسيّ وكافٍ لتمكين المجتمع من الاستثمار لاستحداث طرق جديدة للإنتاج، واستبدال الطرق القديمة، وتحقيق مرحلة الصعود بناء على ذلك، وتعتمدُ النظرية في تحليلها وبنائها على التجربة التاريخية للدول المتقدمة وكيف حقّقت نموًا متصاعدًا ومستمرًا، متجاهلةً حقيقةَ أنه ليس من الضروري تحقّقُ نفس النمط التاريخي بتفاصيله مرة أخرى. 

تركيز النظرية على مراكمة رؤوس الأموال يأتي من تجربة البلاد الأوروبية وإعادة إعمارها بعد الحرب العالمية الثانية، وبالطبع لم تشهد أوروبا ظروفًا مشابهة لتجربة الدول النامية ومحاولاتها للتقدم، لا شكّ في أهمية مراكمة المجتمع لرؤوس الأموال لتحقيق الصعود، ولكن من الخطأ افتراض أن المراكمة ستكون كافيةً لوحدها لتحقيق النمو المرجوّ.

تتقاطع هذه النظرية مع نظريات «البنيويين – Structuralism» و«التحديثيين – Modernization»، فتشدُّد على ضرورة الانتقال من الاقتصاد الزراعي وتصدير المواد الأولية إلى اقتصاد صناعي، وتفترض هذه النظريات تدخّل الدولة لتحقيق هذا الانتقال للنمط الصناعي. 

وعادةً ما يكون الاقتصاديون البنيويون من أبناء الدول غير المتقدمة، بخلاف كثير من نظرائهم من المدارس الأخرى، ويركزون على ضرورة اتباع «سياسات حمائية-Protectionism» لتحصين الاقتصاد الداخلي وفصله عن الاقتصاد العالمي، للتمكن للانتقال من نمط زراعي إلى نمط صناعي.

«التبعية».. إثراء الدول المتقدمة إفقار للبلدان المتأخرة

ترى «نظرية التبعية – Dependency theory» علاقةً كبيرة بين غنى الدول المتقدمة وفقر الدول المتأخرة وإفقارها، ما يجعلها مرتبطة بالمدرسة البنيوية، إلا أن مدرسة التبعية ساهمت أكثر في توصيف العلاقة بين الدول المتقدمة، «المركز» بحسب توصيف المدرسة، وبين الدول المتأخرة، «الأطراف».

في هذه العلاقة يستغلّ المركز المتقدم العمالة والموارد الرخيصة من الأطراف، لدعم قدراتها الصناعية والإنتاجية، ولتوفير الرفاه الموفّر لدول المركز، وفي المقابل تحصل دول الأطراف على التكنولوجيا الأقل تقدمًا، والتي توقفت دول المركز عن استخدامها، وتستمر هذه العلاقة بسبب هيمنة المركز، التي تُعزز بشكل مستمر من خلال إعادة إنتاج ظرف التخلف في الأطراف، ليستمر استغلالها، ولضمان بقاء هذا التقسيم المفيد للمركز على حساب الأطراف.

ولعلّ أهم نقد وُجه لمدرسة التبعية هو عدم شرحها بشكل كافٍ للآليات التي تعمل فيها تبعية الأطراف للمركز، وعدم تقديم نماذج اقتصادية تُبين هذه الآليات وتُثبت حصولها بمنهج علمي، وهنا تأتي أهمية كتاب الباحثين الهنديين، «نظرية في الإمبريالية»، في محاولتهم لحلّ هذه المشكلة، وتقديم تفسير لآليات عمل الإمبريالية وهيمنة المركز على الأطراف اقتصاديًا.

دون جيوش.. كيف تتحكم في بلد دون إرسال جندي واحد إليها؟

كانت إحدى أهم إضافات فلاديمير إيليتش لينين، قائد ثورة 1917 في روسيا للأيديولوجيا الماركسية، اعتباره «الإمبريالية» أعلى طور من أطوار الرأسمالية، ونتاجُ التطور والتراكم الذي حققته، والإمبريالية في تصوّر لينين ليست فقط الاستعمار والاحتلال المباشر، فالإمبريالية تتحقق في حال تحكمت دولة بأخرى بطريق مباشر أو غير مباشر، ولو بدون الاحتلال والاستيطان واستخدام القوة العسكرية لإخضاع السكان واستغلالهم، أو استغلال موارد بلدهم.

ويُعرّف لينين الإمبريالية في كتابه «الإمبريالية، أعلى أطوار الرأسمالية» بشكل مختصر بأنها الطور الاحتكاري من الرأسمالية، وهي نتاج اتحاد «رأس المال التمويلي Finance Capital» (وهو رأس مال البنوك الكبرى، ومجمل المؤسسات النقدية الضخمة، في تجمعات احتكارية تقتصر على الغرب) برأس المال الصناعي الاحتكاري الذي يمثل احتكارات الغرب في مجالات التكنولوجيا والصناعات العسكرية وغيرها.

Embed from Getty Images

فيلاديمير لينين

ومن ناحية أخرى، فالإمبريالية هي المرحلة التي ينتقل فيها العالم إلى تقسيم جديد، تُستبدل فيه سياسة الاستعمار المباشر، بسياسة تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ محتكرة وموزعَّة بشكل كامل بين القوى الرأسمالية، بحيث يُصدّر رأس المال غصبًا، من مناطق النفوذ إلى القوى الرأسمالية ويُركَّز بيدها.

ينتمي أوستا باتنايك، وبرابهات باتنياك، إلى الأيديولوجيا الماركسيّة مثل لينين، وفي كتابهما «نظرية في الإمبريالية»، يحاولان الإجابة عن أسئلة يقولان إنهما لم يجدا لها حلًا في النظريات القائمة، إلا أن انتماءهما الأيديولوجي يعني أنهما يؤمنان بأنّ العلاقة بين دول المركز والأطراف علاقة صراع طبقيّ على مستوى الأمم.

الإمبريالية وقود الرأسمالية وليست طورًا من أطوارها

على عكس نظرة لينين لـ الإمبريالية باعتبارها المرحلة الأخيرة للرأسمالية، يرى كِتاب «نظرية في الإمبريالية» أن الإمبريالية عنصرٌ أساس لا يمكن فهم الرأسمالية دونه، ولم يكن ممكنًا للرأسمالية والتصنيع أن يوجدا دونه، فيبدأ الكتاب بطرح أسئلة أولية؛ من قبيل لماذا احتاج النظام الرأسمالي الناشئ في أوروبا إلى التوسع الدائم؟ ولماذا كان بقاء الرأسمالية واستمرارها مرتبطًا بشكل وثيق بهذا التوسع؟ 

كان الوصول لمصادر الطاقة، والغذاء والمواد الأولية، شرطًا لتطور الرأسمالية في أوروبا، وأمرًا أساسيًا لعملية التصنيع، وتفيد الشواهدُ بأن الموارد الداخلية والتبادل المحلي لم يكونا كافيين لتوفير ضروريات البلدان الصناعية الأولى، لذا لم يحدث الاستعمار نتيجة لقدرة الدول المتقدمة على تنفيذه بهدف زيادة ثرواتها، بل كان ضرورة ملحة لقيام الرأسمالية واستمرارها، ووفقًا لهذا التحليل لم يكن الاستعمار أحد نتائج الرأسمالية وتفوق الدول المتقدمة على الدول المستَعمرة، بل كان حاجة أساسية لنشوء الرأسمالية من الأساس، وعاملًا أساسيًا لاستمرارها.

يرجع الأمر في ذلك إلى الجغرافيا وطبيعة مناخ الدول المتقدمة؛ فهي بمناخها البارد لا يمكن لها أن تنتج كثيرًا من السلع الأساسية المنتجة في المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية، كما أن جيولوجيا المناطق الأقل تقدمًا جعلتها الأغنى باحتياطات الطاقة التي تحتاجها الدول المتقدمة، لتوفير ضروريات تطور الرأسمالية في المركز الأوروبي.

لذا لجأت الدول الاستعمارية التي تقع في مناطق باردة لإخضاع بلدان المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية، لتوفير ضروريات تطور الرأسمالية في المركز الأوروبي، عن طريق النقل الكثيف للسلع دون مقابل، وكانت عملية النهب هذه مركزيةً لتطور الرأسمالية، ومع ذلك فإن هذه الحقيقة دائما ما تغفل في تحليل نشوء الرأسمالية من طرف المُنظّرين الغربيين.

ويطرح كتاب «نظرية في الإمبريالية» سؤالا رئيسًا فشلت النظريات السابقة – من وجهة نظر الكتاب – في تقديم جواب شافٍ له، وهذا السؤال هو: ما الطرق التي استخدمتها الإمبريالية في العقود الأخيرة للإبقاء على أهم خصائص الإمبريالية الأولى (الهيمنة على البلدان) على الرغمِ من انتهاء الحكم الاستعماري العسكري المباشر؟

Embed from Getty Images

نهرو ونكروما، وعبد الناصر من مصر، وسوكارنو وتيتو في «قمة عدم الانحياز»

فإذا كان طلب الاقتصادات الغربية يرتفعُ بشكل مستمر على سلع المناطق المستعمرة، مع محدودية موارد هذه المناطق في النهاية، فإن الرأسمالية مضطرة لأن تعمل على ضمان استمرار تدفق هذه السلع دون ارتفاع أسعارها بشكل مستمر نتيجة عن للارتفاع المستمر في الطلب، لكن ليس عن طريق احتلال هذه البلاد والسيطرة المباشرة على الموارد، بل عن طريق آليات اقتصادية وسياسية جديدة، وهذا يعني ببساطة انتقال الثروة (رؤوس الأموال) من المركز إلى الأطراف.

آليات الإمبريالية هذه تضطرُ دولَ الجنوب على أن تعمل حصرًا في تصدير المواد الأولية، ليصبح هذا دورها في الاقتصاد العالميّ، بدلًا من الاستفادة من مواردها داخليا لتحقّق التنمية، وهذا يعني، بالنسبة للاستعمار، ضرورةَ أن يُفرض على هذه الدول البقاء في حالة عجز دائم عن توفير احتياجات الشعوب، لتظلَّ قادرةً على تصدير الموارد إلى المركز أو دول الشمال.

يركّز كتاب «نظرية في الإمبريالية» هنا على تناقض صارخ في المشهد: الرأسمالية الغربيّة تحتاج لموارد الدول الأطراف (المستعمَرة) لتُتابع النمو الدائم، وفي نفس الوقت تزيدُ بذلك حرمان شعوب دول الأطراف، وهذا التناقض تجاهلته نظريات التنمية المختلفة ولم تقدم حلًا له، فماذا الذي يترتب عليه إذا جرى تدمير هذه الآليات؟ وكيف سيصمد النظام الرأسمالي مع الارتفاع المستمر في أسعار المواد التي تصدرها دول الجنوب لدول الشمال؟ وما أثر ذلك على النظام النقدي العالمي؟ 

يمكن في هذه الحالة أن تتمكن دول الأطراف من توفير ضروريات التقدم والتنمية لشعوبها؛ بدلًا عن تصديرها للمركز، الذي يتمكن حاليًا من استيرادها بأسعار منخفضة، وينتج سلعًا وخدمات وتكنولوجيا مُعقّدة وكثيفة، بما يضمن للشمال التقدم الدائم، والهيمنة المستمرة، فتُقوّض هذه الهيمنة مؤثرة على رفاه دول المركز وهيمنتها.

لماذا تحتاج الرأسمالية لإعادة إنتاج الفقر والتخلف في بلادنا؟

هنا قد يخطر ببالك السؤال التالي: ما حاجة الغرب (+ اليابان) اليوم للاستمرار في إفقار البلدان النامية وإبقاء الفجوة الكبيرة معها؟ رغم ثرائه الهائل والرفاهية المتوفرة لديه وقاعدته الإنتاجية الضخمة وهيمنته النقدية على العالم باستحواذه على أكبر حصة من رؤوس الأموال والنقد في صورة الأسهم، والسندات، والأصول المالية، واحتكاراته التكنولوجية، والعسكرية الكبيرة. 

ولكن الجواب الآن يبدو واضحًا: كل ذلك معتمدٌ في بقائه واستمراره على توفّر الموارد التي لا توجد إلا في بلدان الجنوب، وعلى زيادة تصدير هذه الموارد دون أن ترتفع أسعارها بما يتناسب مع ارتفاع الطلب عليها، فالوضع القائم اليوم هو أن بلدان الغرب تُراكم أسباب القوة والهيمنة باستمرار، عن طريق آليات عمل الإمبريالية، لضمان استمرار تدفق رأس المال من الأطراف إليها، ولضمان أن تكون قيمة الثروات المنقولة باتجاه المركز أكبر من الخارجة عنه، كما كان عليه الحال وقت الاستعمار المباشر في القرن الماضي.

Embed from Getty Images

النفط

ولكن هذه الحالة لا يمكن أن تستمر في ظلّ الارتفاع المستمر لأسعار السلع المنتجة في الدول الأطراف، فإن ارتفاع أسعار هذه المنتجات، مع ارتفاع طلب الغرب عليها يعني ارتفاع الكلفة التي سيدفعها المركز للأطراف لقاء هذه المنتجات، وذلك يعني أن تدفق رؤوس الأموال من المركز باتجاه الأطراف سيزداد، وقد يصل ذلك حتى إلى قلب المعادلة في النهاية.

فيحتاج المركز إلى ضمان عدم ارتفاع الأسعار بالتناسب مع محدودية السلع وارتفاع الطلب، الذي لا يأتي فقط من ارتفاع طلب المركز، بل من المفترض أيضًا أن يزيد طلب دول الأطراف على هذه السلع باستمرار، لتكفي حاجات شعوبها المتزايدة، ولتحسين حالتهم، وللانتفاع من مواردهم المحلية، للوصول إلى حالة من التنمية والتقدم، فما يحتاجه الغرب ببساطة هو إعادة إنتاج حالة التخلف والفقر، ليبقى استهلاك الأطراف لموارده منخفضًا، وقد يلجأ إلى تخفيض طلب الأطراف أكثر، ليُبقي الطلب على هذه السلع دون ارتفاعات كبيرة. 

الديون والمساعدات.. كيف يعيد الغرب إنتاج تخلفنا؟ 

حسب كتاب «نظرية في الإمبريالية» فإن دول المركز تحتاج إلى فرض حالة من «انكماش الدَخل-Income Deflation» على شعوب الأطراف، بمعنى تخفيض قدرتها الشرائية، مما تُنتجها بنفسها؛ ما يعني تخفيض الطلب الكلي على المنتجات، والحفاظ على استقرار أسعارها، فكيف تتمكن دول المركز الاستعمارية من تحقيق ذلك؟

وفّر العهد الاستعماري العسكري آليات مباشرة وبسيطة لتطبيق ذلك، فعلى سبيل المثال استولت بريطانيا على حق جباية الضرائب من عمال وفلاحي الهند، فكانت تأخذ نسبة من ناتج عملهم، ثم تستخدم هذه الضرائب أو جزءا منها لشراء السلع الهندية وشحنها إلى بريطانيا.

يحقق مثل هذا الأسلوب هدفين مهمين للاستعمار مرة واحدة، فهذه الآلية تعني حرفيا أن بريطانيا أخذت هذه المنتجات دون مقابل، فلم تشترِ بريطانيا هذه المنتجات بمالها، بل بأموال الضرائب التي تجبيها من منتجي هذه السلع، أما الهدف الآخر فهو تخفيض إمكانية ثورة الناس ضد حكم البريطانيين، فالجهة التي تجبي الضرائب ليست نفس الجهة التي تشتري المنتجات، وإن كان المال المجبيّ، والمال المستخدم لشراء المنتجات، واحدًا.

وبهذا يظن منتجو هذه السلع أنهم يتقاضون مقابلًا لعملهم ومنتجاتهم، وتؤخذ منهم الضرائب في نفس الوقت من طرفين مختلفين، وهذا مختلف عن حالة العبيد – مثلًا – الذين لا يتلقون شيئا مقابل عملهم، مع أن المبدأ مشابه جدًا، ومتى ما احتاجت بريطانيا لتخفيض القدرة الشرائية للهنود، كانت ترفع الضرائب المفروضة عليهم ببساطة.

Embed from Getty Images

متظاهرون أمام صندوق النقد

أما في العصر النيوليبراليّ الحالي، فتستخدم دول الغرب آليات أخرى لتحقيق نفس النتيجة، فبعد نهاية الحقبة الاستعمارية، بدأت النخب الوطنية العالم الثالث في تأسيس دولها ومؤسساتها، وحاولت تحقيق التنمية والتقدم، ولهذا دخلت في مواجهة مع دول المركز المتفوقة سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، والقادرة على فرض الحصار والعقوبات وإفشال هذه الدول الصاعدة، لكن في دول أخرى وصلت نخبٌ من نوع آخر للحكم، تحوَّل هدفُ كثير منها إلى الاستفادة من سلطتهم في بلدانهم لمراكمة الثروات، ووجدت كثير من النخب الحاكمة فائدة كبرى في التعاون مع الغرب لتحقيق ثرائها الشخصيّ.

ليصل العالم إلى الحقبة النيوليبرالية، وفيها فشلت أغلب دول العالم الثالث في تحقيق أهداف التنمية، لأسباب مختلفة، من الفساد إلى عدم الكفاءة، مرورًا بالمواجهة المضنية مع أطراف أقوى، فكان محكومًا على هذه الدول بالفشل التنموي، لتدخل مرحلة جديدة من إعادة توزيع العائد من الإنتاج فيها، لتقلّ الحصة التي يأخذها العمال من مجمل الإنتاج لصالح الطبقات الأغنى؛ وجرى ذلك عن طريق الخصخصة، وإدخالِ الشركات الأجنبية لأسواقها، وتحكّمت دولُ الغرب بسياسات بلدان العالم الثالث الاقتصادية عن طريق الديون والمساعدات، وربطتها أكثر باقتصاد الغرب، لذا فإن الحصة الأكبر من عوائد الإنتاج تذهب إلى المركز في النهاية بشكل أو بآخر.

وفي هذا السياق جرى تخفيض القدرة الشرائية الكلية لمجمل السكان عن طريق البطالة، فجيوش العاطلين تتيح للأنظمة إمكانية طرد من يطالب برفع الأجور وجلب غيره ممن لا يملكون عملًا أصلًا، وبهذا تتفادى الأنظمة أي ضغطٍ محتمل من المواطنين لرفع أجور المنتجين فيها.

وتستمر حالة الفقر والتخلف العامة في دول الأطراف في إعادةُ إنتاج لهذا الفقر والتخلف في دائرة شبه مغلقة، فدون تراكم لرأس المال، لن تستطيع هذه الدول الاستثمار للوصول إلى قاعدة صناعية تكفل لها الصعود والتنمية والتقدم، ويبقى أهل هذه البلاد في حالة من التخلف، وانحطاط التعليم والتدريب اللازم للوصول للصناعة وامتلاك التكنولوجيا. 

ماذا لو انحسرت الإمبريالية أو انتهت؟ 

يراكمُ الغرب ثروته على شكل أصول مسعرة نقديًا، تشمل أسهم الشركات العامة، وسندات الدين، ومجمل الأصول التي تكوّن قيمة الشركات، من خطوط إنتاجها حتى علامتها التجارية في السوق، ويتحكم الغرب بالنظام النقدي العالمي، وتوفر له هيمنته إبقاء السوق النقدية مستقرة، وسعر عملاته هو مرتفعًا فتصبح بذلك مخزنًا للقيمة وأداة لمراكمة الثروة. 

فلنفترض أن سلعة ما تساوي دولار واحد حاليًا، في الوضع الطبيعي لن يرتفع سعر هذه السلعة إلا قليلًا كل سنة، وسيكون بيعك لهذه السلعة اليوم منطقيًا، ولكن فلنفترض أنك تعلم أن سعر هذه السلعة سيصبح 10 دولارات في السنة القادمة؛ فما الذي سيدفعك إلى بيعها اليوم بهذا السعر المنخفض، وأنت تستطيع أن تبيعها بـ10 أضعاف لاحقًا؟ هذا يعني انهيار الدولار فعليًا، وانهيار النظام النقدي بأكمله، وعدم بقاء النقود مخزنًا للقيمة كما هو عليه الآن، بل ستصبح المنتجات التي تزداد أسعارها بسبب ازدياد الطلب عليها باطراد هي مخزن القيمة الحقيقي. 

ومع أن «نظرية في الإمبريالية» يركز على المنتجات الزراعية التي ينتجها العالم الثالث بشكل عام، إلا أن ذلك لا ينفي إمكانية تطبيق هذه النظريات على ما ينتجه العالم العربي على سبيل التحديد، فمثلًا لو أنّ الدول العربية النفطية استفادت من عوائد النفط في بناء قاعدة إنتاجية وصناعية وامتلاك التكنولوجيا، وازداد طلب بقية الدول العربية على الطاقة التي تُنتجها، بحيث يرتفع سعر تصديرها كثيرًا وتزيد عوائدها، وفي نفس الوقت لا تتكلَّف الاقتصادات العربية كثيرا في الطاقة التي تحتاجها صناعاتها، في هذه اللحظة بالذات سيتغير وجه المنطقة واقتصادها ووضعها السياسي والتنموي إلى الأبد.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد