بعد ساعاتٍ من تهديد رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بإمكانية بلاده حشد مليون جندي في حال المواجهة مع مصر، التقى الرجل بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على هامش القمة الروسية الأفريقية التي انطلقت في مدينة «سوتشي» الروسية، وأظهرت الصور المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي جلوس آبي أحمد إلى جانب السيسي بطريقة مسترخية واضعًا قدمًا على قدم، وهو ما اعتبرته الصحف الإثيوبية إشارة انتصار بعثها الزعيم الإثيوبي لشعبه.

وبعدما وصلت مفاوضات سد النهضة إلى طريقٍ مسدود بين الدول الثلاث (مصر والسودان وإثيوبيا)، دفعت القاهرة إعلامها الرسمي لتبني رواية التهديد والتلوّيح بالخيار العسكري لمنع أديس أبابا من الإضرار بحصة مصر من مياه النيل، وهو ما تعتبره إثيوبيًا «حلمًا بعيد المنال»، حتى وإن كانت مصر تمتلك أقوى جيش عربي وأفريقي.

هذا التقرير يوضح لك لماذا لا تستطيع مصر خوض حرب ضد إثيوبيا من منظور سياسي عسكري.

الخيار العسكري.. ماذا تحمل ملفات المخابرات المصرية القديمة؟

في عام 2009، أجرت الحكومة الإثيوبية دراساتٍ مسحية لنحو 26 موقعًا على النيل الأزرق تصلح لبناء سدود حددتهم سلفًا الخارجية الأمريكية، والتي انتهت باختيار موقع سد النهضة الحالي، لكنّ رئيس الوزراء الإثيوبي الراحل ميليس زيناوي استبق تلك الخطوة بدفع دول حوض النيل –تضم 11 دولة – لتوقيع اتفاقية «عنتيبي» التي تنص في إحدى بنودها على الاستخدام المنصف لجميع الدول، وهو ما فسره الجانب المصري بأنه يعني إلغاء حصته الأكبر من النيل البالغة 55 مليار متر مكعب، وكذلك حصة السودان البالغة 18.5 مليار متر مكعب، وهو ما يمثل 90% من مياه النيل.

وبناءً على تحركات الجانب الإثيوبي، طلب الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك تشكيل لجنة تشكيل لجنة لدراسة الملف والتي تكونت من المخابرات العامة، والحربية ووزارات الدفاع والخارجية والري والكهرباء، وانحازت اللجنة إلى توصيات اللواء عمر سليمان مدير المخابرات العامة حينها، ووزير الدفاع باستخدام الحل العسكري بدلًا عن السياسي، وفي عام 2010، وبحسب ما نشره مركز «ستراتفور للدراسات الأمنية»، فإن عمر سليمان بعث لمبارك رسائل إلكترونية تفيد موافقة السودان على بناء قاعدة عسكرية مصرية في منطقة «كوستي» -جنوب غرب السودان- لاستيعاب قوات مصرية خاصة قد تُرسل إلى موقع السد -يقع في الشمال الغربي على حدود السودان- لتدمير مرافق المياه على النيل الأزرق.

البعد الاستخباراتي في التعاطي مع الأزمة وضع في الحُسبان معوقات الخيار العسكري؛ فالتصور المصري الذي وضعه عمر سليمان يتبنى استراتيجية قائمة على أنه لا يُمكن استهداف السد إلا عبر الطيران أو قوات الصاعقة فقط مع تحييد القوات البحرية والبرية والمعدات الثقيلة. والمعطيات التي اعتمدها النظام المصري تستند إلى أنّ إثيوبيا تبتعد مسافة تتجاوز 2100 كم، وهو ما يضع أقوى جيش عربي وأفريقي في حاجة إلى دولة أفريقية للتزود بالوقود وعبور قواته داخل أراضيها.

وسبق للسيسي عام 2017 أن قام بشراء 24 طائرة رافال فرنسية تُصنّف حاليًا أفضل الطائرات المُقاتلة داخل الجيش، وهو ما اعتبرته إثيوبيا تهديدًا عسكريًا آنذاك لأنّ مصر تمكنت من تجاوز أزمة التزود بالوقود، لذا شرعت أديس أبابا في شراء أنظمة دفاع جوي إسرائيلية لحماية السد.

وبالحديث عن القدرات القتالية للبحرية المصرية، فإنّ مصر تمتلك أسطولًا بحريًا هو الأقوى والأكبر في الشرق الأوسط وأفريقيا بما تحوزه من حاملتي طائرات طراز ميسترال «جمال عبد الناصر، وأنور السادات»، إضافة إلى غواصات ألمانية، وأربعة فرقاطات صواريخ مُوجهة أمريكية. ورغم قوتها البحرية إلا أنّ مصر لن تستطيع مصر مهاجمة إثيوبيا عبر البحر لأنها دولة حبيسة، كما أنّ موقع السد نفسه يقع في الشمال الغربي في أبعد نقطة عن الشرق.

بقي لمصر ورقة أخيرة عبر إرسال قوات خاصة لتدمير السد عبر إحدى الدول المجاروة لأديس أبابا، وهو السيناريو القديم الذي استقر عليه الرأي المصري في نظام مبارك، لكنّ نجاحها ظل منذ ذلك الوقت مرهونًا بمساعدة الحلفاء المُحتلمين.

من التهديد بالحرب إلى الاعتراف بالهزيمة.. قصة فشل مصر في مفاوضات سد النهضة

الحلفاء العسكريين المُحتملين.. من يقفُ ضد من؟

البُعد الجغرافي بين مصر وإثيوبيا يفرض بُعدًا اقتصاديًا مُكلفًا للحرب في ظل تأزم الوضع الداخلي في عهد السيسي، كما أنه يفرض بُعدًا سياسيًا بضرورة إشراك طرف خارجي مُحيط بإثيوبيا جغرافيًا، ومن غير المتوقع أنّ تحصل مصر على دعمٍ أفريقي في وقتٍ صنع فيه رئيس الوزراء الإثيوبي مظلة حلفاء إقليميين، وبحسب ما كشفته وثائق «ويكيليكس» فإن المخابرات العامة في عهد مبارك قدّمت نصائح للنظام المصري بضورة التواجد في الدول المحيطة بإثيوبيا وتقديم الدعم السياسي والاقتصادي لها في حال تحوّلت السياسة المصرية يومًا ما إلى المواجهة.

(رئيس الوزراء السوداني عبدالله حمدوك)

ولأنّ مصر لا تمتلك أية قواعد في أفريقيا، فإنّ عليها عبور السودان أولًا أو المرور من أية دولة مُحيطة بإثيوبيا مثل (إريتريا وجيبوتي والصومال وجنوب السودان) –جوًا أو أرضًا- للوصول للسد، ومن غير المتوقع أن توافق حكومة رئيس الوزراء السوداني البرجماتي محمد حمدوك على الدخول في صراع محاور خاصة أنّ السودان سبق وانحاز لإثيوبيا ضد مصر، لأنّ المشروع سيقضي على ظاهرة الجفاف المتكررة ويضبط منسوب النيل بالإضافة للحصول على الكهرباء بأسعار زهيدة، وسبق للخرطوم أن وقعّت مع أديس أبابا اتفاقىة تعاون عسكري قبل شهرين في ظل احتدام المفاوضات مع القاهرة.

والمفارقة أنّ الرئيس السيسي بتعيينه عام 2010 مديرًا للمخابرات الحربية أصبح بموجب ذلك المنصب الجديد إحدى الجهات المعنية بملف سد النهضة، وعقب الثورة المصرية في يناير (كانون الثاني) 2011، كان السيسي أحد أعضاء المجلس العسكري الذي أدار الفترة الانتقالية على مدار عامٍ ونصف، وهي الفترة نفسها التي وصل فيها مشروع السد إلى نقطة اللاعودة.

وبحسب الاتهامات الإثيوبية الرسمية منذ عام 2016، فإنّ السياسة المصرية في الجنوب تمثلت في مساعي القاهرة لتكوين صداقات مع أعداء أديس أبابا عبر دعم أوغندا وجنوب السودان وإريتريا، وتقديم الدعم للمعارضة الإثيوبية المُسلحة التي قامت بتنفيذ عملية فاشلة في سد النهضة، لكنّ بوصول آبي أحمد إلى السُلطة قبل عام ونصف، استطاع تحقيق السلام داخل إثيوبيا، وإعادة العلاقات مع إريتريا بعد سنوات عداء وحرب، وقاد مفاوضات السلام لدولتي السودان الشمالي والجنوبي.

وبعيدًا عن صعوبة تقديم دولة أفريقية الدعم لمصر بما يخالف قوانين الاتحاد الأفريقي، فإنّ قصف الخزان بعد ملئه ستكون له آثار كارثية على دول جوار إثيوبيا ومن بينها السودان الذي قد يتعرض للفيضان الناجم عن انهيار السد، الذي قد يصل إلى مصر، لذلك من غير المتوقع أن تنحاز تلك الدول للجانب المصري.

آبي أحمد.. «مانديلا الشاب» الذي يسعى لجعل إثيوبيا دولة ديمقراطية كبرى

الوضع الإقليمي أفريقيًا.. لماذا تمتنع الحرب من منظور سياسي؟

رغم أنّ التقديرات العسكرية تشير إلى أنّ الجيش الإثيوبي يحتل المرتبة 47 بين أقوى 137 جيشًا في العالم، بينما يصنف الجيش المصري ضمن أقوى 12 جيشًا في العالم، بحسب ما أورده موقع «جلوبال فاير» الأمريكي، إلا أنّ المقارنة بين الجيشين المصري والإثيوبي تظل مُضللة دون حسبان العوامل الأخرى للقتال، ومنها الوضع الإقليمي أفريقيا.

(السيسي خلال رئاسته اجتماع الاتحاد الأفريقي)

وطبقًا لمواثيق الاتحاد الأفريقي فإنه «يحظر استخدام القوة أو التهديد بها»، كما يرفض «التدخل في الشؤون الداخلية للآخرين». ما يعني أنّ السيسي في حال أقدم على شنّ هجوم على سد النهضة، فمن المتوقع أن يخسر مقعده رئيسًا للاتحاد، وهو المنصب الذي فاز به أوائل العام الحالي، بالإضافة إلى أنّ عضوية مصر ستكون مُهددة بالتعليق مثلما حدث في الثالث من يوليو (تموز) عام 2013، عندما جمّد الاتحاد عضوية مصر لاعتباره أنّ الإقالة القسرية لرئيس دولة من جانب هيئة عسكرية تعد انقلابًا، وهو ما يعني أنّ السيسي قد يتسبب في تعليق عضوية مصر مرتين في تاريخها.

وبعيدًا عن أزمة سد النهضة، فمصر في ظل رئاسة السيسي للاتحاد الأفريقي تواجه اتهامات بأنها لا تريد اتحادًا أفريقيًا قويًا، بالإضافة إلى أنّ الملفات التي أُسندت له والتي تتعلق بـ«الأمن وحفظ السلام»، تتنافى مع الدور الذي لعبته مصر في كلا من السودان وليبيا.

فعقب الثورة السودانية التي أطاحت الرئيس البشير، اتُهمت مصر بمحاولة عرقلة انتقال السُلطة للمدنيين عبر حشد السيسي ستة رؤساء أفارقة (تشاد وجيبوتي ورواندا والكونغو والصومال وجنوب أفريقيا) خلال القمة الطارئة التي عقدتها لمنح عسكر السودان ثلاثة أشهر لإدارة الفترة الانتقالية، والأمر نفسه حدث في ليبيا؛ فمصر تدعم علانية الجنرال المتقاعد خليفة حفتر في قتاله ضد حكومة الوفاق المُعترف بها دوليًّا.

وعلى عكس التحرك المصري في القارة، فإنّ إثيوبيا التي يقع بها مقر الاتحاد الأفريقي بات يُطلق عليها لقب «عاصمة أفريقيا» نظير سياساتها الأخيرة، والدور الإثيوبي نفسه يتخطى منطقة القرن الأفريقي (تتكون من إريتريا وجيبوتي والصومال وإثيوبيا) وصولًا لصناعة نفوذ في القارة عبر منظمة «إيجاد» التابعة للاتحاد الأفريقي والتي يرأسها آبي أحمدي الذي شكلت خلفية الداعمة للديمقراطية وحقوق الإنسان قبولًا واسعًا لدى دول القارة أهّلته للتدخل في الوساطات الإقليمية وحل قضايا النزاع، وهو ما صنع ثقلا سياسيًا لإثيوبيا في شمال وجنوب السودان والدول التي تشهد صراعات مُسلحة.

وبالنظر لموقف الاتحاد الأفريقي في قضايا النزاع التي كانت مصر طرفًا فيها، فالاتحاد سبق أن انحاز للسودان عقب أزمة المثلث الحدودي «حلايب وشلاتين»، عبر الخرائط المُعتمدة لديه، والتي اعتبرتها الخارجية السودانية دليلًا على أحقيتها المثلث الحدودي الذي تُمثل مساحته ضعف مساحة «لبنان» 20.5 كم، مما يجعل الوضع الإقليمي يحيد عن كفة مصر.

هل حقًا تسببت ثورة يناير في أزمة سد النهضة؟

لو نشبت المواجهة.. من يدعم مصر عربيًا ودوليًا؟

بعدما أعلنت مصر على لسان رئيسها في الأمم المتحدة فشل مفاوضات سد النهضة، نشرت الرئاسة المصرية بيانًا تطلعت فيه إلى تدخل الولايات المتحدة لحل الأزمة بعدما وصلت المفاوضات بين الدول الثلاث (مصر والسودان وإثيوبيا) إلى طريق مسدود، الدعوة التي التقطها البيت الأبيض الذي رحب بالدخول بصفته وسيطًا محايدًا، وهو المربع الذي لن تتخطاه واشنطن على حساب طرف دون الآخر، رغم أنّ الولايات المتحدة كان لها دور كبير في مشروع السد.

 وبعدما أعلنت إثيوبيا في عام 2011 وضع حجر الأساس لبناء السد، الذي تبلغ تكلفته نحو 5 مليار دولار، كشفت وكالة «بلومبيرج» الأمريكية أنّ الشركة العسكرية الإثيوبية «Metals & Engineering Corp» التي أُسندت إليها مهام تنفيذ المشروع تعمل بالشراكة مع شركة «Spire Corp» الأمريكية، تتولى توفير التوربينات والمولدات وجميع المعدات الكهربائية التي يحتاجها السد، وبحسب الصفقة، فإن الشركة مسئولة عن توريد ثمانية توربينات ومولدات لوضعها في السد بقيمة 250 مليون يورو للشركة الإثيوبية، وبحسب تصميم المشروع، فأديس أبابا صممت 16 بوابة للسد، وجميعها أيضًا صناعة أمريكية من ماركة «francis».

الدعم الأمريكي المباشر لإثيوبيا كشفه نائب رئيس المركز الإقليمي لعلوم الفضاء بالأمم المتحدة، الذي أعلن لوسائل إعلام مصرية أن الولايات المتحدة تشوش على الصور التي تلتقطها الأقمار الصناعية لسد النهضة الإثيوبي، من خلال القمر الأمريكي المتاح لالتقاط الصور للسد «land sat 8».

 ويظهر الحشد الأمريكي لدعم إثيوبيا فيما نشرته الأمم المتحدة عبر موقعها الرسمي الخاص بأفريقيا، ففي الوقت الذي واجهت فيها أديس أبابا أزمة تمويل، طالب الموقع الدول الكبرى بدعم مشروع سد النهضة، الذي وصفته بأنه مشروع شجاع في دولة من أفقر الدول في العالم.

على جانبٍ آخر، كان لافتًا التقرير الذي نشرته جريدة «الأهرام» المصرية القومية عبر صفحاتها، والذي حمل عنوان «إثيوبيا تتنفس بأموال الخليج.. السعودية تشرب القهوة بجوار «النهضة» وقطر تصارع الإمارات على الزهرة الجميلة»، واعتبرت الجريدة التي تنطق عن النظام المصري أنّ «إثيوبيا مطمئنة تمامًا أن خلافها مع مصر، لن يصل لمرحلة التدخل العسكري، بسبب أن الأموال والاستثمارات حول سد النهضة المزمع إنشاؤه هي أموال عربية».

الدور السعودي برز خلال أزمة التمويل التي واجهتها إثيوبيا في ظل رفض الشركات الأوروبية تمويل المشروع قبل موافقة الدول المتضررة، فعبر رجل الأعمال السعودي محمد حسين العمودي، حصلت أديس أبابا على 88 مليون دولار ليكون المشارك بالنسبة الأكبر في المشروع التي تبلغ ميزانيته نحو 5 مليار دولار.

والمشكلة الأكبر التي تمنع مصر من توجيه ضربة عسكرية ضد السد، هو شبكة العلاقات الاقتصادية التي حصلت عليها إثيوبيا خلال المشروع، وهو ما يجعلها في مواجهة مباشرة مع الدول الممولة (الاتحاد الأوروبي والصين وفرنسا والولايات المتحدة) في حال أقدمت على الخيار العسكري.

ماذا تعرف عن دور أمريكا «الخفي» في سد النهضة؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد