طالما كان التباين بين مسار المرحلة الانتقالية في كل من مصر وتونس أساسًا للعديد من التحليلات والدراسات. الفارق الشاسع بين ما آلت إليه الأمور في كلا البلدين يستدعي المقارنة بشدة. في مصر انتهت التجربة الديمقراطية الوليدة باستيلاء الجيش على الحكم وعنف هائل يجتاح البلاد، بينما نجحت تونس في إنجاز دستور توافقي ثم انتقال سلمي آخر للسلطة. صحيح أنه لا يمكن بحال الجزم بمدى تماسك تجربة تونس إلا أن وصولها لهذا الحد يطرح السؤال: لماذا نجحت تونس في تحولها للديمقراطية ولم تنجح مصر؟

كثير من الإجابات المنتشرة لهذا السؤال يمكن تفنيدها بسهولة بالبراهين. هناك أولا الطرح التقليدي الذي ينسب تميز الحالة التونسية لقلة عدد الشعب التونسي وتجانسه وغياب الانقسامات الأيديولوجية العميقة بين أفراده. بينما الحقيقة أن الاستقطاب الأيديولوجي في تونس لا يقل في حدته عن الاستقطاب في مصر. التجربة التونسية – كما في مصر – عانت من صراع مرير بين الإسلاميين والقوى المدنية نتج عنه حادثتا اغتيال سياسي وشهور من الأزمات السياسية الحادة. الإحصاءات التي حصلنا عليها من Arab Barometer تظهر أنه بالرغم من التوافق التونسي المزعوم فإن المدنيين في تونس أظهروا نفس القدر من انعدام الثقة في الحزب الإسلامي الحاكم كما فعل نظراؤهم في مصر.

031615_1530_1.jpg

 

محللون آخرون يسلطون الضوء على الفروقات الاجتماعية والاقتصادية زاعمين أن التونسيين أكثر تعلما ومدنية وثراء من المصريين. وهي الصفات التي تجعل منهم كشعب أكثر ميلا للديمقراطية. مجددا، الإحصاءات تظهر أن عدم الرضا عن الديمقراطية كان غالبا في كلا البلدين بنفس القدر. بيانات Arab Barometer توضح أنه – بحلول عام 2013 – لم تعد الأغلبية في كلا البلدين ترى أن الديمقراطية تصلح لبلادهم.


محللون آخرون يزعمون أن تونس استفادت من التوزيع الديموغرافي المتقارب بين التيار المدني والتيار الإسلامي بينما اكتسح مرشحو التيار الاسلامي ما يقرب من 70% من مقاعد أول برلمان بعد الثورة. طبقا لهذا الطرح، فإن القوى المدنية في مصر اختارت مسارات بعيدة عن الديمقراطية خوفا من أنها لن تربح أي انتخابات أخرى في المستقبل. في حقيقة الأمر، لم تدم سيطرة الإسلاميين على المشهد الانتخابي المصري طويلا؛ فقد خسروا كثيرًا من من الأصوات بحلول الانتخابات الرئاسية في 2012 حين حصلوا على نتيجة 52% فقط مقابل 48 % للمرشح الآخر. وفي المرحلة التي سبقت انقلاب يوليو 2013 تناقصت شعبية الرئيس الإسلامي محمد مرسي ل32 % فقط مما جعل حظوظه ضئيلة للفوز بأية انتخابات أخرى. من هنا نرى أنه كان من المفترض أن تشعر القوى المدنية في كلا البلدين – مصر وتونس- بنفس القدر من الثقة في الفوز بما سيلي من انتخابات.

وأخيرا، يرى البعض أن الحزب الإسلامي الحاكم في تونس – حزب النهضة – كان أكثر اعتدالا من نظيره في مصر (الحرية والعدالة) مما مكن النهضة من احتواء القوى الثورية وفلول النظام السابق. ومع أن النهضة بالفعل سلك سلوكا أكثر اعتدالا إلا أن المعارضة في تونس سعت للإطاحة بالنهضة بنفس الطريقة التي حدثت مع الإخوان في مصر. وفي كلا البلدين انضم الثوار المحبطون لأنصار النظام السابق في مطالبة مؤسسات الدولة بالتخلص من الإسلاميين بغض النظر عن مدى اعتدالهم.

كل هذه النظريات يبدو أنها تتغافل عن حقيقة أنه في صيف وخريف عام 2013 كانت التجربة التونسية على وشك أن تسلك نفس المسار المصري، وذلك حين حاولت المعارضة التونسية محاكاة مظاهرات 30 يونيو – التي مهدت لانقلاب 3 يوليو – ونظمت مسيرات ضخمة مطالبة بالإطاحة بحزب النهضة وحل المجلس التأسيسي. مفتاح الاختلاف الحقيقي بين المسارين يكمن في استجابة مؤسسات الدولة لنداءات التدخل في التحول الديمقراطي. المعارضة في مصر توجهت للقضاء مطالبة بحل البرلمان المنتخب ديمقراطيا وللجيش مطالبة بالإطاحة بالرئيس المنتخب. بينما في تونس لم يكن القضاء قادرا ولا كان الجيش راغبا في القيام بتحركات مماثلة. وبدون التحالف مع مؤسسات الدولة، لم يكن أمام المعارضة التونسية إلا الذهاب لطاولة المفاوضات مع النهضة لتحقيق الإجماع الوطني.

ولنبدأ بالقضاء؛ فتحديدًا بعد مرور خمسة أشهر من أول انتخابات برلمانية حرة ونزيهة، قام القضاء المصري بشطب هذه الانتخابات لسبب فني مما أدى لحل أول برلمان منتخب ديمقراطيا. كانت المحكمة الدستورية العليا قد مارست سلطاتها من قبل لإلغاء انتخابات عامي 1987 و1990 وبدا أنها حريصة على ممارسة هذا الدور مجددًا مع الإخوان المسلمين. كان الرئيس السابق مبارك قد تمكن في حقبة الألفينات من زرع الكثير من القضاة الموالين للنظام والمعادين للإسلاميين. تهاني الجبالي – على سبيل المثال – نائبة رئيس المحكمة الدستورية العليا دعت صراحة المجلس الأعلى للقوات المسلحة لتأجيل الانتخابات البرلمانية مخافة أن تسيطر أغلبية إسلامية على مقاعد البرلمان. في نفس الوقت الذي ذهب رئيس نادي القضاة لأبعد من ذلك حين صرح أن وجود الإخوان المسلمين في الحكم يهدم مصر. وأن القضاة لن يسمحوا بذلك بحجة أنه لا ينبغي أن يكون لهم توجه سياسي. ومن هنا فإن القضاء المصري كان قادرا وراغبا في دعم المعارضة ضد الإسلاميين لحل البرلمان المنتخب.

لماذا إذن لم يسلك القضاء التونسي نفس السلوك محققا مطالب المعارضة بحل المجلس التأسيسي؟ السبب الرئيسي هو أنه لا يوجد هيئة قضائية في تونس لديها صلاحيات إلغاء الانتخابات. كان المجلس الدستوري التونسي قد اكتسب هذه الصلاحية في 2002 لكنه كان محدود القدرة على التحرك في ظل النظام السابق ثم تم حله في مارس 2011. ومن ثم فإن أعلى سلطة قضائية خلال المرحلة الانتقالية كانت محكمة النقض والتي لم تملك أبدا صلاحية الحكم على مواد الانتخابات في الدستور. إذن فحتى لو أراد القضاء التونسي التخلص من حزب النهضة فلم يكن باستطاعته فعل ذلك بالشكل الذي فعله نظيره المصري.

في واقع الأمر، كان الجيش هو الذي ألقى الكلمة الأخيرة في الإطاحة بالمسار الديمقراطي في مصر حين أسقط الرئيس المنتخب محمد مرسي. لكن السؤال: لماذا لم يحاكِ الجيش التونسي نظيره المصري وأسقط الحكومة التي تقودها النهضة؟ كان لدى الجيش فرصة مشابهة للتدخل: مؤسسات سياسية غير فعالة، وحادثتا اغتيال سياسي، وأعداد هائلة من الناس في الشارع مطالبين بإسقاط النهضة. ومع كل ذلك فلم يكن لدى الجيش التونسي ما يكفي من الدوافع للتدخل. معروف أنه تاريخيا لم يكن للجيش التونسي دور كبير في الحياة السياسة كما هو الحال مع الجيش المصري. فبعد أن جرى تهميشه على يد الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي في 1991، لم يكن للجيش التونسي مصالح اقتصادية أو مؤسسية تدفعه لممارسة السياسة. بينما كان الجيش المصري حريصًا ألا يسمح للتحول الديمقراطي أن يخرج من يده مما دفعه ليلعب دورا فعالا في توجيهه. الجيش التونسي كان وجوده هامشيا في المرحلة الانتقالية مفضلا العودة لثكناته بعد سقوط بن علي. هذا بالإضافة إلى الوضع الجديد والمزايا التي نالها الجيش التونسي تحت حكم النهضة مما جعل العلاقة بين الطرفين جيدة.

على الجانب الآخر، كان لدى الجيش المصري العديد من الأسباب للإطاحة بالإخوان المسلمين. وعلى الرغم من أن الإخوان تجاوبوا مع معظم مطالب الجيش؛ كاستمرار تعيين رجال الجيش في المناصب العليا في الحكومة والإدارة المحلية، والتغاضي عن المحاكامات العسكرية للمدنيين؛ إلا أن عدة مشاكل بقيت عالقة ومنها الفارق الشاسع بين مفهوم الانتماء للوطن والانتماء والولاء للجماعة، أيضا تناقص رأس مال الجيش نتيجة الإدارة الاقتصادية السيئة لمرسي وحكومته، بالإضافة للطموح الشخصي لوزير الدفاع – في حينها- عبد الفتاح السيسي.

تظل أكبر أخطاء الإخوان المسلمين هي محاولة التعدي على الاحتكار التاريخي للجيش للقرارات التي تخص الأمن القومي. أكبر مثال على هذا كان إعادة تشكيل مجلس الدفاع الوطني لتكون أغلبية أعضائه من المدنيين على عكس الوضع السابق. تجدر الإشارة إلى أن هذا التشكيل تغير مجددًا – تغيرًا ذا دلالة – في دستور 2014 ليصبح ذا أغلبية عسكرية. أيضا، في ديسمبر 2012، دقت نواقيس خطر جديدة حين ذاع أن الإخوان يدعمون تحالفا فلسطينيا قطريا لشراء أراض في سيناء. رد الجيش بقوة مذكرا “أن سيناء خط أحمر” وقام السيسي بخطوة غير مسبوقة بإصدار قانون (وهي إحدى صلاحيات الرئيس) لوضع ضوابط لبيع الأراضي في سيناء. على صعيد آخر، أخبرني وائل هدارة – وهو أحد مستشاري مرسي – أنه قد تم إرساله ومعه اثنان من موظفي إدارة مرسي لواشنطن لعقد اجتماعات في وزارة الدفاع، لكن السفارة المصرية في واشنطن – سواء عن قصد أو لا – لم تبلغ الملحق العسكري بهذا الاجتماع مما عزز مخاوف الجيش أن مرسي يحاول تهميش دوره.

الضربة القاضية جاءت قبل أسبوعين من الانقلاب، عندما قطع مرسي العلاقات مع النظام السوري وأعلن دعمه لمنطقة حظر طيران في نفس الوقت الذي دعا فيه قادة الإخوان جموع المصريين للتطوع بالجهاد في سوريا في ظل تشديد من مساعدي الرئيس أنه لن تتم مساءلة العائدين من سوريا. كان شبح عودة جهاديين مدربين لمصر بالإضافة للصدام مع موقف السيسي المحايد للوضع السوري هو المسمار الأخير في نعش العلاقة بين الجيش والإخوان.

في ظل رغبة واستطاعة الجيش والقضاء عزل الإسلاميين، كان الحافز ضئيلا لدى قوى المعارضة في مصر للتفاوض مع الإخوان. لم تكن المعارضة مضطرة للتنازل أمام مرسي في حين كان بإمكانها التخلص منه بمعونة مؤسسات الدولة. في تونس، على العكس من ذلك، أدرك المعارضون بعد شهور من التظاهر أنه لن يكون هناك أي دعم من القضاء أو الجيش، وأدركت في النهاية أن عليها التنازل عن مطلبها بحل المجلس التأسيسي والتفاوض مع النهضة على مستقبل البلاد. قصة النجاح التونسية لا يمكن تلخيصها في أن كل الأطراف أرادت الالتزام بالديمقراطية، بل أن كل الأطراف لم يكن لديها خيار آخر غير الرجوع للديمقراطية كحل أخير ووحيد.


المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد