1,339

في مطلع الشهر الجاري تناولت مصادر إعلامية خبرًا حول اتجاه الحكومة المصرية نحو اقتراض 5 مليارات دولار من الخارج؛ بهدف تغطية أعباء مالية مستحقّة على الدولة، أبرزها شهادات استثمار قناة السويس البالغ قيمتها 64 مليار جنيه مع قرب موعد استردادها، وذلك في سبتمبر (أيلول) 2019. المصادر أكّدت أن الحكومة تعيش مأزقًا حادًا بسبب شهادات قناة السويس في ظل عدم وجود سيولة مالية لدفعها للمستحقين؛ ما يجعلها غير قادرة على سداد أموال حائزي الشهادات.

وفي وقت لاحق من الشهر خرج مركز معلومات مجلس الوزراء المصري يؤكد أنّه لا صحة لهذه الأنباء، مضيفًا أنه تواصل مع وزارة المالية التي نفت تلك الأنباء جملة وتفصيلًا، مشددًا على أن الحكومة المصرية جاهزة لسداد أصل تلك الشهادات، ولكن بعيدًا عن صحة هذا الخبر من عدمه: هل تحتاج مصر حقًا قرضًا خارجيًا لردّ قيمة تلك الشهادات؟

قبل الإجابة على هذا السؤال، يجب أن ننوّه إلى أن الحكومة المصرية قد أصدرت عبر أربعة بنوك حكومية: القاهرة، والأهلي، ومصر، وقناة السويس، شهادات باسم قناة السويس في عام 2014، وذلك بفائدة سنوية تقدّر بـ12%، وكانت تلك النسبة هي الأعلى في البلاد حينها؛ وذلك بهدف تمويل مشروع «التفريعة» الجديدة لقناة السويس، وبالفعل تمكّنت البلاد من جمع 68 مليار جنيه، إلا أنه تم قبول مبلغ 64 مليار جنيه، وذلك في إشارة إلى الإقبال القوي على هذه الشهادات.

ومع تحرير سعر صرف العملة المصرية – تعويم الجنيه – ورفع سعر الفائدة نحو ثلاث مرات بات العائد على شهادة قناة السويس ضعيفًا مقارنة ببعض الشهادات التي وصل العائد منها إلى نحو 20%؛ وهو ما دفع حائزي هذه الشهادات للاتجاه نحو الاستغناء عنها، إلاّ أن الحكومة قررت في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي زيادة العائد وصولًا إلى 15.5%، بعد زيادة طلبات العملاء لاسترداد قيمة الشهادة.

وفي إجراء جاء كمحاولة لمنع العملاء من التخلي عن هذه الشهادات، قرّر «المركزي» عدم السماح للعميل باسترداد الشهادة قبل مرور عام من شرائها، محدّدًا نسبة العائد في حالة استرداد العميل قيمة شهادته في السنة الثانية من شراء الشهادة بـ7%، أي بانخفاض 5% عن العائد الأصلي للشهادة، و8% في حالة استرداد الشهادة خلال السنة الثالثة من شرائها بانخفاض 4% عن عائد الشهادة الأصلي، وهو القرار الذي أجبر أغلبية حائزي هذه الشهادات على التمسك بها لحين انتهاء مدتها.

4 أسباب تجعل الاقتراض الخارجي حلًّا بعيدًا

تشير تقديرات مصرفية إلى أن بعض حائزي تلك الشهادات قاموا ببيع نحو 4 مليارات جنيه على مدار السنوات الماضية؛ لينخفض أصل تلك الشهادات المستحقّة على الدولة إلى نحو 60 مليار جنيه يحين صرفها العام المقبل، وبحسب هذه الأرقام فإن فكرة اقتراض نحو 5 مليارات دولار من الخارج لسداد هذه القيمة أمر مبالغ فيه؛ إذ إن هذا المبلغ يعادل نحو 89.50 مليار جنيه، لكن ليس هذا هو السبب الوحيد لاستبعاد سيناريو الاقتراض من الخارج، فهناك عدة أسباب أخرى تجعل من سداد قيمة هذه الشهادات ليست بالمشكلة الكبيرة التي تجبر الحكومة للاقتراض الخارجي، وأبرزها:

1-قفزة في إيرادات القناة

تعرضت قناة السويس خلال السنوات الأخيرة إلى موجة من الهبوط في الإيرادات؛ وذلك بسبب التراجع الملحوظ في التجارة العالمية، والتوترات المستمرة في المنطقة، بالإضافة إلى هبوط النفط منذ منتصف 2014؛ وهو ما جعل السفن تلجأ لطرق أطول بعيدًا عن قناة السويس لتوفير الرسوم الباهظة التي تحصل عليها القناة اعتمادًا على النفط الرخيص، لكن الأمر اختلف كثيرًا خلال العام الأخير؛ فصعود النفط أعاد السفن إلى القناة، بينما لجأت هيئة قناة السويس خلال هذه الفترة إلى سياسة خفض رسوم المرور من الممر المائي المحوري بالنسبة لاقتصاد البلاد بنسبة وصلت إلى 75% لبعض السفن، وهي السياسة التي بالفعل كشفت عن نتائج إيجابية.

Embed from Getty Images

النتائج الإيجابية تلك دفعت هيئة قناة السويس للإعلان مؤخرًا عن إيرادات القناة للسنة المالية الحالية 2017- 2018، والتي ستنتهي بنهاية الشهر الجاري – 30 يونيو (حزيران) – وذلك قبل نهاية العام على غير العادة؛ إذ سجلت الإيرادات مستوى قياسيًا؛ إذ ارتفعت عن العام الماضي بنسبة 11.5% لتصل إلى 5.585 مليار دولار، لتصبح هذه الإيرادات الأعلى في تاريخ أول ممر يربط بين البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر، إذ كانت أعلى إيرادات للقناة في العام المالي 2009-2010 بنحو 5.5 مليار دولار.

وكان مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصري، قد أعلن ارتفاع إيرادات قناة السويس بنسبة 12.6% على أساس سنوي، خلال الثلث الأول – يناير (كانون الثاني) : أبريل (نيسان) 2018 – فيما كانت الإيرادات مرتفعة في 2017 بنسبة 5.4%، إلى 5.3 مليارات دولار في 2017، مقابل 5 مليارات دولار خلال 2016.

وبالرغم من أن أرباح القناة المسجلة، أقل من التوقعات التي أعلنتها البلاد في 2015، وهي كذلك غير كافية لسداد قيمة الشهادات، ولكن في ظل التوقعات الإيجابية للعام المالي القادم ستساهم بشكل كبير في عدم اتجاه البلاد للاقتراض الخارجي، إذ تشير بيانات مشروع الموازنة العامة الجديدة إلى أن الإيرادات المستهدفة من هيئة قناة السويس تزيد بنحو 9% في العام المالي المقبل 2018 /2019، مقارنة بالعام الجاري.

2-ارتفاع الودائع البنكية.. طريق الاقتراض الداخلي ممهد

تعدّ الودائع لدى الجهاز المصرفي أهم ما تعتمد عليه الحكومة المصرية لتمويل عجز الموازنة، وذلك من خلال بيع أذون الخزانة للبنوك التي تستثمر أموال الودائع في شراء السندات والأذون الحكومية والتي تقدم عوائد جيدة، ومع زيادة قيمة هذه الودائع؛ تظل فرص الحكومة أكبر في الاقتراض الداخلي، إذ أعلن البنك المركزي في مايو (أيار) الماضي عن زيادة إجمالي الودائع لدى الجهاز المصرفي، بخلاف المركزي المصري الذي زاد بنحو 65 مليار جنيه خلال شهر يناير الماضي.

Embed from Getty Images

وبحسب البنك فإن إجمالي الودائع لدى الجهاز المصرفي بنهاية يناير بلغت 3.394 تريليون جنيه، مقابل 3.329 تريليون في ديسمبر (كانون الأول) السابق له، بينما ارتفع إجمالي الودائع الحكومية لمستوى 529.3 مليار جنيه خلال أول شهر بالعام الجاري، وبالنظر إلى هذه الأرقام نجد أن فرص الحكومة للاعتماد على الاقتراض الداخلي من خلال إصدار سندات وأذون الخزانة ربما يكون خيار أقرب كثيرًا في حال لم تغط إيرادات القناة قيمة الشهادات.

3-ماذا كنتم تفعلون؟.. «كُنّا نطبع النقود»

في حوار تليفزيوني شهير ذكر محافظ البنك المركزي المصري طارق عامر أن الدولة كانت تعتمد على طباعة النقود لسد عجز الموازنة؛ وذلك باعتباره أحد حلول البلاد لتوفير السيولة للحكومة، وهو الحل الذي من الصعب استبعاده في رد قيم شهادات قناة السويس، بالرغم من تأكيد عامر على أن بلاده لم تعد تستخدم هذه السياسة لعلاج أزماتها.

وبحسب الأرقام الصادرة عن البنك المركزي المصري، فإن حجم النقد المصدر – المطبوع – ارتفع إلى 453 مليار جنيه، في نهاية شهر يونيو (حزيران) 2017، مقابل 369 مليار جنيه في نهاية شهر يونيو 2016، بزيادة قدرها نحو 84 مليار جنيه خلال عام، أي بنهاية السنة المالية الماضية 2016 – 2017، إذ قام البنك خلال شهر يناير 2017 فقط بطبع 100 مليون ورقة فئة الجنيه، و100 مليون ورقة فئة 50 قرشًا بنفس المواصفات المتداولة حاليًا للتداول مع العملات المعدنية المتداولة حاليًا عن طريق البنوك.

4-تراجع الفائدة المحلية وارتفاع الفائدة الأمريكية

ما يعزز فكرة أن اللجوء إلى الاقتراض الخارجي صعب خلال هذه الفترة هو الارتفاع المستمر في سعر الفائدة الأمريكية، إذ قرر بنك الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي) رفع معدل الفائدة الأساسي بمقدار ربع نقطة مئوية لتصل إلى مستوى يتراوح بين 1.75% إلى 2%، وذلك للمرة الثانية هذا العام بعد أن رفع معدل الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس للمرة الأولى خلال العام الحالي في اجتماع مارس (آذار) الماضي.

وتشير توقعات البنك إلى رفع معدلات الفائدة أربع مرات هذا العام، مقارنةً بتوقعات زيادتها ثلاثة مرات في مارس الماضي، وهو الأمر الذي سيرفع تكلفة الاقتراض الخارجي بشكل كبير في ظل الارتفاع الملحوظ للدولار مؤخرًا، لكن في المقابل يتجه المركزي المصري إلى خفض معدل الفائدة، ففي نهاية مارس 2018، خفّض البنك  معدّل الفائدة على الإيداعات والإقراض بواقع 1.00%، وهو الخفض الثاني على التوالي لمعدل الفائدة المصرية على الإيداعات والإقراض في شهرين بعد الخفض الأول الذي قررته السلطات النقدية في فبراير (شباط) الماضي بنفس النسبة.

ويوضح اتجاه الفائدة بشكل عام أن تكلفة الاقتراض الخارجي ستكون مرتفعة خلال الأشهر القادمة؛ وهو ما يجعل الحكومة ربما تتجنب هذا الخيار، وبالإضافة إلى الأسباب المذكورة تظل طبيعة الشهادات أحد أبرز الأسباب التي ترجح أن لا يشكل ردها مأزق كبير للحكومة، إذ إن معظم هذه الشهادات كانت عبارة عن ودائع بنكية حولها أصحابها إلى شهادات قناة السويس، ومن المتوقع تحويلها إلى شهادات أخرى بعوائد أعلى مع انتهاء مدة الشهادات، أي أن نسبة السيولة التي ستحتاجها البنوك لرد الشهادات ستكون أقل كثيرًا من الرقم الإجمالي الحالي للشهادات.