أثارت احتجاجات المصريين يوم الجمعة دهشة العالم والعديد من التساؤلات؛ إذ كان مصدر الدهشة هو نزول المصريين إلى الشوارع بعد انقطاعهم عنه لسنوات، ومطالبتهم لأول مرة برحيل السيسي دون مواربة. أسباب سخط المصريين على أوضاعهم تكاد تكون معروفة للجميع، لكن ما أثار التساؤلات هو سبب نزولهم وليس سبب سخطهم، ولا نقصد هنا بالطبع السبب المباشر للنزول بدعوة  المقاول محمد علي لهم، وإنما أسباب استجابتهم لهذه الدعوة، فضلًا عن التساؤل الأكثر تداولًا في مصر حاليًا، حول حقيقة ما يثار عن صراع بين الأجهزة السيادية، وعن أسباب هدوء التعامل الأمني نسبيًا، وبالطبع التساؤل حول مصير ذلك الحراك ونتائجه.

في هذا التقرير نرصد ونستطلع أيضًا آراء عدد من الكوادر السياسية والثقافية في مصر، ممن كانوا جزءًا بشكل أو بآخر من التغيرات السياسية التي حدثت في مصر خلال السنوات الماضية.

ليلة الاحتمالات المفتوحة.. تفاصيل ما جرى في جمعة #ارحل_ياسيسي

الحراك لن يستمر دون تنظيم سياسي

عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، أوضح المؤلف السينمائي والكاتب المعارض للنظام بلال فضل أن الحقيقة الأهم بشأن احتجاجات يوم الجمعة هي نزول المواطنين إلى الشارع للتعبير عن أنفسهم مرة أخرى، بعدما ظنت السلطة أنها اللاعب الوحيد في البلاد، وأن مشاركة هؤلاء المواطنين المهتمين فقط بأوضاعهم المعيشية، لا بصراع القوى، سبب كاف لدعمهم، حتى لو تبين فيما بعد أن هناك أجنحة داخل السلطة تستغل هذا الحراك أو تسعى لذلك، لأن هذه هي المساحة المتاحة لحدوث حراك سياسي، مستنكرًا تسرع البعض في الحكم على المشهد والتقليل من شجاعة المشاركين في الاحتجاجات.

واشترك معه الأمين العام السابق لـ«الحزب المصري الديمقراطي»، أحمد فوزي، في رأيه حول ضرورة تأجيل الحكم على المشهد، قائلًا خلال حديثه لـ«ساسة بوست» إن: «مصر لا يوجد فيها إعلام في الوقت الحالي يمكنه تقديم تغطية مهنية ومعمقة للأحداث بما يسمح بإتاحة معلومات كافية لقراءة الوضع»، لكنه عاد وأكد أنه طالما لا توجد مساحة للقوى سياسية في مصر للانخراط في الحراك بشكل منظم وتبني خطاب سياسي ومطالب واضحة، فسينتهي هذا الحراك إلى كونه مجرد نوبة تنفيس عن الغضب.

أحمد فوزي، أمين عام الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي سابقًا

وأضاف فوزي خلال حديثه أن «السلطات المصرية تعامل القوى الديمقراطية معاملة الجماعات الإرهابية»، موضحًا أنها: «قد تعتبر الحراك الحالي جرس إنذار يدفعها لفتح المجال العام قليلًا، وقد تتصرف بعناد وتستمر في إغلاق المسارات الطبيعية للإصلاح السياسي، وطالما أن تلك المسارات مغلقة فسيلجأ الناس للتعبير عن غضبهم في الشارع كل فترة، حتى يؤدي الأمر لاندلاع ثورة شعبية»، لكنه استبعد قيام ثورة مثل «25 يناير» في مصر قبل 10 سنوات على الأقل، على حد تعبيره.

حسام الحملاوي، عضو حركة «الاشتراكيين الثوريين»، اتفق أيضًا مع الرأي القائل بأن الحراك الحالي لا يمكن له الاستمرار دون كيانات سياسية أو نقابية منظمة، كما أكد أن «المظاهرات لا تكفي لإسقاط النظام»، وإنما لابد من حدوث إضراب عام، مشيرًا خلال حديثه مع «ساسة بوست» إلى أن مصر خلال الأسبوع الأخير لحسني مبارك شهدت إضرابات في جميع أنحاء البلاد كادت أن تكون إضرابًا عامًا، وهو ما عجّل بإسقاطه.

واعتبر الحملاوي أن احتجاجات الجمعة كانت خطوة هامة على طريق التغيير السياسي، لكن البعض رفع سقف توقعاته أكثر من اللازم، مستبعدًا أن يكون هناك صراع بين الأجهزة السيادية كما يروج البعض، فالمخابرات الحربية تدين بالولاء للسيسي الذي كان مديرها، والمخابرات العامة تدار بواسطة عباس كامل مدير مكتبه ومحمود نجل السيسي، والرقابة الإدارية تحت سيطرة ابنه مصطفى، وبالنسبة لأجهزة وزارة الداخلية فقد استعار الحملاوي وصف محمد علي لها بـ«شبشب الجيش»، ومن ثم فإن كل الأجهزة تحت سيطرة السيسي تمامًا.

وقال الحملاوي: «إن هناك غضبًا بالتأكيد داخل بعض أجنحة النظام من سياسات السيسي، لكنه لا يكفي للتخطيط ضده، وإلا لكان السيسي قد تخلص منهم لأنه رئيس شديد الشك فيمن حوله بدليل إقالته للكثير من قيادات الصف الأول والثاني بالمخابرات العامة».

وفسّر الحملاوي تساهل الشرطة مع المحتجين يوم الجمعة بأن وقوع مجزرة جديدة أثناء وجود السيسي في نيويورك لحضور اجتماعات الأمم المتحدة ستكون كارثة ومصدر حرج دولي كبير، مشيرًا إلى أن اعتقاد الناس بوجود صراع بين الأجهزة السيادية قد شجعهم على النزول، لظنهم بأن تلك الأجهزة ستدعمهم، كما أن إدارة النظام للأزمة كانت سيئة حيث أقام مؤتمرًا أكد فيه السيسي صحة اتهامات محمد علي، وهو أيضًا ما حفزّ الناس للنزول.

لا حراك شعبي بدون صراع أجهزة.. والمظاهرات لا تكفي لإسقاط الرئيس

ويعتقد أحمد عماد، عضو حزب «العيش والحرية»، أن الأحداث الجارية تدل على «وجود انشقاق داخل المؤسسة العسكرية»، لكنه يتوقع أن يكون انشقاقًا ضعيفًا، فضلًا عن وجود تضارب مصالح داخل النظام بشكل عام، والدليل – بحسب قوله – هو تكرار الحديث عن عائلة السيسي وخاصة نجله محمود خلال الآونة الأخيرة أكثر من أي وقت مضى، كما يرى أن الدعوة للاحتجاج لم تكن عفوية وأن اختيار التوقيت كان مقصودًا أثناء وجود السيسي خارج مصر.

ويضيف عماد أن التعامل الأمني مع المحتجين كان أقل قسوة من تعامله مع احتجاجات أخرى رغم أنها كانت أقل عددًا، مشيرًا إلى أن تعامل الأمن لم يكن على نسق موحد الجمعة الماضية، بل اختلف من مكان لآخر، مما قد يدل على أن الجهات المسؤولة عن الدعوة للحراك غير قادرة على توفير حماية كاملة للمتظاهرين، وغير قادرة على الاستحواذ على السلطة وتحتاج إلى تضحيات الجماهير لسببين، أولهما استمالة المترددين داخل صفوف المؤسسة العسكرية، والثاني هو اكتساب شرعية وغطاء الشارع، مؤكدًا أن أغلب الذين شاركوا في التظاهرات كانوا مواطنين عاديين غير مُسيسين.

Embed from Getty Images

جانب من احتجاجات المصريين يوم الجمعة

ويتوقع عماد أن تكون جماعة الإخوان المسلمين وسامي عنان، رئيس أركان الجيش السابق والمسجون حاليًا، ضالعين في التحالف الداعم لهذه الاحتجاجات، وذلك من وجهة نظره بسبب كثافة الدعم والتغطية الإعلامية من قِبل الإعلام المؤيد لجماعة الإخوان من جهة، بالإضافة للبيانات الصادرة عن صفحات تابعة لسامي عنان، وبشكل عام لا يرى أن المشهد ثوريًا نقيًا، لكنه لا يرى مانعًا من المشاركة في الاحتجاجات لتحقيق بعض المكاسب.

والمكاسب التي يرى عضو «العيش والحرية» أنها ستجعل الحراك خطوة للأمام هي «فتح المجال العام نسبيًا وإتاحة مساحة للأحزاب والحركات السياسية، والإفراج عن المعتقلين، وتحسن اقتصادي طفيف مع حملة للقضاء على الفساد»، مضيفًا أن انتصار الحراك سيعني قيام تحالف عسكري إسلامي جديد في مصر، لأن أي تيار معارض للسيسي داخل المؤسسة العسكرية سيحتاج إلى الاستقواء بالإسلاميين لضمان استقرار حكمه.

من جهته قال هشام عوف، وكيل مؤسسي «الحزب العلماني المصري»، على صفحته على «فيسبوك» إنه يستبعد مشاركة الإخوان في صناعة الحدث، مضيفًا أنهم دعموا المشاركة مثل فئات أخرى عانت من سياسات السيسي على أمل أن يكون هناك داخل أجهزة الدولة من يستطيع السيطرة على المشهد وإنهاء حكم السيسي، وتابع أنه على قناعة بأن أي حراك ضخم في مصر منذ ثورة 23 يوليو (تموز) 1952 كان وراءه أطراف داخل مؤسسات الدولة أو على الأقل تؤيده، بما في ذلك ثورة 25 يناير (كانون الثاني).

وأضاف عوف أن الحراك الحالي بدوره جزء من صراع القوى داخل مؤسسات الدولة، معتبرًا أن المشكلة في مثل هذه الحالات أن التيار المدني هو من يتصدّر للحراك، لكنه لا يعرف كيف يتفاوض للحصول على مكتسبات.

وقال إن: «المظاهرات حتى الآن رغم كونها مفاجئة، لكنها لا تكفي لإسقاط السيسي، مضيفًا أن السيسي هو المسؤول عن الوصول إلى هذا الوضع لأنه اكتسب عداء أطرافًا كثيرة داخل الجيش والمخابرات وعزل العديد من القيادات، فضلًا عن الضغوط الاقتصادية على الشعب المصري ثم استفزازه ببناء القصور الرئاسية وتصريح الرئيس «أنا عامل قصور رئاسية وهاعمل»، وأكد أنه لا يؤيد حدوث انقلاب عسكري ويميل إلى الإصلاح التدريجي من داخل النظام، لكن السيسي هو من أغلق كل مسارات الإصلاح والعمل السياسي.

هل تنتقل التجربة السودانية إلى مصر؟

اعتبر المؤرخ والأستاذ بـ«الجامعة الأمريكية» خالد فهمي أن احتجاجات الجمعة كانت فارقة في تاريخ الثورة، ورآها دليلًا على عدم رغبة عدد من القيادات الأمنية والاستخباراتية في الدفاع عن السيسي، ما لم يكن دليلًا على تخطيطهم للحراك من الأساس، كما أن وزارة الداخلية ليست مستعدة لدفع الثمن وحدها مرة أخرى كما حدث في يناير 2011، وأضاف أن الحراك تسبب بخسائر أخرى لنظام السيسي أهمها فشل الإعلام الذي يسيطر عليه النظام في إرهاب الناس وإقناعهم بما يردده منذ ست سنوات، بالإضافة إلى سقوط هيبة الرئيس بعدما مزق الناس صوره وداسوا عليها في الشوارع.

المؤرخ خالد فهمي، صاحب كتاب «كل رجال الباشا»

وقال عبد الله إبراهيم، ناشط سياسي وعضو سابق بـ«حزب الدستور»، إن سيناريوهات صراع الأجهزة ليست أكيدة لكنها تحمل الكثير من الوجاهة، مضيفًا أن انتشار تلك النظرية يجعل وضع الأجهزة الأمنية حرجًا، لأن تعاملها سيخضع لتأويلات الشارع لموقعها من الحراك، وهو ما سيحملها مسؤولية، سواء في حالة نجاح الحراك أو فشله.

وأضاف أن سيناريو السودان هو أقرب تصور لنجاح الحراك في مصر لأن كلفة التغيير الجذري ستكون عنيفة وفوق طاقة الجميع، مشيرًا إلى غياب أحزاب المعارضة عن الحراك وأن تلك الأحزاب ينبغي عليها إعلان بيانات توضح موقفها من الحراك وتوفر له الغطاء السياسي دون الركوب عليه، وقال إن مطالب المحتجين في تصوره ينبغي أن تركز على خروج المعتقلين السياسيين، وإلغاء التعديلات الدستورية الأخيرة، وحل البرلمان والدعوة إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة، وتعطيل العمل بقوانين التظاهر والطوارئ.

من جانبه قال الكاتب محمد نعيم إنه لا يستطيع أن يتوقع ما إذا كان هناك صراعًا بين الأجهزة السيادية بالفعل أم لا، لكنه استنكر من يرفض نزول الناس إلى الشارع بحجة أنها خطة استخباراتية، قائلًا: إن «الطبيعي أن الشعوب التي تخضع لحكم عسكري استبدادي لن تنتفض حتى تلمح إشارات على وجود شقاق داخل النظام»؛ لأن هذا الشقاق هو الضمانة الوحيدة لعدم سحق الحراك، مؤكدًا أن هذا يعد تحركًا ذكيًا وأن من يتصور أن الحراك الجماهيري لابد أن يكون بطوليًا وعفويًا تمامًا فهو ساذج.

وأضاف نعيم أن تظاهرات الجمعة حققت مكاسب إيجابية كثيرة أهمها كسر أوهام السلطة ومؤيديها حول استمرار ما يسمى بشرعية التفويض وإظهار ضعف شعبية النظام الحالي، مضيفًا أن النظام أصبحت خياراته محدودة لأنه أغلق أي محاولة للإصلاح السياسي وبالتالي لم يعد أمام الناس سوى النزول للشارع، كما أن تكلفة تأييد السيسي أصبحت عالية بالنسبة لمن معه لأنها تعني كسب عداوة الرأي العام الذي أصبح ضد السيسي.

وشدد على أن الحكم العسكري الحالي مدمر لكل روافد المدنية في الدولة بشكل أصبح خطرًا على الدولة والمجتمع معًا، مضيفًا أن النظام الحالي كان في بدايته يقمع التحركات المعارضة مدفوعًا بقوة شعبيته التي تؤيد كل إجراءاته، لكن استمرار القمع الآن أصبح دليلًا على ضعف النظام وتفسخه، وأشار إلى أن الشرطة لم تتعامل بالعنف المعتاد مع متظاهري يوم الجمعة لأن النظام يدرك أن هؤلاء هم عوام المصريين، وليسوا جماعة الإخوان المسلمين.

«فاينانشال تايمز»: إهدار المال العام في مصر يشعل احتجاجات استثنائية ضد السيسي

عرض التعليقات