*كاتب المقال: إيريك تريجر، الزميل بمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى

منذ أربعة أعوام، وقفت أمام المحكمة العليا في «وسط البلد» في القاهرة في الساعة الواحدة والنصف ظهرًا، على بُعد كيلومترين فقط من ميدان التحرير. كان النشطاء الثوريون المصريون قد أطلقوا دعوة لتظاهرات حاشدة ضد وحشية الشرطة في عيدها، يوم 25 يناير، لكن في تلك اللحظة كانت قوات الأمن تُحاصر ثلاث مجموعات صغيرة من المتظاهرين. وفجأة، توافد المئات من المتظاهرين من جِهة الشمال؛ فسحقوا قوة الشرطة؛ وشكَّلوا مع المتظاهرين الآخرين جسدًا واحدًا ضخمًا.

حاولت قوَّات مكافحة الشغب منع المتظاهرين من التقدُّم، لكنهم أدركوا أن أعداد المتظاهرين تفوقهم بكثير؛ فانسحبوا. حين وصل تقاطُر المتظاهرين إلى ميدان التحرير، رأيت أحد رجال الشرطة صغار السن يُخرج هاتفه المحمول ليلتقط صورة. لم تكُن التظاهرات حينها «ثورة»، ولا حتى «انتفاضة»، لكن يبدو أن رجل الشرطة ذاك أدرك أن حدثًا تاريخيًا يستعد للإعلان عن نفسه؛ فبدلاً من أن يحاول قمع التظاهرات، كما تُملي عليه واجبات وظيفته، اختار أن يُسجل مشهدًا منها للأجيال القادمة.

نروي قصة ثورة مصر في 2011، عادةً، من جانب نشطاء الثورة الشباب، الذين استغلُّوا ذكاءهم وإتقانهم لوسائل التواصل الاجتماعي لحشد الشعب من مختلف الاتجاهات، وسحق قوات الشرطة في وسط القاهرة، كما شاهدت الأمر في ذلك اليوم. لكن النسخة المصرية من «الربيع العربي» كانت، بالمِثل، قصة سقوط دولة الاستبداد. بالتأكيد، إنها قصة أجهزة المخابرات الداخلية التي فشلت في توقُّع تلك التظاهرات الحاشدة، قصة الحزب الحاكم المُتسلط الذي فشل في حشد أي ردٍ متماسك يدعم نظام مبارك، وقصة قوات الشرطة المُرعبة التي خارت قواها في اليوم الأول للانتفاضة، ثم انهارت تمامًا بعد أربعة أيام فقط من التظاهرات.

بعد أربعة أعوام، يظل هذا هو الدرس الباقي من الانتفاضة المصرية. ورغم أن أحلام النشطاء الثوريين لم تتحقق قط، فإن الدولة المصرية قد استمرت في الانهيار، وتبقى منهارة بشكل كبير حتى اليوم. ونتيجةً لهذه التجربة، يشعر الكثير من المصريين الآن بخوفٍ من التغيير، يدفعهم إلى الرضا بدولتهم المعطوبة بدلاً من انهيار الدولة التام الذي لا يريدون الوصول إليه.

بالتأكيد لم تبدأ الدولة المصرية في الانهيار فجأة خلال انتفاضة 2011؛ فالبيروقراطية قد جعلت جسدها مترهلاً لعقود طويلة. وكما يلاحظ الصحفي المصري محمود سالم، يتوزَّع 6 مليون موظف على 32 وزارة، في حين تجعل قوانين العمل المصرية من الصعوبة بمكان فصل أي موظف حكومي من عمله. وبالإضافة إلى ذلك، تفتقر الدولة المصرية إلى آلية للتنسيق بين الوزارات، وتتضمَّن اللوائح الداخلية لتنظيم العمل في الوزارات الكثير من الإجراءات الروتينية التي تؤخر القرارات المهمة إلى أجل غير مُسمَّى، إلا إذا تدخَّل الفساد ليُسهل الأمور. ونتيجة لذلك، تعمل الحكومة المصرية بمثابة نظام تكافل اجتماعي؛ فهي تُعطي الملايين من الموظفين قوت يومهم وأرزاق عائلاتهم، لكنها مثال في انعدام الكفاءة.

كان انعدام الكفاءة، بكل تأكيد، أحد أسباب انتفاضة 2011؛ فقد خرج المصريون إلى الشوارع أملاً في نظام إدارة أفضل. لكن التظاهرات الحاشدة سرَّعت من انجراف الدولة، الضعيفة بالأساس، إلى السقوط التام، وكان مردودها قاسيًا على أجهزة الأمن. في هذا السياق، وبعد أن انسحبت في البداية في عصر يوم 25 يناير، أخلَت قوات الشرطة ميدان التحرير بالقوة في تلك الليلة، وأغرقت مساحات واسعة من القاهرة بالغاز المُسيل للدموع في يوم 28 يناير، حين تعاظمت أعداد المتظاهرين بعد قرار جماعة الإخوان المسلمين بالاشتراك في التظاهرات.

لكن، وبحلول عصر يوم 28 يناير، كان رجال الشرطة يلوذون بالفرار؛ فقد كان المتظاهرون يهاجمون أقسام الشرطة في كافة أنحاء البلاد، وشارفوا على اقتحام وزارة الداخلية قبل أن يتدخَّل الجيش لحمايتها.

ورغم أن الكثير من المصريين قد رحَّبوا بحُكم المجلس العسكري الذي خَلَف مبارك في الحُكم باعتباره قوةً قادرة على استعادة الاستقرار في البلاد، فشل المجلس الأعلى للقوات المسلحة وحكومته في إعادة بناء الدولة المصرية. كان هذا، جزئيًا، بسبب موجة التظاهرات التي استمرت لأشهر بعد الانتفاضة، التي خرجت فيها كافة فئات المجتمع، من أفراد الشرطة إلى المعلمين وحتى شيوخ الأزهر، للمطالبة برواتب أعلى واستقلال أكبر.

ساهم أيضًا ارتعاش الحكومة الانتقالية في تعزيز سقوط الدولة. في الوقت الذي كان وزراء عهد مبارك يُساقون فيه إلى المحاكمة في قضايا الفساد ويُقبض عليهم، كان وزراء حكومة التكنوقراط الجُدد يخافون من نفس المصير إذا سقطت الحكومة؛ وامتنعوا لأجل ذلك عن اتخاذ قرارات مؤثرة. كانت الحكومة مترددة، تحديدًا، في اتخاذ قرارات من شأنها أن تُثير التظاهرات الشعبية ضدها؛ لذا ظلَّ جسد الحكومة البيروقراطي مترهلاً، وأخذت الاحتياطات النقدية المصرية في التناقص تحت ضغط الأجور والدعم.

وبالمبدأ نفسه، كان المجلس العسكري يخشى أن يثور الناس ضده إذا استعادت أجهزة الأمن سطوتها بطريقة عنيفة. لذا، زادت معدلات الجريمة والعنف الطائفي في الـ 16 شهرًا التي تَلَت تنحي مبارك، وركَّزت الدولة فقط على قمع النشطاء الثوريين.

استمر سقوط الدولة المصرية تحت حكم محمد مرسي، القيادي في جماعة الإخوان المسلمين، الذي فاز في الانتخابات الرئاسية في عام 2012، بسبب الطبيعة الخاصة التي تُميز الجماعة. الجماعة تنظيم طليعي، تنظيم تراتبي عميق يهدف إلى تحدي النفوذ الغربي من القواعد الشعبية إلى السُلطة. وخصوصًا، يعمل التنظيم على «أسلمة» الفرد عبر برنامجه التأهيلي الذي يستغرق من خمسة إلى ثمانية أعوام، ثم «أسلمة» المجتمع عبر نشر أعضائه ليجتذبوا إخوانًا مسلمين جددًا عبر برامج الجماعة الاجتماعية، ثم «أسلمة» الدولة عبر الفوز بالانتخابات وتعيين أعضائه في مراكز السلطة، وأخيرًا تأسيس «دولة الإسلام العالمية» التي تتكوَّن من دولٍ تحكمها الجماعة، تتحدَّى بها الغرب في هيمنته على العالم.

إذا كانت هذه النظرية في كيفية الوصول إلى سُلطة عالمية تبدو محض خيال؛ فهي حقًا كذلك. لكنها كانت النظرية التي حاول مرسي والجماعة تطبيقها خلال الفترة القصيرة التي قضوها في الحكم. كانت الجماعة تؤمن، بالتأكيد، أن تعيين الإخوان المسلمين في المناصب الحكومية سيكون له أثر السِحر؛ فالدولة الآن يديرها الإسلاميون، وليس رجال مبارك الفاسدون. لكن ذلك كان بعيدًا عن الواقع؛ فالإخوان كانوا بلا خبرة حكومية، وفي كثير من الأحيان فقدوا السيطرة على الأنظمة البيروقراطية في الوزارات والأجهزة المحلية التي عيَّنهم مرسي لإدارتها.

وفي هذه الأثناء، تجاهل مرسي قطاعات واسعة من المجتمع المصري في نوفمبر 2012 حين أصدر إعلانه الدستوري، ثم دعم إقرار دستور إسلامي. وفي حين قمعت الشرطة التظاهرات المعارضة لمرسي في البداية، وساعدت الجماعة في تعذيب المتظاهرين المعارضين خارج القصر الرئاسي، حوَّل انفجار معارضة مرسي في جميع أنحاء البلاد من نهج الشرطة. شعرت أجهزة الأمن أن المد يرتفع لأكبر من قدرة الجماعة على الاحتمال، ولم تكُن الشرطة مستعدةً للخسارة أمام انتفاضة جديدة.

لذا فحين خرج الملايين من المصريين إلى الشوارع بشكل غير مسبوق في 30 يونيو 2013، مطالبين برحيل مرسي، سار العديد من رجال الشرطة معهم في ثيابهم الرسمية، ورفضوا العودة إلى العمل قبل تنحي مرسي. وفي هذه الأثناء، شاركت العديد من مؤسسات الدولة الأخرى في التمرد؛ شجعَّت المخابرات المتظاهرين، واستقال العديد من وزراء مرسي، ووزَّع الجيش المصري الأعلام من المروحيات. وحتى جاء إعلان وزير الدفاع آنذاك، عبد الفتاح السيسي، عزل مرسي في ليلة الثالث من يوليو، كان مرسي رئيسًا بالاسم فقط. لم يكن يسيطر على أي شيء على الأرض؛ وهذا ما جعل عزله حتميًا.

يعتقد العديد من المحللين أن انحياز مؤسسات الدولة المصرية ضد مرسي هو دليل على وجود «دولة عميقة»، يمكنها أن تسيطر على المشهد من خلف الكواليس. لكن، في الحقيقة، اتحاد هذه المؤسسات اللحظي ضد أحد أعدائها لا يجب أن يُفهم خطأ على أنه إشارة لوجود «دولة عميقة» بقدر التماسك الذي توحي به التسمية. وحتى حين أكَّد السيسي أن الدولة المصرية هي الأولوية منذ أن أصبح رئيسًا في يونيو الماضي، كانت الدولة المصرية مستمرة في السقوط.

ضع في اعتبارك، على سبيل المثال، سيل التسريبات التي تذيعها القنوات الفضائية التابعة للإخوان من تركيا خلال الأشهر الماضية. في واحد من هذه التسريبات، يرسم اللواء ممدوح شاهين خطة تدَّعي أن وزارة الداخلية تحتجز مرسي استعدادًا للمحاكمة، في حين كان الرئيس المعزول في الحقيقة محتجزًا في إحدى القواعد البحرية.

«مش هتلاقي تزوير أحسن من كده»

هكذا قال شاهين، بينما يمكننا سماع أصوات ضحكات في الحجرة. في تسجيل آخر، يتصل اللواء عباس كامل، رئيس ديوان رئيس الجمهورية الآن، بالنائب العام ليطلب العفو عن ابن أحد الصحفيين المعروفين. تشير التسجيلات إلى أن الدولة المصرية تحارب نفسها، وإلى أن أحد أجهزة المخابرات يُسجل محادثات ويسربها لتقويض قيادة الجيش، التي يرتبط بها السيسي.

كما أن سعي نظام السيسي الجنوني إلى مراقبة وسائل الإعلام يعكس شعوره بالقلق. ووفقًا لأحد الصحفيين المعروفين الذي تحدَّث للسيسي، فإن الرئيس المصري يعمل بنفسه على التأثير على تغطية الصحفيين للأخبار عبر الاتصال بثلاثة من مُقدمي البرامج على التليفزيون يوميًا. وكما ذكر موقع Buzzfeed في تقرير له، الأسبوع الماضي، أمرت الحكومة المصرية القنوات بإبراز القبض على المثليين لصرف الانتباه عن إخفاقاتها.

لكن يظل السيسي متمتعًا بسُلطة مستقرة. السبب في هذا، بشكل جزئي، هو أن أجهزة الدولة تعمل بشكل أفضل تحت رعايته في قطاعات محورية بعينها. يتقلَّص نقص الخبز يومًا بعد يوم بعد تطبيق نظام البطاقات الذكية لتوزيع الخبز المُدعم؛ وأعلن السيسي تخفيض دعم الغاز بشكل كبير في أول شهر من حكمه. والسبب في هذا أيضًا، بشكل جزئي، هو قمع السيسي للمعارضة، من خلال التنكيل بالإخوان، واعتقال الكثير من النشطاء الثوريين المشهورين على خلفية قانون التظاهر الذي صدر في 2013.

لكن السبب الأهم ربما في استقرار السلطة للسيسي هو المزاج الشعبي العام، الذي يُعد مزيجًا من القلق والراحة. يشعر المصريون بالإرهاق بعد أربعة أعوام من الاضطراب، لكنهم في الوقت نفسه راضون لأن بلادهم لم تدخل في دوامة الفوضى كما حدث في سوريا، والعراق، وليبيا، واليمن. لذا فإن قطاعًا كبيرًا من المصريين يُفضِّلون الآن الدولة المعطوبة على أن يُخاطروا مرة أخرى مُهددين دولتهم بالانهيار، حتى وإن لم تُحَل المشكلات الاقتصادية والسُكانية التي تسببت في اندلاع انتفاضة 2011.

هذه السردية، بالتأكيد، تقف في وجه السردية السائدة في واشنطن، التي ترى «الربيع العربي» لحظةً كان بإمكانها تحويل العالم العربي إلى الديمقراطية لولا أن خانها المصريون حين اصطفوا خلف عزل الجيش للرئيس المنتخب في يوليو 2013. يبدو هذا الإحباط مُبررًا؛ فلا شيء ديمقراطي في مصر بعد عزل مرسي، وحملة القمع العنيفة التي يشنها النظام على المعارضة جديرةٌ بالإدانة. لكن يجب على واشنطن أن تضع في حسبانها أن الآمال الرومانسية التي كانت لدى الكثير من الأمريكيين الذين يقبعون على بُعد آلاف الكيلومترات عن مصر قد تسبَّبت في قدر كبير من الألم للمصريين الذين عاشوا تبعات انتفاضة يناير 2011. وبعد أربعة أعوام، يبدو الأثر الأكبر للانتفاضة هو أن كثيرًا من المصريين الآن سيفكرون ألف مرة قبل أن يُطالبوا بأكثر مما لديهم.

لكن عدم رغبة المصريين في انتفاضة شعبية ثانية لا يعني أن نظام السيسي مستقر تمامًا. فرغم كل شيء، يعتمد نظام السيسي بشكل أساسي على دولة شبه منهارة، وتحمل محاولات إصلاحها قدرًا كبيرًا من المخاطرة الشخصية. على سبيل المثال، لن يحتمل الملايين من المصريين قسوة الحياة إذا خفَّض السيسي الأجور أو حاول الحد من ترهل البيروقراطية. وحتى لو كان السيسي راغبًا في إصلاح وزارة الداخلية (أؤكد على «لو»)، فسيخاطر بتهميش الشرطة والإسراع بانهيار الدولة. السيسي نفسه أيضًا جزء من دائرة الخطر بعد أن دعا قادة الإخوان إلى قتله.

الدولة الآن هي خط دفاعه الأول في صراع الحياة أو الموت.

ولهذا السبب، فإن أفضل استراتيجية لواشنطن هي اتباع سياسة مُحافِظة. من الواضح للجميع، حتى لنا في الولايات المتحدة الأمريكية، أن مصر لن تنعم بالاستقرار دون إصلاح سياسي واقتصادي. من الصعب الضغط لإجراء هذه الإصلاحات في بلدٍ تخاف فيه الحكومة، وقطاع واسع من الشعب معها، من التغيير. وبدلاً عن ذلك، يجب على واشنطن التركيز على إعادة بناء الثقة في القاهرة من خلال التأكيد على أساس العلاقات المصرية الأمريكية: المعونة العسكرية الأمريكية لتحقيق التعاون الأمني.

بكل تأكيد، هذه التركيبة البسيطة التي صمدت لثلاثة عقود من الزمن ليست مُرضية تمامًا، بالنظر إلى التحديات التي تواجهها مصر. لكن في ظروف مصر الحالية ومناخها السياسي، فالانتظام يُحقق الراحة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد