أقلعت طائرة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان متوجهة إلى الكويت وقطر، في زيارة عملٍ تستغرق يومًا واحدًا، بعد أسبوع من وفاة أمير الكويت، وتقلد الابن الثمانيني نواف الأحمد مقاليد الحُكم، وهو الذي ظل نحو 14 عامًا وليًا للعهد، ولم تُعرف أبدًا توجهاته السياسية بعد في الخليج المُلتهب، حتى أنّ سيرته الذاتية تُشير إلى أنه تلقى تعليمًا محليًّا، ثم مارس بعدها وظائف داخلية بعيدة عن السياسة الخارجية، وهو الصعود الذي يمثل بعض القلق لكل الأطراف.

يصف أردوغان العلاقة بين تركيا والكويت، خلال زيارة قام بها الشيخ الراحل صباح الأحمد إلى أنقرة عام 2017، قائلًا: «الكويت هي بوابة تركيا إلى الخليج، وأن تركيا هي طريق الكويت لأوروبا وآسيا الوسطى»، وهو ما لخّص خيوط الصداقة التي تُزعج السعودية والإمارات. التقرير التالي يشرح لك أبعاد الارتباط بين تركيا والكويت، ولماذا على الأرجح لن يُغرّد الأمير الجديد عن إرث والده في صداقته مع تركيا.

4 سنوات على حصار قطر.. كيف تعاملت تركيا والكويت؟

حين قررت ثلاث دول من مجلس التعاون الخليجي، وهي: السعودية والإمارات والبحرين، إلى جانب مصر قطع العلاقات مع قطر، في يونيو (حزيران) عام 2017، وقررت إغلاق كافة المنافذ الجوية والبحرية والبرية؛ بعد اتهامها بدعم ما أسمته بالإرهاب والتعاون مع إيران؛ رسمت الكويت مسارًا مخالفًا لدول الحصار على الرغم من اتجاهها المُعلن بالتزام مبدأ الحياد، ومحاولة تقريب وجهات النظر.

Embed from Getty Images

وتتمتع الكويت بتشابهات مع قطر، وهو ما أثار لديها مخاوف بتكرار السيناريو ذاته معها بعد ذلك، خاصة أنها دولة صغيرة، فضلًا عن تمتعها بسياسة مستقلة تتمايز عن الرياض في عدد من القضايا، ولها خصوصية داخلية تجعلها أكثر الدول الخليجية من ناحية الانفتاح السياسي والتعددية الحزبية، فضلًا عن وجود خلافات قديمة متجددة حول حقول النفط المشتركة بين البلدين، وهي الأمور التي من الممكن أن تثير غضب السعودية، لتكرر سيناريو المقاطعة مع الكويت، حال نجاحها في إخضاع الدوحة لمطالبها.

لذا فبينما سارعت عُمان لفتح خطين ملاحيين تابعين لها بين ميناء حمد ومينائي صحار وصلالة لكسر الحظر البحري المفروض على الدوحة، وتقديم الدعم اللوجستي للشركات القطرية المستوردة للمواد الغذائية؛ كانت الكويت تحشد دوليًا لمنع نشوب أي عمل عسكري ضد الدوحة، وهو التصريح العلني المثير للجدل الذي أعلنه أمير الكويت الراحل خلال زيارة له في البيت الأبيض بعد مرور ثلاثة أشهر من عُمر الأزمة، إلى جانب تصريح آخر مثير له قال فيه: «قطر تواجه مطالب ما كانت لتوافق عليها بلاده لو طُلبت منها»، وهي خطوة أثارت غضبًا مكتومًا لدى الرياض.

التحرك الكويتي في الأساس خدم مصالح تركيا الممثلة في حماية النظام القطري وتوفير الدعم السياسي له، كما أنّ الاتصالات السياسية بين تركيا والكويت لم تنقطع، وسبق للخارجية الكويتية أن تعهدت لنظيرتها التركية في مهد الأزمة بحل حصار قطر بالطرق الدبلوماسية فقط، وهو ما دفع السعودية لشن أذرعها الإعلامية للهجوم على الكويت عبر «تركي آل الشيخ» المستشار بالديوان الملكي السعودي، ورئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للرياضة، إلى جانب الصحف السعودية البارزة التي اعتبرت أنّ الكويت خذلت دول الحصار، وسبق لموقع «إرم» الإماراتي أن تساءل عن احتمالية أن تمتد مقاطعة قطر لتشمل الكويت.

عربي

منذ 11 شهر
«قصة خلاف معلن».. أزمة «المنطقة المحايدة» بين الكويت والسعودية

تمثل الرد الكويتي الرسمي على ذلك الهجوم في الدعوة الرسمية التي بعث بها الشيخ الراحل صباح الأحمد إلى الرئيس التركي في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2017 لزيارة الكويت لتوقيع عدد من الاتفاقات الأمنية والاقتصادية، في حضور رئيس هيئة الأركان التركي، ووزير الاقتصاد؛ كما تعمدت الكويت رفع علم تركيا على أبراج الكويت الشهيرة في ميدان الخليج العربي بالعاصمة، على ساحل البحر.

الاقتصاد كلمة السر.. كيف يدافع البلدان عن مصالحهما؟

بحسب إحصاءات رسمية، وصلت قيمة الصادرات التركية إلى الكويت عام 2019، 557.5 مليون دولار، في حين بلغت قيمة الصادرات الكويتية إلى تركيا في الفترة ذاتها نحو 146.8 مليون دولار، دون احتساب قيمة المشتقات النفطية، وقبل حصار قطر، كانت شركات المقاولات التركية العاملة في الكويت قد شيدت أعمالًا بلغت قيمتها 6.3 مليارات دولار، إضافة إلى اشتراك تركيا في تنفيذ مشروع تشييد مطار الكويت الدولي الجديد بتكلفة 4.5 مليار دولار أمريكي.

Embed from Getty Images

ووصلت قيمة المشروعات التي نفّذتها شركات المقاولات التركية في الكويت إلى 6.5 مليارات دولار، وحجم الاستثمارات الكويتية المباشرة في تركيا وصل إلى نحو 1.7 مليار دولار، في ظل وجود أكثر من 10 آلاف تركي يعملون في الكويت. هيئة الإحصاء التركية أشارت في بيان نشرته الشهر الماضي إلى أنّ الكويتيين يأتون في المرتبة الرابعة من حيث شراء الأجانب للعقارات في تركيا، بعدما كانوا في المرتبة الثالثة في يناير (كانون الثاني) عام 2017.

وبحسب وزارة الخارجية التركية، فالكويت تستورد من تركيا الأغطية الأرضية والحديد والفولاذ والآليات البرية والماكينات وقطع التبديل والنسيج، بينما تستورد تركيا من الكويت: البترول الخام ومنتجات البتروكيمياء والمنتجات الكيميائية العضوية والبلاستيك والمواد البلاستيكية.

وبينما يقولُ أردوغان إن حجم التبادل التجاري بين تركيا ودول الخليج بلغ قبل حصار قطر قرابة 17.5 مليار دولار أمريكي، وتأمل تركيا أن يرتفع حجم التبادل التجاري إلى مليار دولار، وهو رقم أقل ثلاث مرات من حجم التبادل التجاري بين الدوحة وأنقرة.

وعقب أزمة انخفاض الليرة التي شهدتها تركيا في السنوات الأخيرة، استضافت الكويت ثلاثة مؤتمرات دولية لجمع التبرعات الإنسانية لدعم 3 ملايين لاجئ سوري استضافتهم تركيا. الكويت أيضًا دعمت تركيا وساهمت في تمويل بناء قرية صباح الأحمد في جنوب تركيا، والتي تضم الآن أكثر من 15 ألف لاجئ سوري، كما قدمت لأنقرة 20 مليون دولار لدعم الحكومة التركية في تقديم خدمات للاجئين على مستوى التعليم والصحة.

الاتفاق الأمني.. لماذا يُزعج السعودية والرياض؟

حين شهدت تركيا انقلابًا فاشلًا في يوليو (تموز) عام 2016، سارعت الكويت لدعم الحكومة التركية المنتخبة ديمقراطيًا، في اتجاهٍ عكس الاتجاه الحقيقي الذي تبنته السعودية والإمارات التي بدت أذرعها الإعلامية محتفية بمحاولة الانقلاب على عكس الموقف الرسمي للدولتين الرافض للمحاولة الانقلابية.

Embed from Getty Images

وبعدما أعلن أمير الكويت فشل جهود وساطته لحل الأزمة الخليجية، وقع في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2018، مع تركيا اتفاقية تعاون دفاعي عسكري مشترك بين الطرفين؛ وهو ما برره السفير الكويتي في تصريحات لموقع «الخليج الجديد» بأنّ «تركيا دولة متقدمة في الصناعات العسكرية، ودولة عضوة في حلف الناتو، وهي الدولة الوحيدة في المنطقة التي تتمتع بالعضوية الكاملة، بالإضافة إلى أن الكويت الدولة الوحيدة التي يوجد بها مكتب لحلف الناتو ومن خارج المنظومة»، وهي التصريحات التي عكست الرد على الغضب الخليجي الواضح تجاه الكويت.

وعبر تلك الاتفاقية تستفيد الكويت من تدريب أفرادها، مع الحصول على صفقات أسلحة تركية، وفي نوفمبر (تشرين الثاني) العام الماضي، استقبلت الكويت وفدًا تركيًا رفيع المستوى بهدف التشاور لرفع درجة تطوير التعاون الأمني والعسكري، وهو من الممكن أن يتطور لاستقبال الكويت جنودًا أتراكًا على أراضيها، على غرار قطر.

وسبق للكويت أن طلبت رسميًا من بريطانيا إنشاء قاعدة عسكرية دائمة في توقيتٍ مُشابه لإرسال تركيا قوات عسكرية للدوحة، عقب إعلان الرياض وأبو ظبي عدم التزامهما بالوساطة الكويتية، وهو ما دفع الكويت على ما يبدو للبحث عن غطاء سياسي، في حال فشلت جهود الوساطة، أو بدأت دول الحصار في اتخاذ خطوات خصومة معها.

خطوة اللجوء إلى بريطانيا وتركيا كانت مُبررة من جانب البرلمان الكويتي، والتي عكست مخاوف المسؤولين، فحذر رئيس لجنة الأولويات في البرلمان الكويتي «أحمد الفضل» من احتمالية تعرض بلاده لمقاطعات أو ضغوط، مطالبًا بالاستعداد لذلك قائلًا: «الأمن الغذائي والأمن الدوائي أمران مهمان، وخصوصًا أن الأوضاع تتوتر في بعض الدول، وقد نتعرض لمقاطعات أو لأمور نعتبر الاستعداد لها أولوية مهمة بالنسبة لنا».

وتروج تركيا أنّ التجربة العربية للتعاون العسكري معها والممثلة في قطر وليبيا كانت تجربة مثمرة على المستويين الاقتصادي والأمني، وتعتبر الأعوام التي تلت الأزمة الخليجية هي السنوات الأكثر في الزيارات الرسمية رفيعة المستوى والمتبادلة بين الطرفين (تركيا والكويت)، ورفع درجة العلاقات.

أبحاث ودراسات

منذ 3 أسابيع
معهد إسرائيلي: تركيا تُشكل تحديًا كبيرًا لإسرائيل.. وتهديدًا لن يزول حتى بعد أردوغان

ومنذ عام 2018، يتشاور البلدان (تركيا والكويت) ضمن اللجنة المشتركة بينهما لبحث التوافق في الأوضاع المفاجئة التي تطرأ على الخليج العربي سياسيًا واقتصاديًا، والتعاطي معها في علاقة سياسية نشطة، نظرًا للثقل الإقليمي الذي تلعبه الكويت عبر وساطاتها، وعدم دخولها في صراع المحاور، لذا تعتبر تركيا الكويت هي مدخلها للخليج العربي وليس قطر.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد