تحول رئيس وزراء إثيوبيا لبطل جديد في ساحة المفاوضات خارج بلاده، وتحديدًا في السودان، بعدما نجح عبر ضغوط مستمرة، وحضور سياسي لافت، ولقاءات امتدت لأسابيع دارت بين الخرطوم وأديس أبابا، في نزع موافقة من قادة المجلس العسكري الانتقالي وقوى الحرية والتغيير حول المبادرة الإثيوبية لحل الأزمة السودانية.

غير أن هذا الحضور تزامن مع سعي حثيث من القاهرة وجوبا (عاصمة جنوب السودان)، في عملية الوساطة، آملين في حجز موقع مهم من خلال التوسط في المفاوضات لانتزاع نفوذ للبلدين داخل الخرطوم .

التقرير التالي يحاول فك خيوط الوساطات الدولية بين العواصم الثلاثة، وشرح أسباب تفوق المبادرة الإثيوبية عن نظيرتها الجنوب سودانية المدعومة مصريًا.

آبي أحمد.. «مانديلا المُسلم» الذي يسعى لجعل إثيوبيا دولة ديمقراطية كبرى

لماذا تميزت إثيبوبيا عن جيران السودان الآخرين؟

تكاد إثيوبيا أن تكون الوسيط الدولي الأكثر تماسكًا في حضوره داخل الأزمة السودانية، وصاحب النفوذ الأكبر على جميع أطراف الحوار؛ ليُشكل ذلك مكسبًا كبيرًا لرئيس وزرائها آبي أحمد، الذي انتهت محاولاته بنجاح، تَمثل في توقيع قادة المجلس العسكري ووفد قوى الحرية والتغيير على اتفاقية طرحتها إثيوبيا عقب سلسلة من المفاوضات واللقاءات جمعتها بقادة الحرية والتغيير وكذلك بقادة المجلس العسكري.

قبول طرفي النزاع بالوسيط الإثيوبي يتصل بمواقف إثيوبيا الحيادية تجاه اندلاع التظاهرات المناهضة لحكم البشير، على خلاف دول أخرى ظلت داعمة للبشير حتى الأيام الأخيرة مثل قطر ومصر، وهو ما أدى لإضعاف فرصهم بوصفهم وسطاء محتملين.

يرتبط النجاح الإثيوبي في اختراق الأزمة السودانية كذلك بشخصية آبي أحمد، رئيس الوزراء الإثيوبي، القادم من خلفية سياسية دبلوماسية، إذ نجح في السبق في إنهاء أزمات سياسية، عبر الدبلوماسية والحلول السياسية. كما شكلت خلفيته الداعمة للديمقراطية وحقوق الإنسان قبولًا واسعًا وسط قطاع كبير من قوى الحرية والتغيير، خصوصًا بعدما نجح إلى حد كبير مؤخرًا، في النأي ببلاده من النزاعات المُسلحة التي عاشتها لسنوات طويلة.

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد

فالرجل سياسي، يسعى في مسارات غير تقليدية لإنهاء مشاكل بلاده، عكس الساسة الآخرين. هذه المسارات التي تجلت في إنجاز مصالحة وطنية كبيرة بين كافة الطوائف، وإطلاق المفاوضات مع المعارضة المنفية في الخارج، ولقاء وفد منهم، تكلّلت برفع ثلاث جماعات معارضة من على قوائم الإرهاب.

مهامه التي اضطلع بها في بلاده للتخفيف من القبضة الحديدية التي كانت تحكُم بلاده عبر إحالة خمسة من كبار المسئولين للتقاعد؛ من بينهم رئيس الاستخبارات، وقيادات في الجيش ممن ثبت تورطهم في قمع احتجاجات 2015، وإصدار قرار بالعفو عن 757 من السجناء السياسيين المُدرجين على قوائم الإرهاب من جانب الحكومة السابقة، فضلًا عن رفع الحظر عن قنوات المعارضة التلفزيونية، ورفع حالة الطوارئ؛ كانت عاملًا آخر شديد الأهمية وراء القبول الواسع بوساطة إثيوبية.

كُل هذه العوامل كانت داعمة وهامة من أجل الاحتفاء بإثيوبيا وسيطًا للأزمة السودانية، التي وجدتها هي الأخرى فرصة لتعزيز علاقاتها مع السودان الجديدة بعد البشير، وضمان تأييد الخرطوم لها في أي أزمات خلافية مع دول مثل مصر في مشروع سد النهضة أو إريتريا.

من جانبه، يقول الصحافي الإثيوبي، المقيم في أديس أبابا، عبد المعين عبد السلام، إن نقاط تفوق المبادرة الإثيوبية تتمثل في واقعية المبادرة ومحاولتها مراعاة تطلعات جميع الأطراف، وقوة الضغوط التي جاءت من إثيوبيا ومن خلفها الاتحاد الأفريقي، وثالثًا رغبة جميع الأطراف في السودان وضع حد للأزمة، وأخيرًا شخصية آبي أحمد والكاريزما التي يتمتع بها كان لها دور كبير في قبول مبادرته.

ويُضيف خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أن: «العلاقة التاريخية التي تربط بين أديس أبابا والخرطوم، فضلًا عن أن كل ما يحدث في السودان له صدى أو أصداء في إثيوبيا وكذلك العكس. وانطلاقًا من هذه النقطة المهمة فإن أمن السودان واستقراره مهم جدًا لإثيوبيا لذا دخل آبي أحمد بكل ثقله السياسي على الخط لإيجاد حل للأزمة بعد أن رأى أن هناك أيادي خفية تتلاعب لتنفيذ أجندتها في المنطقة وتلك الجهات معروفة طبعًا».

وأضاف أن: «أبي أحمد وضع كل ثقله من خلال حكومته ومن خلال الاتحاد الأفريقي ومقره العاصمة أديس أبابا، وصوت إثيوبيا مسموع وقوي في المنظمة، وكما تعرف فقد جمد الاتحاد عضوية السودان في الاتحاد وأعطاه مهلة قبل ذلك لتسليم السلطة للمدنيين وكانت إثيوبيا وعدة دول ومن بينها رواندا من دفعت بهذا الاتجاه رغم معارضة بعض الدول ومن بينها مصر».

وتابع حديثه قائلًا: «أنه في النهاية قد صدر القرار بتجميد عضوية السودان، وهذا طبعا شكل ضغطًا كبيرًا على المجلس العسكري، ومن جهة أخرى فإن المبادرة الإثيوبية واقتراحات آبي أحمد صيغت بشكل جيد، حيث إنها نجحت بإقناع جميع الأطراف بقبولها لأن الجميع يراها تخدم هدفه، مؤكدًا أن المجلس العسكري ما كان يهمه أكثر بعد المذبحة التي قام بها لفض الاعتصام هو ضمان عدم مساءلته مستقبلًا عنها وأعتقد أنهم توصلوا ضمنيًّا إلى اتفاق بهذا الشأن، وإن لم يعلن عنه».

واختتم عبد المعين حديثه بأن بنود الاتفاق بالنسبة للعسكر مع ضمان عدم مساءلتهم مستقبلًا يعتبر جائزة لهم وليس لهم سوى قبولها، خاصة وأن الأوضاع ليست مضمونة. بينما رأت القوى المدنية في المبادرة انها أفضل ما يمكن تحقيقه في هذه المرحلة وأن رفضها يؤدي إلى تصعيد لا تحمد عقباه، بحسبه.

احتمالات الفشل أكثر من النجاح.. القاهرة تتسلل للخرطوم من بوابة جوبا

مع سقوط البشير، تحولت جنوب السودان لبوابة خلفية للقاهرة من أجل تمرير مُبادرات الوساطة في المفاوضات، ووجهة النظر المصرية، في ضوء حضور جوبا الواسع في الخرطوم، والصلات النافذة التي تربطها مع قادة المجلس العسكري الانتقالي، خصوصًا سيلفا كير، رئيس جمهورية جنوب السودان، الذي كان ضابطًا سابقًا في الجيش السوداني، وزميلًا لقادة المجلس الحاليين. علاوة على عامل مهم آخر وراء اختيار القاهرة لجوبا، يتمثل في النفوذ المصري الواسع في جنوب السودان.

الرئيس جنوب السودان سيلفا كير

ومع بداية اندلاع الأزمة السودانية؛ لم تنقطع زيارات المسؤولين المصريين لجنوب السودان، والعكس صحيح، من أجل بحث موقف مشترك تجاه الأزمة السودانية، والدفع بجوبا وسيطًا مدعومًا من القاهرة.

كانت هذه الزيارات متزامنة مع نفور سوداني شعبي للدور المصري؛ كان شاهدًا عليها المُظاهرات التي خرج فيها «عدد كبير» من المحتجين السودانيين أمام مقر السفارة المصرية في الخرطوم، منددين بالتدخل المصري في السودان. ورفع المحتجون لافتات تحمل عبارات من قبيل: «السودان دولة ذات سيادة مستقلة»، و«ثوار السودان ينددون بتدخل السيسي في ثورة ديسمبر (كانون الأول)»، و«لا لمعسكر الثورات المضادة».

وردد المشاركون في المسيرة هتافات كان أبرزها «قول السيسي ده السودان، انت حدودك بس أسوان»، في إشارة إلى الحدود بين البلدين. لذلك كان القرار المصري هو التواجد في الملف السوداني عبر حليفها الجنوب السوداني؛ بعد تعثر الوساطة المصرية  في المفاوضات بشكل مباشر، لرفض قطاعات شعبية لوجودها.

فقبل بدء الوساطة الإثيوبية في عملها، سعت القاهرة عبر جوبا لدفعها نحو تمرير مُباردة تدعمها بواسطة سيلفا كير، وهو ما اتضح في طرحها مبادرة بين كافة المجلس العسكري الانتقالي وقوى الحرية والتغيير، ساعية من ورائها لتحل محل إثيوبيا.

وعبر مبعوث رئيس جنوب السودان إلى الخرطوم، بـتوت قلواك آنذاك، عن أحقية بلاده في رعاية التفاوض، قائلًا: «إن العلاقة الوطيدة مع السودان، تجعل جوبا «أحق بالوساطة» لتقريب وجهات النظر بين المجلس العسكري والقوى السياسية في السودان».

كانت حديث قلواك حول «أحقية» بلاده في الوساطة إشارة مباشرة إلى عدم رضائهم عن الوسيط الإثيوبي، كالحال نفسه بالنسبة للقاهرة داعم مبادرتهم. وكرر قلواك من جديد رفضه للمبادة الإثيوبية، من العاصمة المصرية، حين أشار من جديد إلى أن بلاده أحق بإدارة الأزمة السودانية، قائلًا: «نحن دولة سودانية، ومبادرتنا ليست أجنبية أو خارجية».

دعم وحضور القاهرة في المُبادرة الجنوبية؛ تأكد في زيارة قلواك للقاهرة، بعد انتهاء طرح بنود مبادرته في الخرطوم، وذلك رفقة عدد من وزراء حكومة جنوب السودان، ولقائهم بالسيسي وكبار مسؤوليه؛ لعرض نتائج مساعيه التي فشلت بعد ذلك، نتيجة عدم قبولها من كافة أطراف الأزمة السودانية، وتحديدًا من قوى الحرية والتغيير.

عبر عن ذلك قلواك في تصريحات بعد لقائه بالسيسي، بعدما ذكر وقائع هذه الزيارة وأن الرئيس سيلفا كير طالبه بعرض نتائج المقابلات على الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي للتنسيق والتشاور معه بشأن تلك المبادرة، ودعمها من قبل السيسي بصفته الرئيس الحالي للاتحاد الأفريقي؛ الذي أعلن دعمه للمبادرة.

غير أن سريان المبادرة الإثيوبية، والدعم الإقليمي والدولي لها، فضلًا عن قبول كافة أطراف الأزمة السودانية بها، انتهي بمصير المبادرة الإثيوبية المدعومة مصريًّا للتواري. دافعة بملف الحركات المُسلحة نحو طاولة التفاوض، لتعود القاهرة من جديد للملف السوداني، عبر جوبا أيضًا، بعدما نجحت المبادرة الإثيوبية، وفشلت جهودها مع جوبا في طرح أنفسهم وسطاء للأزمة. وطرح جوبا نفسها وسيطًا لاستضافة المفاوضات بين الحركات المُسلحة السودانية والمجلس العسكري، محاولة لدمجهم في الحياة السياسية.

كان شاهدًا على هذا الدور، الزيارة الأخيرة لرئيس جهاز المخابرات العامة المصرية لجنوب السودان، الأسبوع الماضي، والذي نقل خلالها رسالة من الرئيس المصري لنظيره الجنوب السوداني. إذ كان الهدف من الزيارة هو دفع جنوب السودان لرعاية رعاية واستضافة المفاوضات بين الحركات المسلحة السودانية، والمجلس العسكري، في جوبا، لتوقيع اتفاق سلام بين تلك الحركات والمجلس العسكري وتسليم السلاح، حتى يتم دمج تلك الحركات في المشهد السياسي الفترة المقبلة، ومشاركتهم بصورة طبيعية في تشكيل الحكومة، ومجلس السيادة والمجلس التشريعي، وفقًا لمصادر دبلومسية مُطلعة نقلت مضمون اللقاء لصحيفة «الاتحاد» الإماراتي.

«على خطى السيسي».. هل يكون ياسر العطا «فرس الرهان الرابح» لعسكر السودان؟

 

من الأحق بالوساطة؟ باحثون من جوبا والخرطوم يُجيبون عن ذلك

وسط هذا النزاع الدائر في الخرطوم بين وسطاء دوليين بحثًا عن مساحة نفوذ في السودان، نجحت فيه إثيوبيا، حتى الآن، في طرح نفسها وسيطًا مقبولًا من الجميع، وانسحاب جنوب السودان، بعدما انتهت مبادرتها المدعومة مصريًّا إلى الاختفاء، تثار أسئلة حول ما وراء هذا النجاح الإثيوبي، وعوامل فشل جنوب السودان، ومن ورائها مصر في طرح أنفسهم وسطاء في المفاوضات، وإلى أي مدى ستنجح جهودهم في رعاية اتفاقية الحركات المُسلحة.

احتجاجات لآلاف السودانيين بالخرطوم

من جانبه، يقول جون كارتك، وهو صحافي بصحيفة «نداء جنوب السودان» الإلكترونية، في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست» أن: «فشل جنوب السودان مرتبط بشكل رئيسي بـ«ضعف» العلاقات بين جوبا والخرطوم، نتيجة موقف الأول الداعم لبقاء البشير حتى الأيام الأخيرة، فضلًا عن أن هناك ملفات كثيرة بين البلدين ما زالت مفتوحة وهي ملفات تعيق العلاقة بين الدولتين».
وأضاف كارتك أن: «جنوب السودان غير مؤثر على أطراف الأزمة السودانية من جهة، فضلًا عن أنه ليس لديه تجارب في التوسط في نزاعات، إلى جانب أوضاعه السيئة اقتصاديًا وسياسيًا».

بينما يُضيف أوجيسيا موسيس، وهو باحث مُقيم بجنوب السودان، بعدًا جديدًا لفشل وساطة بلاده؛ إذ يقول في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست» أن: «دور جوبا مجرد حركة بلا رؤية؛ فضلًا عن أن نظام جوبا كان ضد الثورة السودانية؛ وهو ما كان سببًا رئيسيًا في نقل المحادثات إلى أديس أبابا برغبة قوى الحرية والتغيير».

بدوره، يقول خالد مدي، وهو عضو بشبكة «الصحافيين السودانيين»، في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست» أن: «إثيوبيا لديها علاقات متميزة مع كافة أطراف الأزمة السودانية قبل سقوط النظام. والأهم من ذلك كله، لم تتدخل الحكومة الإثيوبية لفرض أجندتها أو دعم أحد الأطراف بعد سقوط النظام، لذلك وجدت دورها ترحيبًا من الطرفين».

وحول وساطة جوبا المدعومة مصريًا بين الحركات المسلحة والمجلس العسكري الانتقالي، يُجيب مدي أنه: «على الرغم من أن آبي أحمد لديه علاقات مباشرة مع بعض قادة الحركات، لكن تظل جوبا الأقرب خصوصًا حينما يتعلق الأمر بمنطقتي جبال النوبة (جنوب كردفان) والنيل الأزرق، للعلاقة الوثيقة التي تربط بين الرئيس سلفا كير وقادة الحركة الشعبية بجناحيها في المنطقتين. ولدى سلفا كير علاقات كبيرة بحركات دارفور».

ويشير إلى أن الخرطوم والقاهرة ترغبان في قيادة سلفا كير لمبادرة التواصل مع الحركات ورعاية المفاوضات المرتقبة، خصوصًا أن لدى جوبا والقاهرة علاقات وطيدة مع الحركات المسلحة مما يضمن لهما النجاح في هذا الملف.

بعد اتفاق السودان.. هل يُحضّر المجلس العسكري لثورة مضادة جديدة؟

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد