يقال إنه لو كانت المساعدات الدولية تساهم في تنمية أي بلد، لكانت أفريقيا أغنى قارات العالم، ولعل هذه المقولة الشائعة لدى الجهات المعنية بالتنمية، تعبر عن وضع القارة الأفريقية، التي تأبى المضي قدمًا رغم سيل المساعدات الأجنبية، الذي ينهمر عليها سنويًّا، بخاصة بلدان أفريقيا جنوب الصحراء.

وتمثل هذه المسألة إشكاليةً معقدةً بالنسبة للباحثين في مجال التنمية، الذين يحاولون البحث عن الأسباب الحقيقية وراء هشاشة التنمية بأفريقيا جنوب الصحراء، كما تطرح السؤال لدى الحكومات الغربية حول جدوى المعونة الإنسانية المقدمة لتلك البلدان.

مساعدات ضخمة لكن بدون جدوى

خلال فترة الاستعمار، كانت القارة الأفريقية بمثابة محمية خصبة تابعة للدول المستعمرة، لحشد الموارد الأولية واليد العاملة والجنود، وبعد نيل البلدان الأفريقية استقلالها خلال الخمسينات والستينات من القرن الماضي، ازداد وضع المنطقة سوءًا، وغرقت القارة في الحروب الأهلية والمجاعات والأوبئة، التي حصدت ملايين الضحايا؛ مما جعلها تعتمد كليًّا على المساعدات الدولية طوال فترة الحرب الباردة.

لكن مع بداية التسعينات، دشنت الولايات المتحدة الأمريكية سياسةً جديدةً نحو القارة الأفريقية، بالتعاون مع بلدان أوروبا، من أجل دعم دول أفريقيا جنوب الصحراء لخوض مسارها الديمقراطي الخاص، وامتلاك اقتصادها. حينها قال وزير التجارة الأمريكي، روني براون، إن «نظرية تقاسم المسؤوليات التي ترعرعت خلال الحرب الباردة لم يعد لها مكان اليوم، وأن زمن مناطق الصيد الخاصة انتهى إلى غير رجعة».

ومنذ ذلك الوقت بدأت شراكة سياسية جديدة بين القارة الأفريقية، والولايات المتحدة الأمريكية، وأوروبا، تقوم على بناء قوة تنموية في أفريقيا من خلال الدعم والتدريب، للرد على أزمات المنطقة، التي يصل لهيبها لبقاع العالم المترابط، سواء من خلال الهجرة، أو التهديدات الأمنية، وتصدير الأوبئة.

ضخت أمريكا لوحدها في إطار هذه الخطة التنموية حوالي نصف تريليون دولار، موجهة للبلدان الأفريقية كمساعدات إنسانية مباشرة، وخصصت أكثر من 134 مليار دولار للقارة الأفريقية فقط في سنة 2014، على شكل استثمارات ومساعدات وقروض، علاوة على تبرعات الشعب الأمريكي ومنظماته الإنسانية، المقدرة بمليارات الدولارات.

على نفس المنوال، قدم الاتحاد الأوروبي ما يقارب مائة مليار دولار لبلدان أفريقيا جنوب الصحراء كمساعدات طوال العقدين الأخيرين، منها 3.8 مليار دولار فقط خلال 2015. دون ذكر قروض مشاريع التنمية بأفريقيا، الممولة من قبل المؤسسات المالية العالمية، والتي تقدر بمليارات الدولارات.

ناهيك عن جيش المنظمات الغربية، الرسمية منها والخاصة، العاملة في الوكالات الإغاثية بالقارة الأفريقية، وهي تعد بالمئات، منها مؤسسة «بيل وميليندا غيتس»، المملوكة لرئيس شركة مايكروسوفت، والتي أنفقت أكثر من 28 مليار دولار للقضاء على الفقر في أفريقيا.

 

 

كما أصبحت الصين خلال السنوات الأخيرة مساهمًا أساسيًّا في جهود المساعدات الممنوحة لدول أفريقيا جنوب الصحراء، حيث بلغ الدعم الصيني للقارة الأفريقية، حسبما أوردت جريدة «نيويورك تايمز»، ستين مليار دولار، موجهة لتمويل مشاريع قطاعات الاتصالات، والنقل، والتخزين، والطاقة، والبنية التحتية.

بيد أن كل هذه المساعدات الدولية المقدمة لدول القارة الأفريقية لم تخلق تنميةً، حيث ما تزال معظم بلدان أفريقيا جنوب الصحراء تعاني الهشاشة، نتيجة ضعف سجل مؤسسات الدولة في توفير الخدمات الأساسية، سواء بسبب عدم القدرة على أداء وظائف الدولة الأساسية، أو عدم إعطائها الأولوية الواجبة. بالإضافة إلى أن معظم اقتصادات الدول الأفريقية، ما يزال يعتمد على المساعدات الدولية بشكل أساسي.

ويوضح تقرير التنمية، الصادر عن منظمة الأمم المتحدة، حجم مظاهر التخلف بالقارة الأفريقية، سواء على مستوى مؤشر الدخل أو الصحة أو التعليم أو القانون؛ مما يجعل المنطقة الأفريقية وكرًا لصور الفقر والمرض والعنف والحروب الأهلية.

لماذا إذًا لا تحسن المساعدات الدولية وضع أفريقيا؟

طرحت قضية المساعدات الدولية المخصصة لدول القارة الأفريقية، سجالًا مستمرًا بين المعنيين بالتنمية الدولية، حول جدوى هذه المساعدات المقدمة على مدار أربعة عقود، والتي لم تظهر نتائجها المرجوة في الواقع لحد اليوم، لدرجة أن البعض ذهب إلى أن سياسة الدعم المجاني تدمّر أفريقيا أكثر مما تفيدها.

من وجهة نظر أنجيس دايتون، الحاصل حديثًا على جائزة نوبل للاقتصاد، يرى أن دعم أفريقيا بدأ منذ 1960، واستمر لمدة طويلة أكثر مما يجب، حتى أصبحت اقتصادات تلك مرتبطة بشكل وثيق بالمساعدات، مما حدَّ من قدراتها على الإنتاج والنمو، حيث تظهر البيانات أن البلدان الأكثر استلامًا للمساعدات في الغالب هي الأقل نموًا، والعكس صحيح.

أما بالنسبة للاقتصادي ريجرام راجان، فيعتقد أن المساعدات تغير من طبيعة العلاقات بين الحكومة والشعب، بحيث يصبح الناس معتادين على انتظار العطاء من الأجهزة الحكومية، في حين تتطلب الدولة لتمويل الخدمات جمع الضرائب من المواطنين.

وبشكلٍ عام، تساهم عوامل بارزة في تعطيل عملية استغلال المساعدات الضخمة ببلدان أفريقيا جنوب الصحراء، وهي كالآتي:

«الإرهاب» والحروب الأهلية

تتسبب الحروب الأهلية والهجمات التخريبية في تدمير فرص الاستثمار، وتعطيل المشاريع، وإفساد البيئة اللازمة لتواصل الكفاءات مع المستثمرين، الأمر الذي يفقد الناس وظائفهم، ويعطل عمليات الإنتاج والنقل والتصدير، ويضعف مؤسسات الدولة.

وفي غياب الاستقرار السياسي لدى كثير من البلدان الأفريقية، إما بسبب الحروب الأهلية والصراعات السياسية، أو بسبب المجموعات الجهادية، تخسر هذه الدول فرص النمو المتاحة أمامها، وتضيع جهود المساعدات الإنسانية في ترميم خساراتها المادية والبشرية الناتجة عن الصراع والعنف.

الفساد

تتركز معدلات الفساد الأكثر شدة بالقارة الأفريقية، كما تظهر تقارير منظمة الشفافية الدولية (ترانسبرانسي)، حيث تسيطر نخبة أفريقية صغيرة على مقدرات شعوبها، وترى المناصب السياسية والإدارية مصدر اغتناء وجمع الثروة، وكثيرًا ما تظهر أسماء الزعماء السياسيين الأفارقة سواء ضمن تسريبات مهربي الأموال، أو في لائحة المطلوبين دوليًّا بتهم الفساد المالي.

ولأن الفساد يشل عمل دواليب الدولة، فإن أجهزة البلدان الأفريقية لا تستغل المساعدات الإنسانية بطريقة فعالة، وعوض ذلك تلتهم فئة قليلة الدعم الممنوح لمصلحتها الشخصية، دون أن يصل أثره للخدمات العمومية المقدمة للمواطنين.

ضعف التعليم

تنتشر معدلات الأمية بشكلٍ شائع في البلدان الأفريقية، وتعجز الكثير من الأسر على توفير الوصول التعليم الأساسي لصالح أطفالها، في ظل غياب دور الدولة، كما تعاني الدولة نفسها من نقص في الكفاءات المتخصصة.

بينما تحتاج التنمية إلى التعليم والمعرفة للقدرة على الإنتاج والابتكار والتطوير، الأمر الذي تفتقده الشعوب الأفريقية فتستمر في دوامة غير محدودة من مشكلات التنمية، وتسيئ استغلال أموال المساعدات الدولية في مشاريع يمكنها ضمان مردود مستمر.

 

ويبدو أن البلدان المانحة تنبهت خلال السنوات الأخيرة لضعف فائدة المساعدات الدولية في تغيير واقع أفريقيا؛ مما جعلها تفتح الباب أمام المؤسسات البحثية، ومراكز التنمية للبحث عن مقاربة جديدة لغرس التنمية بالقارة الأفريقية.

وكان تقرير الاتحاد الأوروبي، المعد من قبل مجموعة من الهيئات والخبراء، إحدى هذه المحاولات الحثيثة لفهم معمق حول أسباب هشاشة دول أفريقيا المستمر، على الرغم من المساعدات الدولية، والذي خرج بتوصيات تنصح المجتمع الغربي في إطار جهوده لتطوير القارة الأفريقية، بتقوية أجهزة الدولة، وبناء آليات المحاسبة والمساءلة.

وبالتوازي مع ذلك، يحث التقرير على تعزيز قدرة المجتمع المدني على الانخراط في جهود بناء الدولة الموحَّدة، وضرورة تبني هياكل، وعمليات سياسية، واقتصادية تعكس تاريخ المنطقة، وتعقيد، وخصوصية شعبها، وبيئتها، بالإضافة الوصول لآليات تضمن صرف المساعدات الإنسانية المقدمة في مسارها الصحيح، لتوفير حاجات السكان الأساسية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد