الكاتبان: مايكل شوركين، أستاذ العلوم السياسية وبيتر ويلسون محلل أبحاث الدفاع في مؤسسة راند

تطور مهم للنهج الإستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية تجاه حلف الشمال الأطلسي، جاء مدفوعًا بمزيج من سياسة نزع السلاح التي تتبعها دول أوروبا الغربية تزامنًا مع توتر الوضع الإستراتيجي إلى نوع من الحرب الباردة مع روسيا، إضافة إلى صعود تنظيم الدولة الإسلامية والحركات الإسلامية المتحالفة معه والشبيهة له، إن حليف الولايات المتحدة الرئيسي في الناتو الآن قد لا يكون بريطانيا، ولكن فرنسا.

الشق السار في هذا الأمر هو أن تناقص قدرات بريطانيا العسكرية لن يترك الولايات المتحدة مجردة من حليف يملك الاستعداد والقدرة، وأنه ينبغي للولايات المتحدة إعادة التعرف على علاقاتها مع فرنسا وتعزيزها، أما الشق السيء فهو أن استقرار هذه العلاقة يبدو مهددًا بصعود ماريان لوبان وحزب الجبهة اليميني المتطرف الذي تقوده.

فرنسا، الوحيدة بين القوى الكبرى في حلف الشمال الأطلسي، التي لا تزال تحتفظ بقدرتها العسكرية ونفوذها السياسي للمساهمة بشكل فاعل وقوي في الاستجابة الجماعية للتهديدات الأمنية التي تتصاعد في وجه الحلف الأطلسي، وقد أوضحت فرنسا ذلك جليًا في عام 2013، حينما أطلق الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند حملة للتدخل العسكري في مالي، لإنقاذها من المسلحين الإسلاميين، وتوليها بشكل فعال مسؤولية تأمين الجبهة الجنوبية لأوروبا على الساحل الأفريقي.

اليوم يشارك أكثر من 3000 مقاتل فرنسي مدعومين بالطائرات المقاتلة في الحرب الإقليمية التي تدعمها الولايات المتحدة ضد الجماعات الإسلامية في منطقة الساحل، ويبدو أن الفرنسيين في طريقهم نحو مشاركة أكبر في حرب في نيجيريا ضد جماعة بوكوحرام الإسلامية. في الشرق الأوسط انضمت فرنسا إلى قوات التحالف التي تقودها الولايات المتحدة ضد الدولة الإسلامية. وهناك، كما في أفريقيا، ترى باريس في نفسها أن تفعل ما في وسعها لمنع بؤر الخلافة الإسلامية من الالتحام مع بعضها البعض.

بالنسبة لروسيا، كان الفرنسيون راسخين في معاداتهم للعدوان الروسي ديبلوماسيًا واقتصاديًا، وهبت باريس إلى أبعد من ذلك عبر منع تسليم روسيا سفينتين هجوميتين برمائيتين من الفئة عالية القدرات، وتمتلك فرنسا قدرة أكبر بكثير من أي من الحلفاء الأوروبيين للمساهمة بسرعة وقوة كبيرة والقدرة على التعامل مع أي اشتباك مع روسيا إذا دعت الحاجة إلى ذلك.

قرار الحكومة الفرنسية مؤقتًا بالتراجع (تجميد) تخفيض الإنفاق الدفاعي حتى في مواجهة ضغوط مالية يعكس بوضوح الرغبة في الحفاظ على هذه القدرة، بعكس بريطانيا التي تبدو ملتزمة بالمزيد من التخفيضات في إنفاقها العسكري لميزانية دفاعية مقلصة بالفعل.

علاوة على ذلك، فإن فرنسا التي عادت مؤخرًا إلى الاندماج الكامل مع الناتو قد ذهبت إلى مدى بعيد في التأكيد على أن القوات الفرنسية يمكنها المحاربة بفاعلية جنبًا إلى جنب مع الأمريكيين. على سبيل المثال فإن الطائرة المقاتلة الفرنسية رافال يمكنها القيام بعمليات من خلال حاملات الطائرات الأمريكية، وخلال الأسبوع الأول من شهر مارس كانت الرافال تعمل من خلال حاملة طائرات أمريكية في الخليج العربي خلال الحملة ضد تنظيم الدولة الإسلامية.

 “ماريان لوبان: رئيس حزب الجبهة اليميني المتطرف”

ومع الأهمية المتزايدة لازدهار العلاقات الأمريكية الفرنسية فإن صعود لوبان يبدو مثيرًا للقلق. استطلاعات الرأي ما بعد مشاعر شالي إيبدو المناهضة للمسلمين تشير بوضوح أنها تتفوق على جميع القادة السياسيين الفرنسيين الآخرين. ولكن بدلًا من المطالبة بإجراءات قوية عسكريًا لباريس في الخارج، فإن لوبان وحزبها يدعون إلى الانسحاب من حلف الشمال الأطلسي إضافة إلى اتخاذ موقع انعزالي من الصراعات المسلحة جنبًا إلى جنب مع دعم الأقوياء الأجانب.

 “الرئيس الروسي فلاديمير بوتين”

تنتقد لوبان الرئيس الفرنسي الحالي فرانسوا هولاند والرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي لتقويض الرئيس السوري بشار الأسد وإسقاط الزعيم الليبي معمر القذافي. كما تعلن لوبان أيَضا تأييدها للرئيس الروسي فلاديمير بوتين ومعارضتها لتماهي هولاند مع الموقف الأمريكي بخصوص أزمة أوكرانيا. بعض هذا الدعم قد تم شراؤه بالمال، فقد أفادت تقارير أن بنكًا روسيًا أعار حزب الجبهة مبلغ 11 مليون دولار، مما أثار تكهنات أن بوتين يدعم لوبان سرًا.

ومهما يكن الأمر، فمن الواضح أن هناك تحالفًا في أوروبا بين بوتين وبين كل الشعبويين على اليمين واليسار المتطرف، الذي يتشاركون الكراهية تجاه الاتحاد الأوربي والنظام الليبرالي والعسكري الذي تقوده الولايات المتحدة، هذه الأمور لا تتعارض مع جهود موسكو لتطوير منهجية علاقات خاصة مع القوميين الأوروبيين المتطرفين في المجر وصربيا واليونان، في محاولة لتوجيه ضربة قوية وقريبة لتماسك الاتحاد الأوروبي.

وعلى الرغم من أن القليل فقط يمكن فعله من قبل الولايات المتحدة بشأن لوبان، فإنه من مصلحة الولايات المتحدة تعزيز العلاقات الثنائية مع فرنسا، ويجري بالفعل تعاون عسكري على نطاق لم يسبق له مثيل، وينبغي تشجيعه. كما ينبغي الاعتراف بقيمة قوة الردع النووية الفرنسية علنًا كجزء من التحالف الجماعي الرادع تجاه القيادة الروسية التي تلوح علنا باحتمال استخدام السلاح النووي حال حدوث أزمة سياسية عسكرية حادة مع أوروبا.

وأخيرًا، فقد حان الوقت لضم فرنسا إلى النادي الاستخباراتي الحصري المعروف باسم العيون الخمس، والذي يضم كندا والمملكة المتحدة وأستراليا ونيوزيلندا إضافة إلى الولايات المتحدة. وسوف يكون ثمن عضوية فرنسا مرتفعًا نظرًا لأن باريس سوف تتوقع أن تأخذ بقدر ما تعطي. ولكن في ضوء التقارب الإستراتيجي بين واشنطن وباريس فإن الطرفين سيكون لديهما الكثير ليكسباه.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد