لاحظ مراقبون التضامن غير المسبوق مع القضية الفلسطينية على شبكات التواصل الاجتماعي خلال العدوان الإسرائيلي الجاري، خاصةً من الأجيال حديثة السنّ التي تسمّى بـ«الجيل زي – Generation Z»، وتشيرُ إحصاءات نفذتها «الإيكونوميست» مع جهة أخرى، إلى أن 25% فقط من الأمريكيين في سن 18-29، يعتبرون إسرائيل حليفةً لأمريكا و7% منهم يعتبرونها عدوًا للولايات المتحدة، بينما تزيد نسبة من يعتبرون إسرائيل حليفةً لأمريكا في الأجيال الأكبر، وترتفع مع ارتفاع عمر المشاركين في الإحصائية.

وهو ما يطرح أسئلةً عن هذا التغيّر في الرؤى والمواقف بين الأجيال الحديثة، وتلك التي سبقتها حول القضية الفلسطينية.

ويشير مصطلح «جيل زي» إلى الأجيال الشابة التي ولدت بعد عام 1996، بمعنى أن أكبرهم يبلغ من العمر 25 سنة حاليًا في 2021، وهو الجيل الذي تلا ما يسمّى بـ«جيل الألفية» المولودين بين أعوام 1981 و1996. فما السبب وراء هذا التغيّر؟

فهل تكون مجرّد الرغبة في التميّز والثورة على المواقف المحافظة هي السبب وراء زيادة زخم دعم الأجيال الحديثة للقضيّة الفلسطينية من طرف الشباب الغربي؟ أم إن هنالك عوامل أخرى؟

مواقع التواصل الاجتماعي.. معقل مهمّ للتعريف بالقضية الفلسطينية

سيطرت السردية الإسرائيلية على طريقة طرح ومعالجة الإعلام الأمريكي والأوروبي للقضية الفلسطينية، ويعودُ ذلك، في أمريكا بشكل خاص، إلى نفوذ اللوبي الإسرائيلي وأدواته في الإعلام الأمريكي، وقلة من برزوا آنذاك لعرض السردية العربية أو الفلسطينية عن القضية. وظلّ الإسرائيليون أو مؤيدوهم الصوت شبه الحصري مع استبعاد الرأي الآخر ومنع ظهوره في المجال العام إلا بشكل محدود؛ ما خلق حالة من «الإجماع المصطنع»، حسب تعبير المفكّر الأمريكي نعوم تشومسكي، فتشكّل وعي الأجيال الأكبر سنًّا من الأمريكيين مؤيدًا للرواية الإسرائيلية بشكل شبه كامل، خصوصًا مع انعدام وسيلة أخرى لنقل الرواية الأخرى أو الاطّلاع عليها، وظلّ غياب الفلسطينيين عن الشاشات الأمريكية مستمرًا حتى بدايات التسعينات وأواخرها.

Embed from Getty Images

من المواجهات الأخيرة في مدينة رام الله، في فلسطين

ولكن انتشرت مواقع التواصل الاجتماعي كاسرةً معها هذا «الاحتكار» من طرف وسائل الإعلام الكبرى بميزانياتها الضخمة، وأضحت ساحة مهمّة للتوعية والإعلام حول القضية الفلسطينية، ويستعملها النشطاء وصنّاع المحتوى لإيصال الرواية الفلسطينية للأحداث وكشف انتهاكات الإسرائيليين بمشاركة الأخبار والصور والفيديوهات القادمة من غزّة وباقي فلسطين، وبالبث الحي والمباشر الذي يوثّق إما جرائم القصف أو الاعتداء على المقدسيين والمتظاهرين في مناطق مختلفة، وسمحت هذه الأدوات بتجاوز المؤسسات الإعلامية التي تفرض رؤيتها في تغطية الأحداث.

هذه الميزة التي توفّرها وسائل التواصل الاجتماعي، واستهلاك محتواها بشكل كبير من الأجيال الأصغر سنًّا أعطت بُعدًا جديدًا للتعاطف مع القضية الفلسطينية لهذه الأجيال، رغم التضييق المستمر من هذه المنصات على المحتوى الفلسطيني.

وفي منصة «تويتر» لعبت الوسوم (الهاشتاج) دورًا مهمًا في إيصال الرواية الفلسطينية إلى التيّار العام، خصوصًا عند صعود كلمات مثل «غزّة» إلى الأكثر مشاهدة في العالم؛ ما أتاح للمعلومة والمحتوى الفلسطيني الوصول إلى جمهور أوسع بكثير مما أتيح سابقًا.

وحتى في منصات متخصّصة بألعاب الفيديو والترفيه، وجدت القضية الفلسطينية طريقها إليها، فمثلًا في منصة «تويتش» المتخصصة في البث المباشر، والتي يرتادها عادة متابعو ألعاب الفيديو، شهدت المنصة انتشار العديد من الفيديوهات التوثيقية للاعتداءات الإسرائيلية، ونشر صنّاع المحتوى فيديوهات عن القضيّة الفلسطينية بعد تعليقات من متابعيهم يطالبونهم بالتطرّق إليها، وأقام بعضهم حملة لجمع تبرّعات لصالح الفلسطينيين.

سلطة المشاهير.. هل يشكّل المؤثّرون وعي الأجيال الصغيرة؟

المشاهير وآراؤهم السياسية هي أيضًا إحدى مصادر التأثير في الأجيال الحديثة، في بحثٍ نُشر عام 2005 بعنوان «تأثير ميول المشاهير على الآراء السياسية للشباب»، يُشير كاتبوه إلى وجود علاقة بين تأييد المشاهير لقضية سياسية ما، وزيادة تأييدها عند الأجيال الصغيرة، كما أن تأييد المشاهير لقضايا غير شعبية يجعلها متقبلةً أكثر لدى الشباب.

Embed from Getty Images

احتجاجات في لندن دعمًا للقضية الفلسطينية

وقد عرف الاعتداء الإسرائيلي الأخير على غزة والقدس اهتمامًا كبيرًا في مواقع التواصل الاجتماعي وشهد تعاطفًا ملموسًا من مجموعة من «المؤثّرين» لصالح القضية الفلسطينية؛ ما أثار حالةً من النقاشات المستمرة في خانة التعليقات بين المؤيدين والمهاجمين لهؤلاء المشاهير. ومن بين المشاهير الذين أعلنوا دعمهم للقضية الفلسطينية، عارضة الأزياء الأمريكية من أصل فلسطيني بيلا حديد، التي نشطت في العديد من منصات التواصل الاجتماعي، ويتابعها أكثر من 41 مليون شخص على «إنستجرام» وحده.

وبالإضافة إلى كونها هي شخصيًا من أبناء «جيل زي»، أظهرت حديد مساندةً صريحة للقضية الفلسطينية من خلال مشاركتها في مظاهرة في نيويورك، ونشرت صورها حاملةً الأعلام الفلسطينية، ودعت إلى وقف العدوان الإسرائيلي، وما زالت تشارك بنشاط كثيف على حسابها قصصًا، ومحتوى مؤيدًا لفلسطين، وبالطبع ردّت الحسابات الإسرائيلية مهاجمةً عارضة الأزياء الشابة بحدّة.

شخصيّات أخرى مشهورة في مجال الفن والموسيقى تحظى بمتابعة كبيرة من طرف الشباب، من بينهم زين مالك (30 مليون متابع على «تويتر»)، والمغني السابق في فرقة «وان دايراكشن»، والذي عبّر عن دعمه الصريح لفلسطين عبر حسابه، وتشمل القائمة أيضًا ممثلين من هوليوود مثل مارك روفالو وباريس هيلتون، ولاعبي كرة قدم، ومشاهير آخرين،.

جيل يشجّع التنوّع العرقي والثقافي

في العالم العربي، كبر جيل الألفية على مشاهد الانتفاضة الثانية التي فجّرها الفلسطينيون عام 2000 بعد اقتحام رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق آريين شارون لساحة المسجد الأقصى، بالإضافة إلى المشهد الأيقوني لاغتيال القوّات الإسرائيلية للطفل محمّد الدرّة بدم بارد. هذه المشاهد شكّلت وعي هذه الأجيال حول القضية الفلسطينية والانتهاكات الإسرائيلية الفادحة في حق الفلسطينيين.

أما الأجيال الأصغر، فقد شهدت الحرب الإسرائيلية على غزة سنة 2008، ثم 2012 وبعدها 2014، وقد تزامنت هذه الحروب الإسرائيلية الدموية مع القفزة الكبيرة في شعبية المدوّنات الإلكترونية والمنتديات ومواقع التواصل الاجتماعي، بالخصوص موقع «فيسبوك» الذي انتقل من 14 مليون مستخدم في سنة 2007، إلى أكثر من 175 مليون سنة 2009. هذا الانفجار في شعبية مواقع التواصل الاجتماعي جعلها تتحوّل إلى وسيلة لإيصال أصوات الحركات والقضايا المهمّشة التي لا تجد طريقها إلى الإعلام التقليدي؛ وانتشرت في هذه المواقع صور وفيديوهات الدمار الذي خلّفه القصف الإسرائيلي على غزة.

وفي تقرير من عام 2020 لمعهد «بيو» المتخصص في سبر الآراء والدراسات الديموغرافية، أشار إلى أن هذا الجيل متنوّع عرقيًا وإثينًا بصورة أكبر من الأجيال التي سبقته، كما أنه أكثر الأجيال تعلّمًا على الإطلاق. وأشار البحث إلى أن هذا الجيل هو أول الأجيال التي ترعرعت منذ نعومة أظافرها مع التكنولوجيا، والهواتف الذكية، ووسائل التواصل الاجتماعي، ففي حين يملك جيل الألفية ذكريات عن العالم ما قبل غزو الهواتف الذكية لتفاصيل الحياة اليوميّة، فإن «الجيل زي» يعتبر جيلًا كبر مع التكنولوجيا والتواصل الاجتماعي منذ نشأته.

Embed from Getty Images

احتجاجات مساندة لفلسطين في شيكاجو، الولايات المتحدة

والعامل الآخر الذي قد يكون سببًا في دعم هذا الجيل للقضية الفلسطينية أكثر من الأجيال السابقة، أشار إليه بحث آخر لنفس المعهد، «بيو»، نُشر عام 2018، يقول بأنّ الأجيال الصغيرة أكثر مقدرةً على التفريق بين الحقائق والآراء، وسبب ذلك كونهم يتحكّمون في التكنولوجيا بصورة أفضل من سابقيهم، وهو ما يتيح لهم أدوات ووسائل للتأكّد من صحّة ما يقرأونه أو يسمعون عنه في الإعلام. بالإضافة لكونهم لم يشكّلوا بعد قناعات سياسيّة راسخة، وبالتالي فلديهم قابلية لتغيير آرائهم في حال ظهور معطيات جديدة، عكس الأجيال الأكبر سنًّا التي تتورّط في تقديس معتقداتها حسب انتماءاتها الحزبية والأيديولوجية.

بالإضافة إلى أن هذا الجيل، كعادة الأجيال الصغيرة، يميل إلى حمل ثوريّة أو تمردية على الأفكار السائدة، أحيانًا تكون أفكارًا يسارية ليبرالية ميّالة أكثر لتقبل التنوّع الثقافي والعرقي، ولكن بالطبع لا ينطبق هذا الكلام على كامل أو غالبية أبناء هذا الجيل. وقد عرفت الحملة الانتخابية للمترشح السابق للرئاسة في الولايات المتحدة، برني ساندرز، انضمام الكثير من أبناء «الجيل زي» والأجيال الشابة إليها، وتحوّل ساندرز إلى ملهم للشباب، وهو الذي يحمل آراء ناقدة لليمين الإسرائيلي وأكثر ميلًا لحقوق الفلسطينيين في الساحة السياسية الأمريكية، عكس باقي أعضاء الحزبين الديمقراطي والجمهوري الذين يميليون أكثر لدعم إسرائيل.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد