5,778

بدأ شهر أغسطس (آب) بعدة عقوبات اقتصادية فرضتها الولايات المتحدة بداية بروسيا في قضية تسميم العميل الروسي المزدوج سيرغي سكريبال وابنته بغاز الأعصاب في بريطانيا، كما أعادت فرض عقوبات واسعة ضد إيران دخلت حيّز التنفيذ بعد انسحاب إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الاتفاق النووي؛ وما أعقبه من صدام مع الجار الأوروبي الذي رفض عزل طهران اقتصاديًا بعدما فعّل الاتحاد الأوروبي قانون عرقلة العقوبات، إضافة إلى معاقبة ثلاث شركات من الصين وروسيا وسنغافورة لاتهامهم بانتهاك نظام العقوبات الدولية المفروض على كوريا الشمالية بسبب برنامجها النووي.

لكنّ الساحة أصبحت أكثر اشتعالًا عندما فرض ترامب عقوبات على وزيري العدل والداخلية التركيين، على خلفية استمرار احتجاز أنقرة للقس الأمريكي أندرو برونسون، ليرد أردوغان بقرار مماثل بتجميد أي أصول في تركيا لوزيري الداخلية والعدل الأمريكيين؛ لكنّ تغريدة نشرها الرئيس الأمريكي والتي أعلن فيها مضاعفة الرسوم الجمركية على الألومونيوم والصلب المستورد تسببت في فقدان الليرة التركية 16% من قيمتها، ورغم أن تركيا هرعت إلى أصدقائها ومنهم الأمير القطري الذي سُرعان ما دعم حليفه بـ15 مليار دولار، إلا أنّ المفاجأة كانت في انضمام حُلفاء جُدد لأردوغان يجمعهم به خصومة سياسية وأبرزهم ألمانيا والعراق.

هذا التقرير يوضح لك لماذا غيّر كل من العراق وألمانيا مواقفهم لدعم الرئيس التركي ومنع انهيار الليرة؟

العراق.. أيّد العقوبات على إيران ورفضها مع تركيا

أنت لست نِدًا لي ولست بمستواي، وصراخك في العراق ليس مهمًا لنا،
فنحن سنفعل ما نشاء، وعليك أن تلزم حدك أولًا.

* أردوغان مُخاطبًا حيدر العبادي أواخر عام 2016

وصل الخلاف السياسي بين البلدين إلى مستويات غير مسبوقة من التراشق اللفظي منذ أواخر عام 2016 على خلفية دخول القوات التركية إلى إقليم كردستان العراق في الشمال لقتال عناصر حزب العمال الكردستاني الذي تُصنفه تركيا جماعةً إرهابية، وقبلها بعام شنت الحكومة العراقية هجومًا على تركيا بعد رفض أردوغان سحب الجيش التركي الذي كان يُقاتل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في عُمق الأراضي العراقية؛ وحتى الآن لا تزال القوات التركية في داخل عُمق 29 كيلو مترًا في إقليم كردستان العراق، وهي تمهد لعملية وشيكة ضد الأكراد.

تركيا ساهمت بشكلٍ أو بآخر في الاحتجاجات العراقية المندلعة منذ أوائل يوليو (تموز) الماضي لعدة أسباب أبرزها نقص الكهرباء، وانخفاض منسوب نهري دجلة والفرات إلى أكثر من 40% بسبب قيام تركيا بملء سد «أليسو» التركي الذي بدأت تركيا فعليًّا ملأه بالمياه تزامنًا مع قطع إيران روافد دجلة وتحويلها إلى الداخل الإيراني، وبالعودة إلى الخلاف السياسي؛ فالرئيس التركي سبق له أن هاجم «الحشد الشعبي» -فصائل في العراق بأغلبية شيعية مدعومة من إيران- واعتبره منظمة إرهابية يجب القضاء عليها؛ وقبل أن يتحول الحشد إلى كتلة سياسية باسم تحالف «الفتح»، الذي حلّ في المركز الثاني في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، انتقد أردوغان ما أسماه «التوسع الفارسي» لأتباع إيران في الداخل العراقي.

اللافت أن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي المنتهية ولايته كان قد أعلن التزامه بالعقوبات الأمريكية ضد إيران، رغم وصفه لها بأنها «ظالمة»، لكن عندما سقطت تركيا تحت طائلة العقوبات، أعلن العبادي وقوف بغداد إلى جانب أنقرة في قضية الليرة، ودعمها في كافة التدابير التي ستتخذها، حتى أنه طار إلى أنقره للقاء الرئيس التركي الذي تجمعهما خصومات سياسية، لكنّ الظرف الراهن يقتضي الحفاظ على الشراكة الاقتصادية، والخروج معًا من الأزمات المشتركة؛ إذ يبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 10 مليارات دولار.

والعقوبات الأمريكية التي استهدفت طهران وأنقرة ألقت بظلالها على بغداد التي تشترك جغرافيًا مع البلدين؛ والعراقُ الآن بات حبيسًا دون ظهير إقليمي؛ فهو في أزمة سياسية مكتومة مع طهران بسبب الزعيم الشيعي مقتدى الصدر الذي فازت كتلته الانتخابية بالمركز الأول والذي يشكل مع حيدر العبادي الذي جاء في المركز الثالث، تحالفًا جديدًا يرسم الخريطة السياسية بعيدًا عن طهران، ومن جهة أخرى تعرضت بغداد لخذلان عربي بعد رفض السعودية مدّ العراق بالطاقة على خلفية التظاهرات التي تشهدها البلاد، مما جعل الحكومة العراقية تتجه للحصول على قرض مالي من اليابان بقيمة 192 مليون دولار؛ لتأهيل محطة كهربائية في الجنوب للحد من أزمة نقص الطاقة.

كل تلك الأسباب جعلت العبادي يتجه صوب تركيا في أزمتها بحثًا عن حليف سياسي جديد؛ وهو الرهان الذي فاز به العبادي في زيارته الأخيرة لتركيا؛ فأردوغان  أعلن أن أمن العراق ورخاءه واستقراره، هو من أمن تركيا ورخائها واستقرارها،ليحسم عدة ملفات بين البلدين أبرزها المياه والتبادل التجاري بين البلدين وملف الطاقة والنفط.

وحصل العبادي على وعدٍ تركي بالحصول على حصة العراق كاملة من المياه بالإضافة لتعهد تركيا بتقديم مساعداتها لإنهاء التظاهرات العراقية، ومن جهة أخرى تُعطى العراق الضوء الأخضر لضبط الحدود، في إشارة لشن عملية عسكرية على الإقليم الكردي تحت مُسمى محاربة الإرهاب؛ وفي المقابل يقوم العراق بإصلاح خط أنابيب النفط من حقول كركوك إلى ميناء جيهان التركي، مرورًا بمحافظتي صلاح الدين ونينوى، لتعبر الأراضي التركية، كما تتعهد تركيا بتقديم منحة مالية لإعادة إعمار العراق، مع قيام الشركات التركية بالاستثمار وبناء محطات للطاقة وهو الطلب الذي سبق أن رفضته السعودية؛ ما يعني أن العقوبات الأمريكية رسمت شكلاً جديدًا في العلاقات التركية العراقية أهمها: النفط مقابل الماء، والتدخل العسكري في الإقليم الكردي مقابل إعمار العراق.

أوروبا تنحاز لعدوها أردوغان.. فتّش عن خلافاتها مع واشنطن

عقب إقرار العقوبات الأمريكية على تركيا التي تستهدف زعزعة الاقتصاد التركي انتفضت أوروبا دفاعًا عن عدوها القديم أردوغان الذي يُمثل امتدادًا لمصالحها؛ فالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل صرحت بأنها تريد رؤية الرخاء الاقتصادي في تركيا لأن –بحسبها- أوروبا لن تستفيد من الإجراءات العقابية؛ أيضًا وزير الخارجية الإيطالي اعتبر أن تركيا تلعب دورًا رئيسيًّا في التوازنات في منطقة البحر الأبيض المتوسط​​، وأن دعمها هي الفكرة الأكثر صوابًا.

وقبل عامين، اتهم أردوغان دولًا أوروبية وعلى رأسها ألمانيا بتوفير ملاذ للانقلابيين عقب محاولة الاغتيال الفاشلة في يوليو عام 2016، إضافة لدعم أوروبا حزب العمال الكردستاني الذي تتهمه تركيا بالإرهاب وكانت تلك بداية للصراع المفتوح الذي خاضه الرئيس التركي ضد الدول الأوروبية التي رفضت انضمامه للاتحاد الأوروبي، ثم أعلنت صراحة رفضها للتعديلات الدستورية التي منحت أردوغان صلاحيات واسعة بعد تحويل النظام من برلماني إلى رئاسي، والصراعُ اتخذ بُعدًا جديدًا تزامنًا مع تصاعد العداء للإسلام وللمسلمين في أوروبا، مع تصاعد حركات اليمين المتطرف، كل تلك الأسباب دفعت أردوغان للتصريح بأن «أوروبا تسعى لوقف تقدم تركيا».

لكنّ بوصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وتسلمه رسميًا مهام عمله أوائل عام 2017 انقلبت الطاولة الأوروبية بعيدًا إلى حيث التهديدات الجديدة القادمة من واشنطن؛ فالرئيس الأمريكي سدد عدة ضربات للأوروبيين تمثلت أولًا في انسحابه من اتفاقية باريس للمناخ، ثم اعترافه رغم رفض دولي وأممي بالقدس عاصمة لإسرائيل، لتخوض أوروبا نزاعًا طويلاً مع الإدارة الأمريكية دون جدوى لمحاولة إقناع الإدارة الأمريكية بالعودة لتبني السياسية القديمة  باعتبار القدس مدينة متنازعًا عليها بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

كل تلك الخلافات السياسية كانت بداية لأزمات متصاعدة؛ فترامب تجاوز الأوروبيين مرة أخرى وأعلن انسحاب بلاده من الاتفاق النووي مع إيران وهو الوعد الانتخابي الذي تحقق بالفعل بعودة فرض العقوبات الاقتصادية المتوقفة منذ عام 2015، الأخطر أن الرئيس الأمريكي واجه إعلان الدول الأوروبية التي التزمت بالاتفاق النووي بالتهديد بفرض عقوبات على كل الشركات الأجنبية المتعاونة مع إيران، في إشارة إلى الشركات الأوروبية العاملة في طهران، والتي ستتحمل خسائر اقتصادية مُربكة، وأبرزها ألمانيا التي يبلغ حجم صادراتها لإيران نحو ثلاثة مليارات يورو (3.4 مليار دولار).

الخلاف الأكبر بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي جاء بسبب الحرب التجارية الكبرى التي أطلقها ترامب  عقب فرضه رسومًا جمركية على 34 مليار دولار من الواردات الصينية، لترد الصين برسوم جمركية مُضادة ومُساوية، تُفرض على الصادرات الأمريكية للصين، ثم إعلان الرئيس الأمريكي فرض رسوم جمركية بنسبة 25% على واردات الصلب و10%، وهو القرار الذي يستهدف السوق الاقتصادي للاتحاد الأوروبي وتحديدًا ألمانيا؛ ودخل الاتحاد الأوروبي في مفاوضات مع الولايات المتحدة لإعفائها من الرسوم، لكن دون جدوى؛ وبلغت صادرات الأوروبيين من الصلب العام الماضي نحو  5.3 مليارات يورو (6 مليار دولار)، ومن الألمونيوم 1.1 مليار يورو (1.2 مليار دولار)، ويعتبر سوق صناعة الصلب في أوروبا من أهم القطاعات الاقتصادية، خاصة في ألمانيا التي تعدّ من كبار منتجي الصلب حول العالم.

لذا كان الحل الوحيد تجنبًا للخسائر أن تدخل أوروبا حربًا تجارية مع واشنطن، لذا ردت المفوضية الأوروبية بالمثل وفرضت رسومًا قدرها 25% على مجموعة واسعة من المنتجات الأمريكية بقيمة 2.8 مليار يورو (3.3 مليارات دولار)، ولا يبدو أن الأزمة الحالية ستتوقف في القريب؛ خاصة بعد تخوّف ألمانيا من أنّ الرئيس الأمريكي سيستهدفها بمزيدٍ من القرارات، وأبرزها فرض حظر على السيارات الألمانية باهظة الثمن أو فرض رسوم عليها، وهو ما من شأنه أن يدمر الصادرات من قبل شركات صناعة السيارات الألمانية التي تسيطر على 90% من سوق الولايات المتحدة باعتبارها أكبر مصدري الاتحاد الأوروبي للسيارات إلى الولايات المتحدة.

ماذا ستخسر ألمانيا بانهيار الليرة التركية؟

تعتبر تركيا هي رابع أكبر سوق تصدير للاتحاد الأوروبي وخامس أكبر مزود للواردات، وفي العام الماضي ، بلغ إجمالي صادرات تركيا إلى الاتحاد الأوروبي 69.8 مليار يورو (79.6 مليار دولار)، وسجلت وارداتها من الاتحاد 84.5 مليار يورو (96.4 مليار دولار)، وتأتي ألمانيا على رأس الدول الأوروبية المستوردة من تركيا بنسبة 8.6% من حصيلة المستوردين الأوروبيين، وهو ما يُفسر الرغبة الأوروبية في استقرار اقتصاد تركيا في ظل الحرب التجارية التي تأثر بها الأوروبيون.

وتخشى ألمانيا -تحديدًا- في حال انهيار الاقصاد التركي ولجوئه إلى صندوق النقد الدولي من أن تتأثر شراكتها الاقتصادية مع تركيا، وأن يؤدي عدم الاستقرار إلى تخلي أردوغان عن التزامه بالاتفاق الذي يقضي بالحد من تدفق اللاجئين السوريين إلى أوروبا، وهو ما يُفسر سرعة ألمانيا برفع العقوبات الاقتصادية التي فرضتها على أنقرة في يوليو 2017 ردًا على احتجاز تركيا ناشطًا ألمانيًّا لحقوق الإنسان، وفي نفس الوقت سارع وزيرا المالية الفرنسي والألماني بالذهاب إلى تركيا للتباحث مع وزير المالية التركي حول خُطة الخروج من الأزمة.

Embed from Getty Images

من جهة أخرى، تخشى البنوك الأوروبية الكبيرة في حال تفاقمت الأزمة التي تتزامن مع تدهور الاقتصاد التركي داخليًا من عدم قدرة تركيا على تسديد ديونها، كما يخشى البنك المركزي الأوروبي بشأن احتمالية انتقال عدوى انهيار العُملة إلى أوروبا، فالبنوك الأوربية ترى الخطر في أنّ المقترضين الأتراك -غالبيتهم في ألمانيا- قد يبدؤون بالتخلف عن سداد القروض بالعملات الأجنبية، كما أنّ دولًا قد تتأثر بالأزمة مثل إيطاليا التي صرح وزير خارجيتها بأن تركيا تلعب دورًا هامًا في التوازن المالي لمنطقة البحر المتوسط، كما دعا الاتحاد الأوروبي للتحرك سريعًا لأن -بحسبه- ما يحدث في تركيا يتعلق أيضًا بأوروبا.

جدير بالذكر أنّ الرئيس الأمريكي سبق له أن انتقد العجز التجاري الأمريكي مع ألمانيا الذي بلغ 70 مليار دولار لصالح الأخيرة، كما أنّ ترامب هاجم برلين التي تُسيطر اقتصاديًا على الاتحاد الأوروبي وقال إنها لا تدفع  لحلف الناتو، وهو ما يجعل الولايات المتحدة اقتصاديًا مستعمرة ألمانية، والصُراع الاقتصادي بين البلدين سُرعان ما اتجه للعلانية عندما طالب وزير الخارجية الألماني أوروبا بالوقوف في وجه ترامب، وتعتبر ألمانيا أنّ الحرب التجارية التي تصب في مصلحة الولايات المتحدة فقط هدفها تباطؤ النمو الاقتصادي والسقوط في مرحلة عدم الاستقرار، وكانت بداية ترامب بقرار فرض الرسوم ثم العقوبات على تركيا.