ما أن أعلنت كل من السعودية والإمارات ومصر والبحرين قطع علاقاتها الدبلوماسية مع قطر، وفرْض مع اعتبرته الأخيرة «حصارًا» سياسيًا واقتصاديًا عليها، حتى سعى كل طرف إلى استقطاب العواصم الدولية ذات الثقل إلى جانبه، وكانت ألمانيا في مقدمة تلك الأهداف، إذ طار إليها وزيرا خارجية كل من قطر والسعودية في الأيام الأولى للحصار، وكل منهما حاول كسب الألمان إلى صف بلاده.

لكن الموقف الألماني وإن جاء متوازنًا، حريصًا على العلاقات الألمانية مع دول مجلس التعاون الخليجي قاطبة، إلا أنه كان أكثر ميلًا إلى الجانب القطري، إذ رفضت برلين الحصار ومحاولات عزل الدوحة أو تهديدها، ودعت إلى إنهائه بالسبل الدبلوماسية، محذرة من المزيد من التصعيد في المنطقة المتوترة أصلًا. فما هي خلفيات الموقف الألماني من الأزمة الخليجية؟

فـتّـش عن الاقتصاد

في سبيل محاولة تفسير الموقف الألماني «المتعاطف» مع قطر في تلك الأزمة، قد يمثل العامل الاقتصادي أحد الجوانب الأكثر وجاهة، لم تكن العلاقات الاقتصادية بين الدوحة وبرلين أكثر من هامشية قبل أقل من عقدين، لكنها بدأت في التنامي منذ ذلك الحين، في الوقت ذاته الذي كانت تتنامى فيه العلاقات السياسية والأمنية بين البلدين، مدعومة برغبة أمير قطر الجديد في توثيق العلاقات مع العملاق الأوروبي من جهة، وبسعي برلين في إيجاد موطئ قدم لها في تلك المنطقة الحيوية بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، من ناحية أخرى.

تعد قطر اليوم أحد أبرز المستثمرين في السوق الألماني، إذ تبلغ قيمة تلك الاستثمارات نحو 18 مليار دولار أمريكي، تمتلك الدوحة أسهمًا في أكبر الشركات الألمانية، كعملاق السيارات «فولكس فاجن»، وشركة «سيمينز» للطاقة، وشركة الإنشاءات «هوكتيف»، فضلًا عن امتلاكها حصة «دويتشه بنك»، وقد لاقت الاستثمارات القطرية ترحيبًا من الحكومة الألمانية، لا سيما بعدما عمدت الدوحة إلى تفعيل صندوقها السيادي لشراء حصص من البنوك الأوروبية إبان الأزمة المالية العالمية عام 2008.

وصل حجم التبادل التجاري بين البلدين عام 2015 إلى 2.87 مليار دولار أمريكي، وتستضيف الدوحة مئات المواطنين الألمان، وعشرات الشركات الألمانية التي تنشط في مجالات الإنشاءات واقتصاد الخدمات، وبالإضافة إلى ذلك ترتبط مؤسسة حمد الطبية بشراكة مع جامعات طبية ألمانية، كما سعت الدوحة إلى مد أواصر الصداقة مع الألمان في مجالات الثقافة والرياضة وغيرها، صانعة بذلك صديقًا قويًا يمد لها يد العون عند الضيق.

https://www.youtube.com/watch?v=uyOsSCLE5cY

طريقا ميركل وترامب لا يلتقيان

يبدو لافتًا أن التعليقات التي خرجت من الجانب الألماني في تناول الأزمة الخليجية، كانت تركز بشكل كبير على دور الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» في صنعها – أو مفاقمتها – بل وامتدت إلى التهجّم على نهج ترامب في التعاطي مع ملفات العلاقات الدولية بشكل عام.

«إن صفقات الأسلحة الأخيرة التي وقعها السيد ترامب مع الممالك في الخليج تزيد من خطورة اندلاع سباق تسلح جديد في المنطقة، هذه السياسة خاطئة تمامًا، وهي بشكل واضح تخالف السياسة التي تنتهجها ألمانيا» – وزير الخارجية الألماني «سيغمار غابرييل».

بل إن وزير الخارجية الألماني قد ذهب أبعد من ذلك في تصعيده الكلامي ضد ترامب، موجهًا له ولسياساته إهانات ضمنية حين حذر مما أسماه «ترمبنة Trumpification» السياسة في تلك المنطقة المتوترة من العالم، معرّضًا بذلك بالنهج الصدامي المتسرع وغير القابل للتوقع من قبل الرئيس الأمريكي، بحسبه.

في الحقيقة، يمكن اعتبار الموقف الألماني من الأزمة الخليجية امتدادًا لنزاع أصيل بين حكومة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل من جهة، وبين إدارة ترامب من جهة أخرى، حيث وجدت برلين في الأزمة الخليجية فرصة لاستعراض رفضها للسياسات الأمريكية الجديدة عبر اتخاذ موقف أقرب لقطر بخلاف ترامب الذي أعلن غير مرة تعاطفه مع توجهات المحاصرين.

القضايا الخلافية بين الجانبين كثيرة ومتعددة، ولا يكاد يمر يوم من غير أن تتفجر فيه نقطة افتراق جديدة أو تتعمق فيه الجراح القديمة، بدءًا من تصريحات ترامب العدائية تجاه الناتو، وجفاء لقاءاته مع المستشارة الألمانية، وهجومه المتكرر على الألمان، ومناداته للألمان بدفع المزيد من الأموال لقاء حمايتهم، مرورًا بقرار ترامب الانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ، ورفضه طلب الزعماء الأوروبيين بالبقاء، وليس انتهاءً بالدور الغامض الذي تلعبه عائلة ترامب في السياسة الأمريكية والدولية، وهو الأمر الذي أثار استهجان الألمان الذين خرج وزير خارجيتهم ليعلن أن تلك المحسوبية – إشارة لزيارة إيفانكا ترامب إلى ألمانيا واستقبالها بشكل شبه رسمي – لا يمكن أن توجد في ألمانيا.

كل تلك التوترات جعلت ترامب «مكروهًا» في ألمانيا، وجعلت الدبلوماسية الألمانية تتحين الفرص لإعلان تمردها على الأمريكيين، وقد كانت الأزمة الخليجية فرصة لإظهار ذلك التمرد.

ألمانيا تخشى السلفية أكثر من الإخوان

خلف كل دعاوى شعارات «مكافحة الإرهاب» و«محاربة التطرف» التي رفعها التحالف الرباعي العربي ضد قطر، كانت تقبع حقيقة راسخة شبه وحيدة، هي أن الهدف الرئيس لتلك التحركات هو استئصال شوكة الإخوان المسلمين وداعميهم من المنطقة بشكل نهائي.

في الحقيقة، لا تتشارك ألمانيا تلك المخاوف بشأن «الإخوان المسلمين» كثيرًا مع دول الحصار، بل إن لهم حضورًا قويًا في ألمانيا عبر شبكة من المساجد والمؤسسات التي لا تثير الهلع كثيرًا لدى المسؤولين الألمان بقدر ما تثير غضب السلطات المصرية التي تتهم وسائل إعلامها ألمانيا بإعطاء قبلة الحياة لتنظيم الإخوان في أوروبا.

المخاوف الأكبر في ألمانيا تنبع من الاتجاهات السلفية التي تعتبرها أكثر تشددًا، وتلك الأخيرة ترتبط بشكل أكبر بالسعودية – لا قطر – ارتباطًا ماديًا وروحيًا، وكان نائب المستشارة الألمانية قد هاجم في تصريحات سابقة الرياض داعيًا إياها إلى وقف تمويل المساجد «الأصولية» قائلًا:

«المساجد الوهابية في جميع أنحاء العالم ممولة من السعودية، علينا أن نوضح للسعوديين أن زمن غض الطرف قد ولّى».

وكان تقرير سابق صادر عن الاستخبارات الخارجية الألمانية قد وجه أصابع الاتهام إلى السلطات السعودية متهمًا إياها بدعم الإسلاميين الأصوليين داخل ألمانيا، قبل أن تحتوي الحكومة الألمانية لاحقًا آثاره حفاظًا على علاقاتها الوثيقة مع الرياض، لكن يبدو أن التخوف الألماني من المد السلفي قد مد قائمًا، ليلعب دورًا في الموقف الألماني الحالي من الأزمة الخليجية.

 

المصادر

تحميل المزيد